مطرقة وسندان.. في "حبّ" ولايتي والسبهان

نورما أبو زيد

مرّ قطوع "إقالة" المملكة العربية السعودية للرئيس سعد الحريري من رئاسة الحكومة.. على أمل ألا يكون الآتي أعظم. في قطوع "الاستقالة ـ الاقالة" الذي "قطع" على خير، مبدئياً، الرئيس "المايسترو" ميشال عون، هو أكثر من يستحقّ التصفيق. لقد قاد الرئيس عون "الفرق اللبنانية"، ونجح في ضبط إيقاعها. وبالرغم من بعض أصوات النشاز، قاد "العازفين" المحليين إلى عزف مقطوعة وطنية، يُفترض أن تُخرج سعد الحريري من "أسره".. ولكن، من يضبط أصوات النشاز الخارجية؟

ليس خافياً، أنّ الرياض "سلّمت" لبنان إلى وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان، وأنّ طهران "فوّضت" أمر لبنان لمستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي. تفويضان يستحقان فعلاً عبارة "الله أكبر.. فالآتي بالتأكيد كبير".

فريقا "الزقّيفة" و"الزحّيفة" المحليان هما تحت قيادة إقليمية بجناحين متناقضين: جناح بإشراف "مايسترو" إيراني، وجناح بإشراف "مايسترو" سعودي. والسؤال كم سيكون حجم النشاز في لبنان والمنطقة مع "معلّمين" بالنسبة لهما "الموسيقى الوطنية رجس من عمل الشيطان"؟ ومن سيكون "المايسترو" على "معلّمين" إقليميين ناشزين، كل منهما "يغرّد" على ليلاه، ويترك لنا الـ "آآآآآه" التي تشبه بمفاعيلها الـ "آآآآآآخ".

على سيرة الـ "آخ"، كانت المرحلة الممتدة من سبت استقالة الحريري، إلى أحد العودة عن الاستقالة، مرحلة عضّ أصابع بين بيروت والرياض، بحيث انتظرت كلّ عاصمة العاصمة الأخرى لتقول "آخ" أولاً، فكان أن "افتدى" رئيس حكومة لبنان العاصمتين، وخرج على اللبنانيين في مقابلة تلفزيونية معلناً "آهاته" و"آخاته" على الهواء، مستحصلاً بذلك على "أوسكار" أسوأ أداء تمثيلي في فيلم "خرج ولم يعد".. بينما حصد السبهان "أوسكار" أسوأ نص وأسوأ إخراج.. ولكن بالرغم من رداءة الصورة، ما يزال السبهان جزءاً من يومياتنا بـ "وتوتاته". يغرّد صباحاً ومساء بما لا تطرب له الآذان، ولا يخلد إلى النوم قبل التحقّق من وضع "الرعيّة" في لبنان. ومثله يفعل نظيره الإيراني علي أكبر ولايتي، ولكنّه يستعيض عن "الوتوتات" المكشوفة بـ "الوشوشات" المستورة. إنّه الأسلوب الذي تعتمده إيران مع "رعيتها" في لبنان، وهذا "الخشوع" في العلاقة، يتماشى مع الصورة التي ارتدتها طهران منذ الثورة الإسلامية.

بغضّ النظر عن "الخشوع" أو "التكبّر"، لقد وقعت كلّ من الرياض وطهران في حبّ بيروت، حتى صحّ قول المثل "ومن الحبّ ما قتل".

كادت صورة "سيلفي" مع السبهان تودي برئيس حكومة لبنان سياسياً، لولا الضغوط العونية والدولية.

و"الحبّ الإيراني" ليس أقلّ ضرراً على لبنان من "الحبّ السعودي". فحتى الحب عن بعد ما بين ضاحية "حزب الله" وإيران الثورة، له مفاعيل "سحرية". تلبّي الضاحية الطلبات الإيرانية على قاعدة "ضرب الحبيب زبيب"، ويتساوى جميع اللبنانيين في أكل "الزبيب الإيراني"، سواء أحبوا الزبيب أم كرهوه. فمنذ أن أصبح في لبنان "حالة" داخل الدولة، أصبح للبنان "قرص" في كلّ "عرس عربي"، ولأن "الأعراس" كثيرة، فالمآتم "على مدّ عينك والنظر".

تتقاتل الرياض مع طهران على "حبّ لبنان". الأولى تريد أن "تنفرد" بلبنان، والثانية تريد أن "تستفرد" بلبنان، ولولا المحنة الأخيرة لكان "لبنان الرسمي" يغنّي "على بابي واقف قمرين".

 

السعودية تريد من اللبنانيين أن يحبّوها وحدها. هكذا يعبّر السبهان "الغيور" على لبنان في "وتوتاته". قال بالفم الملآن إنّ الزمن الإقليمي الرديء لم يعد يحتمل نصف غرام. ولكن ولايتي صدره أكثر رحابة. لا يمانع "الشراكة في الحب". لم يعترض عليها يوماً ولن يعترض.. يكتفي بـ"جزء" من لبنان، ولن يمانع بأكثر من ذلك.

يبدو "المفوّض" الإيراني بشؤون اللبنانيين وشجونهم، أكثر معرفة باللبنانيين من "المفوّض" السعودي. يدرك ولايتي ما لا يدركه السبهان. من الواضح أنّ تاريخ السبهان الحافل بالأعمال العسكرية، منعه من التعمّق في التاريخ، ولذلك لا يُدرك أنّه يتعذّر على اللبنانيين أن يفرحوا معاً وأن يحزنوا معاً دائماً.. ما يُفرح فريق ربما يُحزن الآخر، وما يُحزن فريق قد يُفرح الآخر. عندما يضحك قسم من اللبنانيين قد يبكي قسم آخر، وعندما يبكي قسم ربما يضحك قسم آخر. انتصارات البعض انكسارات، وانكسارات البعض انتصارات. هكذا هم اللبنانيون. هكذا كانوا، وهكذا سيبقون. مآتم البعض أحياناً تكون أعراساً عند آخرين، وأعراس البعض قد تكون مآتم عند آخرين. وهذا "النموذج" هو "تراث لبناني"، وهذا التراث أفضى إلى الازدواجية. يحبّون شرقاً، ويهيمون غرباً، وبين الاثنين يجودون ولا يركنون في حضن واحد، ولذلك تطويعهم عسير، وترويضهم مستحيل.

في المختصر، أهواء اللبنانيين كثيرة، ومطرقة ولايتي لا تنفع معهم، وكذلك سندان السبهان، لذا فليطرق ولايتي مباشرة على سندان السبهان، لأن اللبنانيين ملّوا هذا وذاك.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.