"ربيعي" و"خريفهنّ" في بلاد الانتخابات

نورما أبو زيد

استيقظت قبل مدّة لأجد نفسي بلا هوية. لم أعد أنتمي إلى لبنان منذ ثماني سنوات. بل أعيش في هذا البلد سائحة، علماً أنّه لا يرتقي إلى مرتبة البلدان السياحية من حيث إدارة شؤونه كبلد سياحي.

رغم أنّه بلد غير ممتع، ولا يدعو إلى الاستمتاع، وليس فيه ما يُمتع، أحاول أن أستمتع فيه قدر المستطاع، والفضل بذلك يعود إلى الطاقة الإيجابية الكامنة بي، التي تتغلّب على كلّ الطاقات السلبية الكامنة به، والتي تَكْمن لنا كلبنانيين عند كلّ طريق ومفترق وزاوية.

طيلة فصول السنة، أستعرض فصولاً من طاقتي في تحدٍ لنفسي، كي أتمكّن من تخطّي السلبيات أو التعايش معها، ولكن الربيع هو فصلي. أعيش فيه ربيعي، ومعنوياتي تنافس السماء. فماذا عن "ربيع" الأخريات في هذا الربيع، ونحن على أبواب انتخابات؟

في ربيع 2018، 111 امرأة يحاولن مواجهة خريف البلاد المستمرّ منذ سنوات كي تعيش المرأة ربيعها. 111 امرأة بدأنّ في حفر تضاريس لبنان جديد، من خلال ترشّحهنّ إلى الانتخابات النيابية وفق قاعدة تقول إنّ "الوطنية لا جنس لها"، ولكن لبنان "المتصخّر" بذكوريته العنيدة، يبدو عصيّاً على التغيير. قلّة قليلة من المرشّحات تنتمي إلى أحزاب، وهذه القلّة ستدخل البرلمان برؤوس تكلّلها الوراثة القهرية ـ هذا المرض الجيني الموروث ـ أما الباقيات فلا حظوظ لهنّ رغم علمهنّ وثقافتهنّ وسِعَة مداركهنّ، في مقابل حزبيين ذكور لا يفقهون في معظمهم لا في السياسة، ولا في التشريع، ومعارفهم تقتصر على التبجيل.

أحزاب قليلة رشّحت حزبيات للانتخابات، والهدف هو ادّعاء المساواة أكثر ممّا هو احترام المساواة. الحزبية في الانتخابات، هي كملح الطعام. قليله لا بدّ منه، وكثيره مضرّ. المرأة اللبنانية أولى في الدراسة والأعمال والتحرّر، و"طش" في السياسة ليس لأنّها راسبة، بل لأنّ هناك من يصرّ على ترسيبها. يبدو أنّ "آدم اللبناني"، يتعامل مع حواء اللبنانية كأنّها مؤامرة دائمة، ويسهر على إنامتها في سرير العجز والعطالة.

وإذا كنت أنا قد تخليت عن هويتي الوطنية، فلم أتخلَ بعد عن هويتي الأنثوية، ولذلك أجدني مضطرة للدفاع عن تاء التأنيث التي اعتبرها من باب الإضافة لنا، وأجدني بالتالي مضطرة إلى التحريض.

سألت مؤخراً أكثر من حزبي، من أذكى بنظرك: حواء أم آدم؟ فحملت أجوبتهم حجج الذكور الشائعة التي تقول إنّ أدمغة الرجال أكبر. ولكن هل هذا يعني أنّ الرجل أكثر ذكاء من المرأة، وبالتالي علينا أن نهتدي لاجتهادات الأحزاب الدينية وتلك الذكورية، التي تقول إنّ بإمكان صاحبات تاء التأنيث الاكتفاء بوظيفة مساعدات والاستغناء عن وظيفة رائدات؟!

من الجيّد أنّ العلم أنصفنا، من خلال نفيه وجود علاقة بين حجم الدماغ وفعاليته، وإلاّ لكانت الفيلة والدلافين أكثر نفعاً لكوكب الأرض من الرجال.

