أمومة في عُمر الطفولة!

فرح الحاج دياب

يقرأون عليها الفاتحة، "يكفّنونها" بفستان أبيض، يذرفون الدّموع عند خروجها من البيت، يمشون وراءها بـ"جنازة" مهيبة، يحملونها على أكتافهم ولكن بلا "نعش"، يوصلونها إلى "المقبرة"، يودّعونها.. ثم يغلقون عليها باب "القبر" تاركينها لأيّام طويلة من الحساب التي تنتهي بالخلود في "قعر جهنم"، بينما تقف قوانين الدّولة اللبنانيّة المنفصمة مصفّقة، إذ لا يحق للمخلوقات التي تعيش على أرضها الإنتخاب حتى بلوغ عمر الـ 21 لأنّها غير ناضجة، ولكنّها لا تمانع أن تتزوّج من هي في عمر التاسعة والعاشرة وتنجب أطفالاً لتربيهم، أو بالأحرى لتلعب معهم..

وسط القصص الكثيرة عن تزويج الأطفال، والتي صارت خبراً عادياً يمر في يومياتنا، لا زالت الإحصاءات الرسمية في لبنان عاجزة عن تقديم صورة واضحة عن ظاهرة الزواج المبكر، إذ لا يوجد سوى دراسة واحدة تعود إلى العام 2009، أجرتها إدارة الإحصاء المركزي بالتعاون التقني مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" عن أوضاع النساء والأطفال في لبنان.

تؤكّد المحاميّة سهى سليمان "أنّ سن الزواج في لبنان غير محدد، بل هو متروك لتشريعات الطوائف التي تبيح بمعظمها تزويج القاصرات لدى وصولهن سنّ البلوغ، وللعقليات الرجعيّة والعشائريّة المتحجّرة التي تكاد توئد الفتيات أحياناً"، مضيفة "نعم لتعديل سن الزواج ليصبح 18 عاماً، تماماً كسنّ الأهليّة القانونيّة".

قانون ضائع

ليس في القوانين اللبنانية من عمر معيّن يحدد "أهلية" الفتاة للزواج، خصوصًا في ظل عدم وجود مفهوم موحد بين سن الرشد القانونية المطبّق بحسب القوانين المدنية، وسن الزواج المطبّق بحسب قوانين الاحوال الشخصية. ففيما القوانين اللبنانية تقرّ بعدم أهلية كل فتاة دون الـ18 عامًا لالتزام العقود أو للترشح والانتخاب أو حتى قيادة السيارة، ما من قانون يحدد سنًا معينة لزواج الفتاة، الامر الذي يبرز تناقضًا لدى المشترع اللبناني، فكيف يعتبر كل فتاة دون الـ18 "قاصرًا"، لكنها "أهل" لإنشاء أسرة؟

كلّ هذا الإستهتار بأطفالنا، بالرغم من أنّ لبنان موقّع على شرعة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي ينص في مادته 16 أنّه "على كل إنسان أن يوافق على زواجه بشكلٍ كامل لا إكراه فيه، مع الاعتراف بأن القبول لا يكون كاملاً، ولا إكراه فيه عندما يكون أحد الطرفين المعنيين غير ناضج وغير قادر على اتخاذ قرار يتعلق باختيار شريك العمر".

وإلى حين تشفى الدولة اللبنانيّة من تناقضاتها وإنفصاماتها، سيبقى الزّواج المبكّر حاضراً بقوّة على السّاحة اللبنانيّة خاصة في المناطق النائيّة من الشّمال والبقاع والجّنوب..

الزواج سترة!

في المناطق الفقيرة مازال اؤلئك الذين يزوّجون طفلاتهم متشبّثين برجعيتهم وتخلفهم، فيجعلنهن يقضين نهارهن كاملًا بنتف دجاجة، ثمّ تقطيعها، ثمّ طبخها، ثمّ تبهيرها كما يحبّ "عنتر" لإرضائه! لأنّ الطريق إلى قلب الرجل يمرّعبر بطنه، بدل أن يكنّ في هذه الأثناء يعبثن بألعابهن…

"عنتر" الذي اختار الزواج منّ طفلتهم لأنه يريد فتاة "خام" يربيها على يديه، والأهم من ذلك كلّه أنّه "ما باس تمها إلّا أمها"، إضافة إلى أن أخوه تزوّج، وهو يريد أيضًا أن يفعل، وأمّه تريد أن تفرح به قبل أن تموت.. أو يريد أن يتزوّج "حتى يعقل"، فعروسه الصغيرة هي مركز إعادة تأهيل!

