لماذا لجأ السجناء الاسلاميون إلى التصعيد؟

سماح عبيد

عندما طُرحت قضية العفو العام عن السجناء، كانت هذه القضية بمثابة "رشوة انتخابية" جاء توقيتها قبل أشهر من انطلاق الانتخابات.

لكنها ليست المرة الأولى التي يطرح فيها العفو العام، حيث أنه بلغ الذروة في العام 2013  على خلفية أزمة ما كان يسمّى بـ"وثائق الاتصال" التي تتم بموجبها ملاحقة آلاف اللبنانيين، إضافة إلى مذكرات التوقيف التي لا يوجد رقم دقيق عن عددها، وإن كانت التقديرات تتحدّث عن نحو 40 ألف مذكرة توقيف، منها ما له علاقة بترويج أو الإتجار أو زرع المخدرات أو تعاطي ومنها ما له علاقة بإطلاق النار في الهواء ومنها ما له علاقة بجنح أو شبهات واتهامات… إضافة إلى ملف الموقوفين الإسلاميين منذ أحداث مخيم نهر البارد من دون محاكمات، وهذا تحديداً ما شكّل تعطيلاً لملف العفو العام، لأن قيادة الجيش رفضت آنذاك العفو عن الذين شاركوا في مواجهة الجيش في معركة "فتح الإسلام" في مخيم البارد، كما رفض العديد من القيادات السياسية أن يشمل العفو العام هؤلاء الإسلاميين.

ويومها كانت الحجة لعدم حصول المحاكمات هي عدم وجود قاعة تتّسع للعدد الكبير من الموقوفين الإسلاميين لمحاكمتهم في ملف واحد، فسارع وزير المالية آنذاك محمد الصفدي إلى صرف اعتماد لبناء قاعة مخصصة لمحاكمتهم، إلا أن المحاكمة لم تحصل.

بعد سنوات، وخصوصاً في حكومة الرئيس تمام سلام جرت تسوية العديد من الملفات، بينما دخل السجون مجدداً آخرين متهمين بالانتماء إلى تنظيم "داعش" أو إلى تنظيم "جبهة النصرة"، فعادت السجون لتملئ بالسجناء الإسلاميين، بينما جاءت أحداث صيدا ـ عبرا لترفع بشكل كبير عدد السجناء، وبعدها جاءت تسوية ملف أحداث طرابلس…

صار ملف السجناء الإسلاميين معقّداً، خصوصاً في ظل ربط مصير إسلاميين بالشبهة مع إسلاميين متهمين بالمشاركة في مواجهة الجيش.

مع الوقت، صار ملف السجناء الإسلاميين كحكاية إبريق الزيت، لكن التوصيف الأدق هو أن هذا الملف صار ورقة سياسية تخضع لبازار سياسي ـ انتخابي، يجري تحريض أهالي الإسلاميين من وقت لآخر لاستثمار تحرّكهم ضد هذه الحكومة أو تلك، وضد هذه الجهة السياسية أو تلك. كما أن هذا الملف صار معروضاً في سوق المقايضة، ولذلك فإن حجم التشابك فيه يجعل من الصعب تفكيك عقده الكثيرة، بينما السجناء يعيشون على أمل الوفاء بوعود العفو العام وبينما الأهالي معلّقون بحبال هواء الانتخابات للضغط من أجل استصدار العفو العام.

هي الورقة الاخيرة التي يمكن للإسلاميين لعبها قبل موعد الانتخابات النيابية في 6 أيار. عملياً، لجأ السجناء الإسلاميون إلى استخدام الورقة نفسها التي استخدمتها القوى السياسية للإستثمار الانتخابي. فعندما طُرحت فكرة العفو العام، كان هدفها انتخابي محض. تلقّف السجناء هذه الورقة وهم يحاولون استخدامها في ربع الساعة الأخير قبل الانتخابات النيابية، لأنهم يدركون جيداً أن ملف العفو سيوضع في السجن أيضاً بعد الانتخابات وسيصبح منسياً.

في الانتظار، عادت قضية السجناء مجدداً تحت عنوان "الحرية او الموت". شعار إتخذه السجناء في تصعيد تحرّكهم بغية الوصول الى المطلب المرتجى منذ أكثر من سنة. ففي 8 آذار نُشر تسجيل صوتي للشيخ خالد حبلص يعلن فيه بدء الاضراب عن الطعام في سجن رومية للمرة الثانية، احتجاجاً على "المماطلة بملف العفو العام والاستثناءات التي قد تطال أعداداً كبيرة منهم"، ثم انضم إلى الإضراب عن الطعام السجناء الإسلاميون في سجن جزين وسجن القبة.

