الحريري ـ فرنجية: التحالف "الموضوعي"؟

تجاوزت العلاقة بين رئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية الحسابات السياسية. ثمة "كيمياء شخصية" صارت تجمع الرجلين، وهي اليوم تساهم في توطيد العلاقة على أكثر من مستوى.

في الأساس، يتميّز فرنجية ببراغماتية استثنائية. هو يتمسّك بثوابته التي لا يحيد عنها باعتبارها الأوكسيجين الذي يتنفّسه، لكنه منفتح على كل المتغيرات والوقائع والواقعية.

أما الحريري، فيمكن تقسيم شخصيته بين مرحلتين:

الأولى، سعد الحريري إبن الشهيد رفيق الحريري، والذي ينظر إلى كل الأمور والحسابات من خلف دخان 14 شباط ويصمّ الإنفجار أذنيه.

والثاني، سعد الحريري الذي يكتشف أن لا عداوة دائمة في السياسة ولا تحالف أبدياً، وأن العلاقات السياسية تخضع للواقعية والحسابات والمتغيّرات.

الحريري الأول كان على خصومة مع فرنجية.. أما الحريري الثاني فهو منفتح على الحوار مع الجميع، وخصوصاً من كان يعتقد أنهم "أعداء".

لكن مرحلة ثالثة دخلها الحريري عنوة، منحته فرصة كبيرة لإعادة الحسابات واكتشاف "الصديق عند الضيق"، وهي ما تدفعه اليوم لرؤية الأمور من مكان مرتفع يؤمّن له درجة رؤية أوسع وملاحظة تفاصيل أدق كان غافلاً عنها.

تقاطعات كثيرة بين الرجلين.. منها ما يشكّل نقاط التقاء، ومنها ما يشكل خطوط تماس. كلاهما يعرفان جيداً أين يلتقيان وأين يختلفان.. وكلاهما يدرك سلفاً خطوط القطع والوصل.. ولأنهما صارا يعرفان جيداً هذه الوقائع، صارت العلاقة بينهما أكثر متانة وحصانة.

في مرحلة سابقة، كان التوتّر والاشتباك على كل الخطوط الفاصلة بينهما:

ـ في العلاقة مع سوريا، كان الرجلان نقيضان بالكامل.. حتى عندما زار الحريري سوريا فإن "مشروع العلاقة" كان ينطلق من الدوافع السعودية وليس من القناعة الشخصية.. وفي هذا الملف لم تتغير مواقف الرجلين، أقلّه حتى اليوم.

ـ في العلاقة مع "حزب الله"، كان الرجلان أيضاً نقيضان وعلى طرفي المواجهة، وإن حصلت هدنات متقطّعة في تلك العلاقة المتوتّرة.. إلى أن انتهت تلك المواجهة بـ "ربط نزاع" بين الحريري والحزب.. أما فرنجية فهو ثابت في محور المقاومة.

ـ في العلاقة مع "التيار الوطني الحر"، كان الطرفان محكومان سياسياً بالاختلاف. وعلى الرغم من أن فرنجية كان يشكو من طبيعة العلاقة التحالفية مع العماد ميشال عون عندما كان رئيساً لـ "تكتّل الإصلاح والتغيير"، إلا أن الاصطفاف السياسي بين جبهتي "8 آذار" و"14 آذار" كان يجبر فرنجية على تجاوز ملاحظاته لحساب العنوان السياسي. أما الحريري فقد كان في مواجهة مفتوحة مع "التيار الوطني الحر"، وهي مواجهة متعددة العناوين، بل ويمكن القول إنه لم يكن هناك أي نقطة التقاء بين الطرفين.

ـ في العلاقة مع "القوات اللبنانية"، كان الحريري يضع كل ثقله إلى جانب "القوات" داعماً وحليفاً وصديقاً شخصياً لرئيسها سمير جعجع بعد أن أخرجه من السجن بالرغم من إدانته باغتيال رئيس حكومة لبنان رشيد كرامي. كان جعجع مصدر ثقة عمياء للحريري، حتى أنه كان يؤثر في كثير من القرارات السياسية وفي العلاقات مع الآخرين في الشارع المسيحي، حتى صار الحريري يرى أن "القوات" هي الشريك المسيحي الذي يستطيع معه مواجهة "التيار الوطني الحر"، وبالتالي هو القاعدة الأقوى التي يرتكز عليها في تحالف قوى "14 آذار"، لأن باقي مكوّنات هذا التحالف تستظل "14 آذار" ولا تشكل دعامة لها.

أما فرنجية، فقد كان في مواجهة مفتوحة مع "القوات" لاعتبارات سياسية، وايضاً لاعتبارات تتعلّق بدور جعجع في اغتيال عائلته طوني فرنجية وزوجته وطفلته و29 شخصاً من أبناء زغرتا في مجزرة إهدن.

كانت "القوات" أحد أبرز خطوط التماس بين الحريري وفرنجية، على اعتبار أن تحالف فرنجية مع "التيار الوطني الحر" لم يكن تشكّل أي عائق في انفتاحه على الحريري.

انتهت تلك المرحلة منذ عودة الرئيس الحريري إلى لبنان بعد 3 سنوات من الغياب. كان الفراغ الرئاسي قد استفحل، ولا بد من حركة ما تؤدّي إلى انتخاب رئيس.

فوجئ الحريري أن جعجع عقد اتفاقاً مع "التيار الوطني الحر" وتبنّى بموجبه ترشيح العماد ميشال عون، من دون تنسيق مسبق معه.. ردّ الحريري بترشيح سليمان فرنجية معتقداً أن ذلك سيؤدي إلى انقسام "8 آذار" بسبب إحراجها في الاختيار بين ركنيها: عون وفرنجية.. لكن "حزب الله" كان حاسماً في الاستمرار بترشيح عون.