علمياً وعملياً، يتساوى النساء مع الرجال لناحية الذكاء، رغم الفارق في حجم ووزن الدماغ، والاختلاف الوحيد بين أدمغة صاحبات تاء التأنيث وأولئك الذين يصرّون على "التذكير"، هو أنّ الاتصالات العصبية بين نصفي الدماغ مساحتها كبيرة في أدمغة النساء، بينما هذه المساحة الفاصلة في دماغ الرجال قصيرة، وهذا الامتياز النسائي الذي لا يعني تفوقاً في الذكاء وإنّما مساواة، يعطي للمرأة قدرة على القيام بعدّة مهام في وقت واحد، ويجعلها تتفوّق في المهارات اللغوية، بينما ضيق المساحة لدى الذكور يؤدي إلى تميّزهم في القدرات البصرية.

المهارات اللغوية ـ بمعنى الكلامية ـ لدى المرأة هي أمر ثابت بالتجربة وليس علمياً فقط، والمهارات البصرية لدى الرجل هي أيضاً أمر ثابت بالتجربة والعلم، علماً أنّ المرأة تمرّ إلى قلب الرجل عبر عينيه، والرجل يمرّ إلى قلب المرأة عبر أذنيها.

نساء لبنان هنّ ككلّ نساء العالم، ضحايا تميّز الرجال بقدرات بصرية فائقة، وأنا واحدة من الضحايا. فأنا مثل كلّ النساء، "ضحية" إحساس دائم بأني أنظر إلى نفسي بعيون الآخرين. كلّما وقفت أمام مرآتي لأرى نفسي وأطمئن إلى شكلي، لا تراني عيني، بل عيون أخرى هي التي تراني، وأنا أرى نفسي من خلالها. هذا ما فعله بنا الذكور على مرّ العصور، جراء قدراتهم البصرية الفائقة، ولكن ماذا عن قدراتنا اللغوية الفائقة؟

عضو المجلس السياسي في "تيار المردة" فيرا يميّن، هي واحدة من اللواتي يتمتعن بقدرات لغوية فائقة، وبانتماءات سياسية فاقعة، وبعطاءات حزبية واضحة، ولكن رغم حصانتها وحصافتها وفصاحتها، أُقصيت عن اللوائح الانتخابية لصالح مرشحين ذكور لم يُظهروا مجتمعين صورة مشرقة عن حزبهم بقدر الصورة التي أظهرتها يمّين خلال إطلالاتها الإعلامية.

فيرا يمّين ليست حالة شاذة في تيارها السياسي. وهناك دون أدنى شكّ أكثر من فيرا يمّين في كلّ الأحزاب السياسية اللبنانية، ولكن السؤال أين هنّ؟ لماذا يحتجبن؟ وكيف استطاعت الأحزاب قمعهنّ؟

ما تزال الأحزاب اللبنانية تعيش هيمنة ذكورية فاقعة. ذكورها لا يعترفون لأيّ امرأة بأنّها كاملة الأوصاف. ولو قُدّر لهم مسح المساحيق ليجدوا نواقص تُحسم من جمالها، لفعلوا ذلك دون تردّد. أمّا نحن النساء، فلا نتوقّف أمام رجل لنبحث عن نواقص نحسمها من إيجابياته.

ذكور الأحزاب ينظرون إلى المرأة، كلّ إمرأة، على أنّها "حواء الأنثى"، و"حسناوات" الأحزاب على قناعة بأنّ مكانهنّ خارج "جنة الحكم". ولكن ماذا لو تقمصنّ جميعاً شخصية "ليليت" الأسطورية، الزوجة الأولى لآدم التي خُلقت لتكون شريكة له ولم ترض بسيطرته عليها؟

استوقفني قبل يومين "بوست" يقول "كوني امرأة وافعلي"، ولكن أنا أقول كوني "ليليت" واجعلي من خريفك في بلاد الانتخابات خريفاً لهم.

احتلال الذكور للمقاعد السياسية ثقيل، وحيادهم السلطوي تجاه مآسينا مؤسف، ولكي لا تكتمل الكوميديا السوداء فصولاً، كوني "ليليت".. وانتفضي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.