"اللادينية": موجة "حك الدماغ"!

مروى بلوط

هي موجة الصقيع الفكري أو "حكّ الدماغ". لا مكان فيها للمسلّمات. لا مزيد من الإيمان الأعمى. انّها مواجهة لا مفرّ منها بين الدين و"العقول المفكّرة" التي أبت أن تسلّم جدلاً بمختلف الديانات وعقائدها، وأصبح التحقّق من كل شاردة وواردة شغلها الشاغل، والدعاة الى الدين بانتظار هؤلاء "المرتدّين"، في الحياة الحقيقية كما الافتراضية منها، فهذه الأخيرة هي الميدان الذي فيه يرمي الناس ما طاب لهم من الأفكار، لتدور معركة "كومنتات" طاحنة.

ليست "اللادينية" قراراً يؤخذ بين ليلة وضحاها، بل تراكم الأسباب هو ما يدفع الفرد الى "اعتناق" هذا الاتجاه، والتسلح بالحجج والبراهين أمر ضروري في جلسات النقاش، الجلسات التي قد لا تلقى مكاناً لها ضمن العائلة الواحدة. أحياناً تُقتل الأفكار وتُدفن في مقبرة العقل قبل أن يطلق العنان لها.

البحث عن "العدل الالهي"

روني البالغ من العمر 20 عاماً، لم يتمكن حتى اليوم من مصارحة أهله بحقيقة أنه لاديني، هم يرفضون وبشكل كلّي محاولاته لطرح أي أسئلة وجودية أو أخرى تتعلق بالدين والمعتقدات والأحكام. وعند سؤاله عن السبب الرئيسي الذي جعله لادينياً، كان جوابه "من الآخر، أنا مثلي الجنس، وأمثالنا يرفضهم الدين". ويتابع روني "لا أؤمن بالأديان، وأعتبر أنها من صنع إنسان لديه من الذكاء ما يكفي للتأثير بعقول الناس، أما وجود الله أو عدمه فهو أمر غير مهم بالنسبة إليّ".

بالرغم من موقفه هذا، الا أنّ شاباً في مثل عمره لا بدّ أنّه قد بدّل رأيه مرات عدة، فبعد أن كان ملتزماً بدينه رغم عدم تعمّقه به، بدأ يرى أن "لا عدل في الدين"، واستفزته نقاط عدّة منها "عدم المساواة بين الأجناس، حقوق المرأة، فكرة الحجاب الالزامي للمرأة، التشدّد في بعض الفرائض.." وغيرها من القوانين التي لا يتّبعها لأنها لا تناسبه، "ولا صلة لها بالمنطق والعلم".

"جهنّم وبئس المصير.. عن أي مصير تتحدثون؟"، لا وجود لجهنّم في قاموس روني، اذ يقول "ببساطة لا أؤمن بها، أشعر أنها شيء مخيف، أو على الأقل هذا ما يقال عنها"، هو لم يفكّر يوماً بسؤال "ماذا بعد الموت؟"، ويضيف ضاحكاً "ما حدا رجع وخبرني شو صار!".

بدوره علي ص. يتحدّث عن تجربته لـ"الرقيب"، والتي أخذت منحى مختلفاً عن تجربة روني، و"بدأت بحلم شكّل بوابة لكلّ الأسئلة والشكوك". عشرة أشهر كانت كافية للقراءة والبحث، وتمكّن علي بعدها من تصنيف نفسه ضمن فئة اللادينيين.

"نفرت من الممارسات الدينية التي لا إنسانية فيها، وقرّرت البدء بالبحث عن العدل الالهي وعن المهدي المنتظر"، يقول علي مشيراً الى أنّه قد مرّ بفترات من الضياع، حاول خلالها أن يجد نفسه. توسّع في قراءاته، وانتقل من الكتب الدينية المختلفة الى قراءات عن تطور الحضارات، وكيف أنّ "من اخترعوا الدين تأثروا في البداية بخرافات موجودة سابقاً".. عبثاً حاول علي، اذ أنّه "لم يجد من العدل الالهي شيئاً". وفي ما يتعلق بنظرته الى الله يعتبر علي أن "الخالق موجود، لكنه لا يتدخل بحياة الأشخاص، ولم يرسل أحداً ليحثّ الناس على الإيمان به".

