بين إنهاء الطائف والحرب المؤجلة

جوزف القصيفي

ليس جديدا القول ان طريقة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، في التعامل مع الاستقالة غير المتوقعة للرئيس سعد الحريري، وبالاسلوب غير المسبوق الذي تمت فيه، ادت الى سحب فتائل التفجير السياسي  والامني والانهيار المالي، الذي كانت بعض الجهات تتوقع حصوله والبناء عليه، لتغيير المشهد السياسي كليا.

وكانت قد توافرت معطيات حول مخططات أمنية لتحريك المخيمات الفلسطينية، وخلايا نائمة من بقايا تنظيمي "داعش" و"جبهة النصرة"، واستيلاد الحساسيات اللبنانية – السورية على قاعدة مذهبية في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الجنوبية. لكن حكمة وحزم الرئيس عون، ومفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، والمواقف المسؤولة الواعية لرئيس المجلس النيابي نبيه بري و"تيار المستقبل" والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، تمكنوا من احتواء اي تداعيات فورية لعاصفة الاستقالة، وان يجعلوا الاستقرار اولوية غير قابلة للنقاش، وترشيد الخطاب السياسي وعقلنته، بحيث لم يتفلّت من هذه القاعدة سوى بعض الاصوات السياسية والاعلامية المعروفة المقاصد، وهي تنتعش في المناخات السلبية.

اذن أُسقط في يد من سعى في الداخل والخارج للبناء على استقالة الحريري. ويضاف الى مواقف القيادات السياسية ، القرار الحاسم للجيش اللبناني بقيادة العماد جوزف عون وسائر الاجهزة الامنية، بمنع أي مغامرة للاخلال بالاستقرار. والتحرك الداخلي والخارجي للمدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم لمعالجة موضوع المخيمات الفلسطينية، وخصوصاً عين الحلوة، ومنع استخدامه منصة ومنطلقا للتوتبر والتفجير.

وقد اثمر التنسيق بين الاجهزة توقيفاً لاخطر المطلوبين، وأكثر المقربين للقيادات التكفيرية في هذا المخيم. وآخر انجاز في هذا السياق كان توقيف مصطفى الحجيري (ابو طاقية) على يد مخابرات الجيش في بلدة عرسال.

كان واضحا من المعلومات المتقاطعة ان الموقف الاوروبي الجامع، ولاسيما الفرنسي، والموقف المصري الحاسم برفض اي مغامرة دولية – اقليمية بالاقدام على عمل عسكري في لبنان، والتحذير الروسي الذي بلغ أعلى الدوائر في واشنطن، وفي تل ابيب، من مغبة اي خطوة، لأن ذلك قد يؤدي الى حرب شاملة لن تسلم من شظاياها أي دولة في المنطقة.
كل ذلك لا ينفي واقع الأزمة في لبنان التي قد تمتد لفترة طويلة، وسط تساؤلات مشروعة حول الحكمة من نسف التسوية التي كانت قائمة في لبنان. كانت هناك
مساكنة مريحة بين المكونات السياسية في حكومة مصلحة وطنية، حكومة استطاعت في فترة وجيزة وضع قطار الدولة على السكة. فهل ان الازمة الوليدة تفتح الباب على حل جذري كاعادة النظر في الطائف.. او انها حرب مؤجلة.

المؤكد أن من دفع الرئيس الحريري الى الاستقالة بلغ به عشق المغامرة  حد استسهال لبنان، واستساغة تدميره وإعادة عقارب ساعته الى الوراء تنفيذاً لحسابات سياسية. لكن ليس دائماً ما ينطبق حساب الحقل على حساب البيدر.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.