"فاشنيستا".. "مهنة" مواقع التواصل

بين حبّ الظهور.. وبين الهواية المدفوعة الأجر

هدى عبد الله

تحبين الموضة وتتابعين أحدث صيحاتها؟ متألقة وأنيقة دائماً؟ مهووسة بالأزياء والملابس؟ "فوتوجونيك" وتحبين التقاط الصور بكثرة؟ تمضين أغلب أوقاتك على مواقع التواصل الاجتماعي وفي رصيدك عدد لا بأس به من المتابعين؟…

اذا كان جوابك "نعم"، فبكل سرور.. أهلا بك في عالم الـ "فاشنيستا".

أصل التسمية من كلمة "fashion" بالانجليزية وتعني الموضة، أما ista"" فتعني ما يخص الانسان ونفسه "تستخدم للتملك"، أي أن معنى الكلمة حرفياً هو "موضَتي"، اما الـ فاشنيستا" في العالم الافتراضي فهي بالنسبة لمتابعيها ومعجبيها بمثابة "أيقونة الموضة" التي يُحتذى بها.

في السنوات الست الأخيرة، أصبح هذا المصطلح متداولاً بشكل كبير، ولا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً على "انستغرام" الذي أصبح المنبر الأساسي لهن، فالـ "fashionista" هي فتاة تكون إما ذات وجه معروف، كعارضات أزياء وممثلات وفنانات (أمثال كيم كارداشيان، جيجي حديد، وكيندال جينر…)،  وإما تكون فتاة عادية (أم، زوجة، مراهقة، طالبة…) تجهلها أضواء الشهرة، ولكنها تتميز بأنها تلفت أنظار المتابعين لها من خلال أسلوبها المميز والذي يكون على ذوقها الخاص في انتقاء الملابس وكل ما يتعلق بالموضة من الحجاب، الأحذية، الاكسسوارات، الحقائب… أمثال لينا أسعد، آسيا عاكف، هادية غالب، تالا سمان، دلال الدوب…)، بالإضافة الى المختصات بالجمال وكل ما يتعلق بمساحيق التجميل والنصائح الجماليّة اللواتي لهن حصة كبيرة من المتابعين والمهتمين.

مع شيوع هذا المصطلح في الآونة الأخيرة، تحوّل هواة الأناقة والأزياء إلى مشاهير لهم آلاف وملايين المتابعين، وتحوّل الشغف بالملابس وحب الموضة مع الفتيات الى مهنة بالنسبة لهن، لدرجة ان بعضهن تركن وظائفهن لأن المردود المادي لهذه "المهنة" كبير، ويفوق أحياناً دخل كبار الموظفين. أما بعض الـ"فاشنيستات" العالميات فتنافسن كبار الفنانين والنجوم بالأجر! كل ذلك بعيداً عن عناء الدراسة والتعب والجهد والعمل لسنوات عديدة ، حتى أن هناك من لديها الإستعداد لتضحّي بمهنتها من أجل التفرغ لمجال الموضة والأزياء والعمل "فاشنيستا". فنجد مثلا بأن المذيعة التلفزيونية اللبنانية "ديالا مكي" والتي بدأت حياتها المهنية كمقدمة برامج، تحولت إلى أيقونة موضة عربية وعارضة أزياء و"فاشنيستا" معروفة على مواقع التواصل الاجتماعي.
أما المستفيد الأول من بروز هذه الظاهرة أكثر فأكثر، هم بالتأكيد الشركات والأسواق التي تهتم بشكل أساسي بالقوة الجماهيرية التي تملكها الـ"فاشينيستا".
لكن من وجهة نظر أخرى، أصبحت الـ"فاشنيستا" مهنة من لا مهنة له، فهؤلاء يعتبرون بأن كل شخص منّا مع القليل من المال وبعض المتابعين، باستطاعته الانضمام لعالم الموضة والانخراط في الشهرة الافتراضية والمهنة المؤقتة، وان كانت متطلبات هذه المهنة هي الظهور بكامل الأناقة واختيار افضل الملابس وتغيير وضعيات التصوير فقط… فما الضرر "لنصبح كلنا فاشينيستات"!

مهنة أبديّة.. أو هواية؟!

بين المهنة وأسلوب الحياة، يضيع التعريف، فبعضهن تعتبرن أنهن دخلن هذا المجال بمحض الصدفة بشكل عفوي، ومن دون دافع تجاري أو مهني، وذلك بسبب اهتمامهن الزائد بالموضة والأناقة والجمال، فكانوا يقمن بنشر بعض الصور التي تحظى في ما بعد بإعجاب المتابعين ليزداد عددهم من حين إلى آخر، ومن ثم الترويج لبعض المنتجات.. الأمر الذي أغرى الشركات الكبرى للاستعانة بهنّ لأغراض دعائية، فتصارعت عليّهن الماركات العالمية لتمثيلها، وفعلاً قد أثبتن جدارتهن. أما الأخريات، فانجررن نحو حب الشهرة والأموال، وكان دخولهن لهذا المجال عن سابق اصرار، بالإضافة الى حب الترف و"الحياة الملكيّة المثالية"، بنظرهن – التي تحياها الـ"فاشنيستا"، فهي تتنقل بين بلدٍ وآخر باستمرار، وتطل على متابعينها بأجمل الأزياء والحلى، وترتدي لأهم المصممين وأهم الماركات، وكل ما تقوم به لكسب المال هو ارتداء الملابس والخضوع لجلسة تصوير ونشر الصور على مواقع التواصل، وها هي الأموال والعروض تمطر عليّهن من كل شركة ومؤسسة.. فمن لا يحب أن يحصل على المال من دون جهد اضافي أو تعب!