لاحقاً، أنجز الحريري تسوية مع عون قضت بثنائية في الحكم: عون في رئاسة الجمهورية، والحريري في رئاسة الحكومة.

المفارقة التي ظهرت لاحقاً أن "الكيمياء الشخصية" بين عون والحريري تفاعلت سريعاً، وعلى مختلف المستويات.. لكن ذلك لم يؤثّر على علاقة الحريري مع فرنجية الذي صار في موقع الخلاف مع "التيار الوطني الحر". بقيت العلاقة الشخصية بين الحريري وفرنجية بدرجة جيد جداً، وكانت علاقة الحريري مع عون تشهد مزيداً من التفاعل… ثم حصل ما حصل في 4 تشرين الثاني عندما قدّم الحريري استقالته التلفزيونية من العاصمة السعودية الرياض، وكيفية تعاطي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون معها لضمان عودة الحريري إلى لبنان. كان موقف رئيس الجمهورية كفيلاً بأن يهدم كل الماضي بين الرئيسين ويبني بينهما جسور المودة الشخصية التي صارت جزءاً أساسياً من العلاقة بينهما.

ومن باب الوفاء، صار الرئيس الحريري يحمل للرئيس عون "ديناً" كبيراً، خصوصاً أن الحريري اكتشف خلال تلك الأزمة أن حلفاءه هم الذين خانوه وطعنوه وحرّضوا عليه، وتحديداً رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع الذي كان الحريري يعتقد أنه "الحليف الأبدي السرمدي"، إضافة الى "دور ما" لرئيس حزب "الكتائب" سامي الجميل ومنسّق الأمانة العامة لقوى "14 آذار" فارس سعيد.

بينما اكتشف في المقابل أن الذين وقفوا معه وعملوا على حمايته، هم من يفترض أن يتشفّوا به ويتركوه لمواجهة مصيره السياسي، وخصوصاً من قوى "8 آذار"، فكان رئيس الجمهورية رأس حربة لحماية سعد الحريري، وكان رئيس المجلس النيابي نبيه بري شريكاً في حياكة مظلّة الحماية، وكان "حزب الله" ضامناً وعاملاً إيجابياً في تأمين الحماية، وكان سليمان فرنجية صادقاً في التضامن مع الحريري… أما وليد جنبلاط، فقد كانت له وقفة استثنائية وتاريخية ولن ينسى الحريري أن جنبلاط كان وفيّاً له وكان أول من ساهم في إحباط مخطّط الانقلاب عليه.

سجّل الحريري لفرنجية أنه تفهّم موقفه يوم تراجع عن ترشيحه لتبنّي ترشيح عون، ولم يمارس أي رد فعل سياسي، بل على العكس، استأنف فرنجية علاقته مع الحريري من حيث وصلت إليه، وهذا ما زاد في متانة العلاقة الشخصية بين الرجلين.

كان فرنجية قد قَبِل بفتح حوار مع "القوات اللبنانية" على مضض، في ظل شعوره أن "التيار الوطني الحر" يحاصره انتخابياً ويريد إلغاءه سياسياً.. أما "القوات" فقد كانت تريد الخروج من دائرة حسابات رئيس "التيار الوطني" جبران باسيل الذي يسعى إلى حصد أكبر عدد ممكن من التمثيل المسيحي. تلاقت مصلحة الطرفان، "المردة" و"القوات"، فباشرا حواراً لفك "الحصار" الذي يضربه "التيار الوطني الحر" عليهما.. حتى جاءت "غلطة" النائب ستريدا جعجع في أوستراليا والتي لم تنفع معها كل الاعتذارات في تبديد عمق كلامها وأبعاده، ولو تصرّف فرنجية معها من دون ردة فعل أو انفعال ظاهر.

في الدائرة الانتخابية التي ينتمي إليها فرنجية (زغرتا ـ بشري ـ الكورة ـ البترون) ثمة صراع كبير بين "المردة" و"التيار الوطني الحر" ونائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري والحزب "السوري القومي الاجتماعي" في الكورة والنائب بطرس حرب في البترون، إضافة إلى مرشحين محليين. صحيح أنه لا يوجد أي مقعد للمسلمين في هذه الدائرة، لكن الصحيح أيضاً أن المسلمين السنّة لهم تأثير كبير فيها لوجود نحو 22 ألف ناخب في هذه الدائرة التي تضمّ أربعة اقضية مسيحية من أصل 247 ألف ناخب. وهذا ما يعطي الرئيس الحريري مساحة للعب دور مؤثّر، إلا أنه سيكون محرجاً في حال بقي الانقسام قائماً بين "التيار الوطني الحر" وبين "تيار المردة".

في المحصّلة، صارت العلاقة بين الحريري وفرنجية أقرب منها إلى "التحالف الموضوعي" من "التلاقي الشخصي"، لكن ترتيبات هذا التحالف تحتاج لمزيد من الحوار، خصوصاً أن بيئة الطرفين قابلة لقيام هذا التحالف، بعد أن ابتعد الحريري عن "القوات اللبنانية" وعاد الحوار بين "المردة" و"القوات" إلى المربّع الأول انتخابياً.. أما الباقي، فهو ينتظر مبادرة ما لـ "جمع الشمل" بين "التيار الوطني الحر" وبين "المردة"، ولن يطول الأمر قبل حصول هذه المبادرة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.