عون: وطني ليس للبيع..  ولا للإيجار

 الدول الكبرى تبحث عن وظيفة للبنان

 الإنتخابات والمؤتمرات.. ممر إلزامي لتنفيذ أو "تنفيس" الأجندات
 جورج  علم

عاد الدبلوماسي السعودي المثقف وليد البخاري إلى بيروت. حطّت طائرته تحت جنح الظلام، وتوجّه بعد ساعات الى قصر بسترس يدقّ أبوابه، فيما كانت الجماعات منهمكة بأمور أخرى، بينها: الإنتخابات، والترشيحات، والتحالفات، وتركيب اللوائح، والهيصة المتصاعدة من أروقة القصر الحكومي إحتفاء بولادة موازنة ال2018، وفلسفة الأرقام، والتوفير، والعجز، وضبط الإنفاق. وعلى وقع أنغام هذه الأوركسترا الصاخبة، كان وزير الخارجيّة جبران باسيل يختلي بهدوء بالقائم بالأعمال السعودي، من دون تعليق.

لم ينزل الخبر برداً وسلاماً على قلوب من  يرصدون دور المملكة الناهض في لبنان، ويلاحقونه بعيون جاحظة، وآذان مرهفة. جلّ همّهم هو متابعة هذه الديناميّة "المستجدة" على الحياة السياسيّة، ومحاولة فهمها بالعمق، إلاّ أن المتوافر حتى الآن، لا يروي عطشاً ولا يسدّ جوعاً، وهو أشبه بمقبلات تفتح الشهيّة، فيما الأطباق الدسمة لا تزال على النار، ولم تنضج بعد.

يعرف القلقون جيداً أن  الحركة النشطة مكبّلة بإستحقاقات لا يمكن تجاوزها. هناك القانون النسبي مع الصوت التفضيلي، وما يمكن أن يفرزه من كتل نيابيّة وازنة في المجلس الجديد، ومن تحالفات سياسيّة. وهناك المؤتمرات الدوليّة الرامية الى تحديد معالم الوظيفة الجديدة لهذا اللبنان في ظلّ الدفع المتواصل للذهاب بعيداً في تطبيق اللامركزيّة الإدارية كدفعة أولى على الحساب، قبل الدخول في إحتساب أثمان الدفعة الثانيّة التي قد تنتهي  بالفيديراليات تحت مظلّة حكومة مركزيّة قويّة، ونظام رئاسي يحترم بدقّة الخصوصيات، والتوازنات الوطنيّة الدقيقة.

وإذا كانت خلوة باسيل ـ البخاري قد حرّكت الكثير من الشؤون والشجون لدى البعض، فإن كلام رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون عن الإستراتيجيّة الدفاعيّة، وضرورة العمل على إنجازها بعيد الإنتخابات النيابيّة، قد رفعت من منسوب القلق عند المتسلحين بفائض القوّة، لا بل ضاعفت من علامات الإستفهام في محيطهم، حول المصير والمستقبل.

المسألة هنا تزداد تعقيداً عندما تخرج من النطاق المحلّي لتدخل غرفة العناية الفائقة بإشراف السلك الدبلوماسي المعتمد، والذي لم يتمكن من ترتيب أولوياته في ظلّ رئيس  لجوج، يملك رؤية، ويحتفظ بأجندة من الأولويات يفتح دفتيها جيداً عند إستقباله أي سفير أو رئيس بعثة أو موفد رسمي، ويروح يقلّب وريقاتها مدققاً، صادماً في سرد الوقائع وتحديد المسؤوليات، مطالباً بالمشاركة في إجتراح الحلول، وتحمل التبعات من منطلق مراعاة الأصول والإتفاقات والعلاقات الدوليّة، مع التأكيد والتشديد بأن الأثقال والأوزار الملقاة على كاهل الشعب اللبناني، ليست من ماركة "صنع في لبنان"، بل "صُنع في الخارج، وصُدّر الى لبنان".