تنغرّ الفتيات بسهولة العمل وما ينتج عنه، فتندفعن بقوة للإنضمام الى "عالم الفاشنيستات".

كما كل الظواهر الجديدة التي اقتحمت أسوار عالمنا بفضل التطوّر والتكنولوجيا – لا سيما ظهور الإنترنت – والتي شكّلت صدمة في بادئ الأمر للناس، ولكن سرعان ما رحّب بها المجتمع في ما بعد واعتاد عليها وتقبّل وجودها بايجابياتها وسلبياتها.

ظاهرة الـ"فاشنيستا"، كغيرها، هي مهنة للبعض أيضاً، وتُعتبر وليدة عالم التكنولوجيا والإنترنت، سواء أعتبرها البعض مهنة أم رفضوا ذلك، ولها سلبياتها وايجابياتها.
فايجابيات هذه المهنة  تقتصر على اهتمام الشركات والاسواق والماركات في الترويج للبضائع والسلع وما تدرّ الـ"فاشينيستا" – خاصة المشهورة – من أموال ، بالإضافة الى أنها منفذ لكل شغوف ومحب وعاشق وهاو للأزياء والموضة والأناقة وكل ما هو جديد.

أما أبرز سلبياتها لا تكمن بمضمونها، بل تتخطاه لتصل في بعض الأحيان إلى نوعٍ من قلة الوعي لدى المتابعين، فيعميهم حب المظاهر وينجرّون للتقليد والنسخ، مما قد يساهم في خلق شخصيات جديدة عندهم فقط للتمثّل بـ "ايقونتهم" التي لا تشبههم بشيء، ولكن التباهي والظهور بأبهى حلّة هو الهدف الاول. وقد تخالف هذه الشخصيات الجديدة في بعض الأحيان بيئتها ومجتمعها وتؤدي الى إثارة جدل اجتماعي كبير حولها (كما في الكويت). أما الكارثة الكبيرة التي ولّدتها هذه الحالة، فهي التأثير على التحصيل العلمي لبعض الفتيات اللواتي ترغبن فعلاً بترك الدراسة للاندماج في هذا العالم، وتفكرن جديّاً باحتراف "المهنة الافتراضية".

"لمَ الدراسة والتعب للحصول على عمل بمرتب زهيد ، بينما باستطاعتي تجاوز هذه المراحل بغمضة عين لأصبح صاحبة أموال وبوظيفة لا تحتاج جهد وتعب؟"… لعلّ هذا التفكير هو الذي يرافق الجيل الجديد، وهو تفكير خطير لأنه حتماً سيؤثر على المستوى العلمي والفكري والثقافي للمجتمعات.

أما هوس الشهرة فحدّث ولا حرج، فقد تحوّل عند البعض الى مرضٍ وحب للظهور  عبر: "فايسبوك"، "انستغرام" ، "سناب شات"، "تويتر".. عن طريق منشورات او صور او فيديوهات جعلت لهم جمهوراً خاصاً بهم ، يتابعهم وينتظر جديدهم.

"لا تجعل ثيابك أغلى شيء فيك، حتى لا تجد نفسك يوماً أرخص ممّا ترتدي". قالها جبران خلیل جبران ولم يكن يعلم حينها ما ينتظر المجتمع من محطّات وظواهر، وفي بعض الأحيان انزلاقات، وفي هذه الحالة ان كان الهدف من أن نصبح "فاشنيستات" هو فقط للتباهي بالملابس والتصنع، أو لنصبح أحداً غير أنفسنا، أوبمعنى آخر "فارغين" فقط لنبالغ في الزينة ونغذي حب الظهور والتّصنع المتفشي فينا، فالأقربون أولى بالمعروف، والعقل هنا هوالأقرب والأولى بالتغذية والمبالغة في تزيينه فكرياً.. أما ان كانت المهنة عبارة عن "هواية" متطورة ومُستحقة، وشغف لا متناهي لتصبح في ما بعد مهنة تؤمن مدخولاً جيّداً.. ما الضرر؟!

فالوعي والتثقيف والمستوى الفكري، هم عوامل حتماً ستساهم بشكل ايجابي مع بروز ظواهر جديدة في المجتمع، كي لا نتأثر بها إلى حد الهوس أو نتحاشاها إلى حد الجهل.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.