لا يغيب عن الذكر أهمية الحياة الروحية لدى بعض اللادينيين، فَروني الذي اعتاد تأدية الصلاة لفترة من الوقت من خلال التحدث الى الله، وجد من بعدها أن "الصلاة مضيعة للوقت"، لكنّه وجد روحية الصلاة الحقيقية بالتعامل الحسن مع الناس ومساعدتهم. وكلاهما روني وعلي يشدّدان على أنهما لم يتعرّضا لأحد، بل يحترمان تفكير الأصدقاء، فالإحترام أبدى من الإساءة.

ماذا خلف الفكر اللاديني؟

في ظلّ الجرائم التي ترتكب يومياً في لبنان وفي العالم، ومع تنامي العصبيات الدينية، بات السؤال "مشروعاً" لدى البعض "هل هذا ما يُمليه الدين علينا؟ كيف يسمح الله بكل هذا الظلم؟ أين العدالة؟". البعض استطاع أن يفصل ما بين الأفعال الجرمية لهذه الجماعات والدين الحق، في حين أن آخرين فقدوا الثقة بدينهم.

من قال إن وحدهما التحليل العلمي المنطقي والجماعات الإرهابية يقفان خلف الاتجاه الفكري اللاديني؟ "نصف البلاء من رجال الدين وممّن يعتبرون أنهم ممثّلوا الله على الأرض" برأي كمال (25 عاماً). يتحدّث الشاب العشريني لـ"الرقيب" عن عدم اتفاقه مع الشيوخ والخوارنة، وعلّق قائلاً "هلكونا مواعظ ونفاق باسم الدين"، وسجّل من بعدها مآخذه التي لا تعد ولا تحصى "فالفتاوى بمعظمها لا معنى لها، وهدف أغلبها ليس سوى زيادة تقييد حياة المرأة ودفنها بحجة تفادي تحرك مشاعر الرجل".

وتابع كمال الحديث متوقفاً عند إحدى البوستات على "الفايسبوك"، والتي جرى عليها نقاش ما بين شخصين حول "عدم جواز العطر الفوّاح للرجل"، وقال "العلماء اليوم يدرسون وجود حياة على كوكب آخر، والبعض لا زال عالقاً بالكلام الفارغ.. فيقوا يا بشر!"، ويستغرب من حديث بعض الملتزمين والملتزمات الذين "يهينون غير الملتزم بفعل الفوقية في كلامهم".

هؤلاء الذين لا ينسجم معهم كمال، لهم أيضاً نظرتهم الخاصة لـ"اللاّدينيين"، غير أنّ البعض منهم قد يخلط ما بينهم وبين الملحدين، اذ أنه في نهاية المطاف "جميعهم مرتدون"، وتصف سارة المرتدين بأنّهم "أشخاص تأثروا ببعض الكتب أو الأحاديث نتيجة ضعف إيمانهم وشخصيّتهم".

في حين أنّ زينب (23 عاماً) تعترف بأنّ "كل الحق على رجال الدين والملتزمين يللي بيزيدوها"، هذه الشابة الملتزمة دينياً تحاول ألا تخرج عن دينها في ظلّ "هستيريا الإلحاد واللادينية". وفي حديثها لـ"الرقيب" لفتت الى "إيجابية التفكير" قائلة "أبحث دائماً عن الجميل في الدين وأخاطب التنوع في الأشخاص الذين أتعرّف إليهم، علّني في هذه الطريقة أنجو ممّا يشوّهه بعض المتشدّدين في التزامهم".

داع أخير الى التوجه "اللاديني"، يتمثّل بمجموعة من الصفحات والمجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي، تدعو المتابع الى التفكير أكثر من خلال فيديوهات تفسيرية لبعض الأمور، وقد يصل الأمر حدّ الاستهزاء والمسّ برموز الديانات. "خسة"، "دخلك بتعرف"، "شبكة الملحدين العرب".. وغيرها من الصفحات التي تستغل أخطاء الدين وتشدّده وأخطاء المتحدثين باسمه، أو حتى تقوم بتحريف المحتوى و"اللعب على الكلام"،  لترسم سكة جديدة الى اللادينية والإلحاد.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.