صحافيو لبنان وإعلاميوه : عثرات الاقلام وزلات اللسان

جوزف القصيفي

كثيراً ما يقع الصحافيون في شبكة الأخطاء الشائعة، ويرتكب المذيعون والمذيعات مجازر لغوية، تصل بهم إلى حد ابتكار كلمات هجينة، يتعذر أن تجدها في قواميس اللغة العربية، وحتى "السنسكريتية"، وكأنهم على عداء مستحكم مع القواعد، وتنافر دائم مع مخارج النطق والحروف.

أذكر يوماً أني كنت في زيارة للمثلث الرحمة البطريرك مار انطونيوس بطرس خريش، في عداد وفد من نقابة المحررين برئاسة المرحوم ملحم كرم، فلفتنا سيد بكركي إلى الأخطاء الإنشائية والأدبية التي تحفل بها الصحف اللبنانية، ومما قاله: "تذكرون عبارة: أماكن تواجد قوات الردع العربية، والصحيح القول: أماكن وجود أو تمركز" لان كلمة "تواجد" تعني "الحب" وهي من "وجد". وجرى الاخذ بملاحظة خريش بعدما شاع أمرها لسنوات طويلة، ولم تلبث أن "عادت حليمة إلى عادتها القديمة" وعاد الصحافيون والاعلاميون إلى استخدام كلمة "تواجد".

وكانت جريدة "البيرق" في ستينيات القرن المنصرم، قد خصصت زاوية صغيرة في صفحتها الأخيرة بعنوان "يُقال ولا يُقال" من إعداد كرم نفسه مستقاة من كتاب "دقائق اللغة العربية" للأمير محمد آل ناصر الدين ومن مخطوطة له بعنوان: "عثرات الاقلام"، اسعى لاقناع ورثته بطبعها، لكن من دون ننيجة حتى اليوم. فلعل وعسى. ونورد مثالاً على ما كانت تتحفنا به هذه الزاوية

ـ يقال: "تظاهرة طالبية" .ولا يقال: "مظاهرة طلابية".

ـ يقال: "خصوصاً وعموماً"، ولا يقال: "خاصة وعامة".

وأذكر أن شاعراً وأديباً، هو الياس الحويك، ابن شقيق البطريرك الكبير الحويك الذي أعلنت بفضله، وفي أيام حبريته، دولة لبنان الكبير، كان يتعقب عثرات الأقلام في الصحف والمجلات يوماً فيوم، وكان يدوّن حصاده في دفتر صغير، ويبادر إلى الاتصال برؤساء ومدراء التحرير لافتاً إياهم الى الاخطاء، وغالباً ما يقرعهم عندما تكون هذه الأخطاء من النوع النافر. وكان الحويك صاحب صوت أجش مع بحة عميقة تصدر من حنجرته. وهو يلقب بـ"ابن برايا" ويقرض الشعر العامي والفصيح، وان العديد من  روائع وديع الصافي وصباح من نظمه. ومن أعذب ما قال:

من غدر الأيام فينا

نسينا زهوة ماضينا

عشنا ما آذينا الناس

ليش الناس بتأذينا

الحويك هذا كان مالكاً لامتياز صحيفة "السفير" قبل أن يبيعها الى الاستاذ طلال سلمان.

وهناك أحد  فرسان الصحافة الذي غاب بهدوء، بعدما تخرج على يديه جيل من الصحافيين الذي يكتبون من دون اخطاء. وهو الأستاذ آميل داغر الذي علّم مادة الانشاء الاعلامي. وخلال عمله في "النهار" أرسى قواعد لغوية صارمة، ووضع ما يشبه "القاموس" ينبّه فيه إلى عثرات الاقلام والاخطاء الشائعة، ويصوّب الكثير من السقطات. معه كانت تختفي من الجريدة كلمات وعبارات لتحل مكانها أخرى، والسبب عند الاستاذ آميل انها لا تمت الى أصول اللغة بأي صلة. وهو قاد الكثيرين إلى السهل الممتنع.

أما اليوم، فالحالة يرثى لها، فلا يكاد ينجو قلم من عثرة، حتى يسقط في حفرة، ولا ينفذ لسان من تعثر حتى يقع في زلة.

إن كل ما نشهده – أو معظمه كي أكون منصفاً – يجسّد مرحلة تراجع لا يمكن تجاوزها، بعدما وُئدت روح الرسالة ونزعة الشغف التي طبعت صحافة لبنان التي كانت شعلة النهضة، ومنارة التحرر الوطني والقومي، قبل زحف سنوات المحل.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.