تزامن الاضراب عن الطعام داخل السجون مع تحركات احتجاجية خارجها، تمثلت باعتصام اهالي الموقوفين الاسلاميين في الطرقات سعياً لمطلب واحد "العفو العام الشامل"، لتتحول الاعتصامات في اليوم الثاني الى قطع طرقات في صيدا و الشمال بعد اتخاذ السجن اجراءات صارمة بحق السجناء المضربين عن الطعام.

تقول التسريبات من السجناء الإسلاميين في سجن رومية إن إدارة السجن كانت على علم بالاضراب عن الطعام، وقد تم الاتفاق عليه قبل أيام، لكن السجناء فوجئوا أن إدارة السجن قامت باجراءات اعتبرها الاهالي تعسفية بحق أبنائهم. فقد مُنع السجناء من الخروج للباحة في الاوقات المسموحة والتواصل مع الاهالي عبر "التيلكارت"، بالاضافة الى منعهم من شرب المياه والاستحمام وتعرضهم للضرب ونقل بعضهم كوسائل للضغط عليهم لفك الاضراب.
"حق السجين ان يضرب عن الطعام"، هذا ما أكده مستشار وزير الداخلية لشؤون السجون العميد منير شعبان لـ"الرقيب".
لكن لماذا هذه الاجراءات طالما ان ما يقوم به السجناء هو حق؟
يوضح العميد شعبان ان هناك تضخيم للأمور من قبل الاهالي. ويؤكّد أن إدارة السجن لم تحرم السجناء من المياه "بل ما زلنا نعرض عليهم الطعام. غايتهم من الاضراب ليس ضد إدارة السجن أو وزارة الداخلية، بل هدفهم الوصول الى العفو العام وهذا قرار سياسي يتم اتخاذه من قبل مجلس النواب ولسنا اخصامهم في هذه العملية" .
يضيف العميد شعبان: "في نظام السجون والقانون، عند اضراب السجين عن الطعام يتم وضعه في الزنزانة دون السماح له بالخروج، كما تجري العادة، لانها حالة استثنائية تستدعي اتخاذ اجراءات خاصة من قبل إدارة السجن".

وعن فائدة هذه الاجراءات قال العميد شعبان: "ان الوضع الطبيعي هو عدم الاضراب. لم نقم بالضغط على السجناء، فمن حق السجين ان يوصل رسالته، لكن ليس من حقه الاستمرار بالاضراب، فنحن مؤتمنون على سلامة السجناء وهذه مسؤوليتنا".

وعما اذا كانت هناك حالات إغماء، اكد العميد شعبان انه "لا يوجد اضراب كامل، ولا يزالون في بداية الطريق، وليس الجميع مشاركين بالاضراب. طبياً، حتى الآن الوضع طبيعي". اما عن موضوع نقل بعض السجناء المضربين الى مبنى "واو"، فأشار إلى أنها "إجراءات طبيعية بحق المخالفين لقوانين إدارة السجن لا أكثر. والمبنى واو كغيره من المباني، لكن ما يميزه ان السجين يوضع في الانفرادي طيلة فترة عقابه" .

ويؤكّد العميد شعبان أن "إدارة السجن لن تفرض اجراءات اضافية تجاه السجناء في حال تم الاستمرار بالاضراب، ولن تتصاعد الا في حال التمرد. اذا بقي الاضراب على حاله ستبقى هذه الاجراءات قائمة و مستمرة".

وفي محاولة لحلحلة الامور حصل قبل ايام لقاء بين الوزير نهاد المشنوق والعميد منير شعبان مع الشيخ سالم الرافعي و ممثلين عن اهالي الموقوفين الاسلاميين بغية الوصول الى اتفاق يرضي كل الاطراف.
وبحسب العميد شعبان فإن الاجتماع "كان ايجابياً" حيث تمت اعادة السماح للسجناء بالتواصل مع اهاليهم عبر "التيليكارت" بطلب من وزير الداخلية، لكن يبقى السجناء محرومون من فتح الابواب طيلة هذه الظروف الاستثنائية

و وجه العميد شعبان رسالة الى الاهالي طالبا منهم عدم قطع الطريق لأن هذا يتعارض مع هدفهم بالعفو العام، خصوصاً بما يتعلق بتعاطف الناس معهم. ويضيف "حالياً الكل يطالب بالعفو والكل متفق عليه، لذا على الاهالي انتظار الوقت المناسب، ولا يجب وضع مجهودهم في المكان الخطأ خوفا من الحاق الضرر بأولادهم. وعليهم معرفة انه لا يوجد في القانون ما يسمى بتبييض السجون. هناك حقوق شخصية الدولة مسؤولة عن المحافظة عليها، بالاضافة الى قتلة الجيش اللبناني عن سابق تصور وتصميم" .
لكن السؤال هل يمكن ان يماطل السياسيين في قضية العفو ليصبح اداة انتخابية يتلاعب بها السياسيون على حساب المواطنين ويتم تأجيله الى ما بعد الانتخابات؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.