ويملك سفراء المجموعة الدوليّة لدعم لبنان خريطة الطريق المؤديّة الى قصر بعبدا، وعليها معالم محطات خمس: الإستراتيجيّة الدفاعيّة، عودة النازحين، محاربة الفساد، النفط، واللا مركزيّة الإداريّة. وعندما يأتي من يسأل عن الإنتخابات، سواء أكان سعوديّا أو فرنسيّاً أو أميركيّاً، أو من جنسيات أخرى ، إنما يأتي تحت شعار توفير الدعم والمساعدة، لأنه يعرف جيداً أنه الإستحقاق الأبرز الذي يفتح الباب على الملفات الأخرى التي لا تقل شأناً. وقد قالها الرئيس صريحة منذ خطاب القسم، ومنذ اليوم الأول لإجتيازه عتبة القصر الجمهوري، "حكومة العهد الأولى بعد الإنتخابات". هذا لا يعني أن حكومة "إستعادة الثقة" لم تنجز، او بقيت في المربع الأول من المراوحة، وتصريف الأعمال. إنها ـ والحق يقال ـ قد لعبت دور "الرافعة" وبإمتياز، وحررت المالية العامة من الفوضى، والجرود من الإرهاب، وحررت الديموقراطية من التسيّب بقانون إنتخابي جديد، وكانت لها وقفات موفقة في الكثير من المحطات، وعلى الكثير من الملفات. وليس المجال هنا للمحاسبة، ووضع علامات النجاح أو الرسوب، لكنها، وبكل موضوعيّة، قد تمكّنت من اجتياز المرحلة الإنتقالية بصبر وجهد متواصلين، ومكّنت البلاد من الوقوف أمام عتبتين: الإنتخابات، والمؤتمرات.

وهناك ضجيج على أبواب الإستحقاق الدستوري البرلماني، وصخب وضوضاء، وحركة لا تهدأ في ساحة الترشيحات، والتحالفات، وتشكيل اللوائح. إنه الإستحقاق الجاذب والملفت للنظر، كونه مفتاح الشهيّة السياسيّة والدبلوماسيّة لدى كثيرين. إنه أشبه بقالب كبير من الحلوى موضوع على طاولة المصالح، تتنافس حوله القيادات، وقد حمل كلّ منها سكينا ليقتطع أكبر حصة له في المجلس النيابي المقبل.

إن النظرة الراهنة السائدة مختلفة تماماً عند العيون الساهرة داخل الغرف المغلقة في القصر الجمهوري… "فوق"، الوضع مختلف كليّاً، والنظرة أيضاً. "الإنتخابات حتماً.. ويوم السابع من أيار سيكون هناك مجلس نيابي جديد منتخب في ساحة النجمة، وستكون بعده حكومة جديدة منبثقة عنه أو تحظى بثقته، وستكون حكومة العهد الأولى، أي أن بيانها الوزاري سيكون مختلفاً، وستتصدره المواضيع المدرجة كأولويات على أجندة رئيس الجمهوريّة لإنجاز الإستراتيجيّة الدفاعيّة، وإيجاد المخارج لملف النازحين، والإنكباب على معالجة الفساد، وإستخراج النفط والغاز، والسير قدماً في تحقيق اللامركزيّة الإداريّة ـ الإنمائيّة، فضلاً عن معالجة الملفات التي ترحل من عهد إلى عهد آخر، وفي طليعتها الكهرباء، والنفايات.

أما المؤتمرات، فهي بمثابة الممرات التي تهندسها الدول المعنية بخريطة الشرق الأوسط، وما تحويه من مناجم نفط وغاز ومعادن، وثروات دفينة. إنها بمثابة الجسر الذي تعبر فوقه مصالح الدول الى المنطقة، عبر البوابة اللبنانية، وهي بوابة جاذبة. والمؤسف ان البعض يسخّف من مردود هذه المؤتمرات، أو ينظر اليها نظرة متعاليّة، فيما الحقيقة مختلفة، إنها ليست أرقاماً تعطى هباء، إنها خطط ودراسات، ومشاريع مشبعة بالتمحيص. قد يتوهم البعض في الحصول على "بقجة" من الدولارات لترتيب أوضاع لبنان الإقتصاديّة ـ الإجتماعيّة ـ المعيشيّة المأزومة، هذا طموح مشروع ومتوقع. إلاّ أن النظرة الموضوعيّة مختلفة، فالدول ليست جمعيات خيريّة تمنح من دون مقابل، إنها شبكات مصالح معقّدة، وهادفة الى ترتيب الوظيفة التي ستسند لهذا اللبنان مقابل دعمه، وتمكينه من الوقوف على رجليه.

