"اليسار اللبناني" قام؟

محمد شرف الدين

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي أوائل التسعينات وسقوط نظريات الشيوعية لحساب الرأسمالية الأميركية، و"اليسار اللبناني" في حالة "غيبوبة سياسية".

جاءت تظاهرة عوكر نهاية الأسبوع الماضي لتعيد الى الأذهان صورة "اليسار" كما كان في السبعينات يوم كان "الحزب الشيوعي" أحد أكبر الأحزاب اللبنانية. المفارقة أن الولايات المتحدة التي كانت السبب في ضمور التيارات الشيوعية في العالم، كانت السبب في "قيامة" تيار اليسار مجدداً في لبنان، اذ شكل اعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ورغبته نقل مقر سفارة بلاده اليها، فرصة لليسار كي يعود الى الواجهة، موحداً تحت راية القضية الفلسطينية، بعدما شهد خمولاً وتشتتاً وانشققات، اذ توزعت قواه بين فريقي 8 و14 آذار، فيما بقي "الحزب الشيوعي" وحده مغرداً خارج أسراب الفريقين.

تاريخياً، شكل اليسار اللبناني، بمختلف تفرعاته وانتماءاته، المحرك الأكبر للتظاهرات في لبنان، وخصوصاً أمام السفارة الأميركية. كانت الحافلات تقل مواطنين لبنانيين وفلسطينيين بالعشرات إلى المنطقة ذات الأغلبية المسيحية، حيث سفارة الولايات المتحدة التي انتقلت من عين المريسة الى تلك البلدة الصغيرة التي تقع في المتن شمالي العاصمة، بعد عملية التفجير الضخمة التي استهدفت المقر القديم عام 1983. لطالما كانت عوكر مقصداً لليساريين الذين حملوا لواء القضية الفلسطينية ومحاربة الاحتلال الصهيوني ومن خلفه الأميركي، حتى أصبح اسم المنطقة بالنسبة لكثيرين يعني تلقائياُ السفارة الأميركية أو حتى "الثكنة العسكرية"، نظراً للإجراءات الأمنية المشددة التي تملأ المنطقة. كيف لا؟ وهي سفارة تورطت بلادها المختلفة بالحروب على امتداد المنطقة، من اليمن وسوريا حالياً، والعراق وأفغانستان سابقاً، وهي حروب واكبها الرأي العام اللبناني والفلسطيني بالرفض والإنكار والاحتجاج.

هذه الأحداث مثّلت فرصة ذهبية لليسار اللبناني للنزول إلى الشارع أكثر والالتصاق به أكثر، ليس فقط لخوض المعركة الانتخابية المقبلة، بل لإعادة اثبات دوره وفاعليته وتأثيره على الشارع اللبناني. الأهم أن هذه النتائج لم تكن ضمن حسابات منظمي التظاهرة، بل هي ترجمة لغضب من تربى على اعتبار القضية الفلسطينية هي القضية الأم والغاية.

الغضب الشعبي في ساحات عوكر، والذي كان متناغماً مع الموقف الرسمي اللبناني، أعطى صورة تؤكد ان هناك شارعاً لبنانياً وفلسطينياً، لا ينتسب الى "حزب الله"، منخرط، وبفعالية، في المواجهة ضد الاسرائيليين والسياسات الاميركية الحاضنة لهم، ما يؤكد الطابع الوطني والقومي للقضية.

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.