وليس من باب المصادفة أن يأتي كلام الرئيس عون عن "الإستراتيجيّة الدفاعيّة"، قبيل الدخول الى مؤتمر "روما ـ 2" الخاص بدعم الجيش والقوى الأمنيّة، بالسلاح والعتاد والخبرات والتقنيات. الكل أعدّ أوراقه، ومحفظته، ولا يمكن التكهن بالنتائج، ونوعية الدعم، وحجمه. والمسألة ليست محصورة بالكمّ والنوع، بل بالهدف.

لماذا تدعم الدول الكبرى القادرة والمقتدرة القوى الامنية اللبنانية المسلّحة؟ لأي غاية وهدف؟ وما هو المسار المطلوب؟ وأي نوع من الإستراتيجيّة الدفاعيّة التي يفترض أن يعتمدها لبنان؟ وأين فائض القوّة منها؟ وهل ستكون البداية العملانيّة، من خلال نظرة جديدة مختلفة للقرار 1701، والسعي الجدّي الى تنفيذ ما لم ينفّذ منه لحصر السلاح بالقوى الشرعية اللبنانية، وقوات "اليونيفيل"، والمباشرة بوضع ضوابط عملانيّة للنفوذ الإيراني الصاعد، ووفقاً للحدود المسموح بها أميركيّاً وسعوديّاً.. وحتى إسرائيليّا؟!.

أما مؤتمر باريس المعروف بـ"سيدر ـ 1"، فتريده فرنسا ـ ماكرون، ومن ورائها مجموعة الدعم الدوليّة، حجر الزاوية لبناء الدولة القوية القادرة والعادلة، إنطلاقا من محاربة غول الفساد، والقضاء على ثقافة  "كل من إيدو إلو"،  و"مررّ لي، كي أمررّ لك"، والإمساك بمفاصل الإقتصاد بقبضة من حديد، ومعالجة فوضى الأرقام، وفوضى الزلع والبلع، وفوضى الهدر، وفوضى المحسوبيات والقبضايات، وضبط الموارد المالية، والالتفات بروح المسؤولية الى شؤون وشجون المواطن، الى الخدمات العامة، والإنماء المتوازن، ومعالجة أزمة الكهرباء، وأزمة النفايات، والأزمات البيئيّة الأخرى، وتطبيق اللامركزية الإداريّة بعمقها الإنمائي ـ الخدماتي، والإنعطاف نحو منابع الغاز والنفط، والإنكباب على الإستثمار في  هذا المرفق الحيوي، من منطلق وطني متحرر من الفئويات والمذهبيات والأنانيات والمحاصصات.

أما "مؤتمر بروكسل"،  فإطاره النزوح، وبعده  دولي ـ محلي. دوليّاً: تريد الدول دمج المجتمع الوافد بالمجتمع المقيم، حتى قيام الساعة، أو حتى دنو ساعة الحل التي لا تزال معلّقة على حائط  التريث، والإنتظار الطويل. المجتمع الدولي مستعد أن يساهم في الإستقرار المعيشي، الإجتماعي، الإقتصادي، بين المقيم والنازح على السواء.

محليّاً: رسم الرئيس عون خطّا أحمر، سواء في كلمته من على منبر الجمعيّة العامة للأمم المتحدة، أو منبر القمة العربية في عمان، أو من خلال زيارات العمل التي قام بها الى الخارج: "لبنان ـ بنظره ـ ليس أرض إستيعاب وتوطين، وإذا لم يجد المجتمع الدولي حلاً، فإن لبنان سيضطر الى تشغيل مراكب الموت، ووجهتها الشواطىء الأوروبيّة، وتلك البعيدة".. وهذا ما دفع بالمجموعة الدوليّة الى مراجعة حساباتها، والتدقيق بالنتائج والتداعيات.

لم يكتف الرئيس بما قال وفعل. إنه لجوج ـ كما يصفه المجتمع الدبلوماسي ـ ولا يستثني أي زائر أو وافد  الى القصر، إلاّ ويفتح الأجندة أمامه، ويكرز عليه لازمته: "وطني ليس للبيع.. ولا للإيجار.. لبنان للبنانييّن"، ونقطة عالسطر.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.