سيتزوّج طفلة، وكل ما يريده منها هو أن تنجب لهُ طفلاً، "صبيًا" يشبهه "ويحمل إسمه"- إسمه العظيم المقدّس، وكأنّه هو من سلاله الديناصورات التي عليها أن تتكاثر كي لا تنقرض، إن لم ينجب عبقريًا مثله!

الصّورة السّائدة في المجتمع عن النساء اللواتي يتأخّرن في الزّواج، وقلّة حظوظهنّ، ممّا يُساهم في زيادة خوف الأهل، ورغبتهم بتزويج الفتيات في سنٍّ مُبكرة، تفادياً لتأخّرهنّ في الزّواج. إضافة إلى تكريس الدور النمطيّ للمرأة، وإقناعها  بأنّ عملها الرئيسيّ يجب أن يكون تكوين الأسرة وتربية الأطفال، وأنّها يجب أن تتولّى هذا الدّور مُبكرًا لضمان نجاحه، وفق معايير يضعها المُجتمع، وغالباً لا يكون للفتاة رأيٌ فيه، هذا إلى جانب الوضع الاقتصادي السيِّئ للأهل، والذي قد يعدّه كثيرون مُبرّرًا كافياً لتزويج إبنته، إذ يتعرّض الأهل إلى إغراءات ماليّة من جهة الزّوج، فيعدّ البعض هذا الزّواج صفقةً ناجحةً.

التيّارات الدينيّة والمُجتمعات التي تُشجّع الزّواج المُبكر تعتمد على التعاليم الدينيّة، والأعراف والتقاليد والمفاهيم المغلقة كالسُّترة، والعنوسة، والشّرف، واعتبار الزّواج هو الإطار الحامي لشرف العائلة، وضمان سلامة الفتاة من أيّ انحرافٍ أخلاقيّ قد يُسيء إلى سُمعة العائلة، ووضعيّتها الاجتماعيّة.

بين القانون والإسلام

 حثّت الشريعة الإسلاميّة الشباب المقتدرين على الزّواج وتكوين الأسرة، فقد قال النبي محمّد: "يا معشرَ الشبابِ، من استطاع منكم الباءةَ فليتزوّجْ، فإنّه أغضُّ للبصرِ.."

وللشّريعة الإسلاميّة مقاصد متعدّدةٌ في ذلك، منها: عفّة النّفس، ونأيها عن الوقوع في الحرام، وحفظ النّوع الإنسانيّ، وحفظ النّسب والنّسل ورعايته، وارتياح النفس وسعادتها واستقرارها. كما يُفرّقُ الإسلام بين مسألتي: جواز العَقد، وجواز الوَطء، إذ يجوز العقد على من لم تبلغ السنّ القانونيّ، لكن لا يجوز الوطء، أي الزّواج، إلاّ إذا كانت تتحمّل ذلك، وقد جعل الله تعالى الزّواج مُستنداً على البلوغ، وورد ذلك في قوله تعالى: "وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"، وعليه فإنّ الإسلام لم يُشجّع الزّواج المُبكر، لكنّه سمح به إذا بلغ الطفل أشدّه، وأمّا عكس ذلك فهو لا يزالُ طفلاً في نظر الشّريعة الإسلاميّة.

يرى البعض أنّ هُناك أموراً تُعدّ إيجابيةً في الزّواج المُبكر، أو ما تُسمّيه بعض الدول زواج الأطفال، أبرزها زيادة فُرص الخصوبة والإنجاب، إذ كُلّما زاد سنّ الفتاة قلّت خصوبتها، وبذلك تقلّ فُرصُها في الحمل والإنجاب، مغفلين عدم نضج الزّوجين وعدم قدرتهما على تحمُّل المسؤوليّة، وبناء أسرة، وتربية الأطفال، وتحمُّل كامل الأعباء النفسيّة والاقتصاديّة المُترتّبة على ذلك، كما حرمان الفتاة غالباً من فرصة استكمال تعليمها، وبهذا لن تكون قادرةً على تكوين شخصيّتها المُستقلّة نفسيّاً واقتصاديّاً.

الزّواج المُبكر قد يُعرّض الفتاة إلى الكثير من المشاكل الصحيّة، بسبب ضعف جسدها قبل الحمل وأثناءَه، وقد يكون من الصّعب عليها أن تحتمل هذه التّجربة في سنٍّ صغير. الحرمان من حقّ السلامة الجسديّة، بسبب ما ينتج عن الحمل في سنّ مبكرة، وتكرار الإنجاب، وتأثير ذلك على الصحّة، وبناء شخصيّة متوازنة، نتيجةَ انتهاك حقّ التّعليم.

إتجار بالبشر

التزم الدستور اللبناني حماية المواطنين والمجتمع، كما أن الدولة وقعت الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، لكن 14 مليون طفلة يمُتن سنويًا بسبب الاغتصاب والزواج المبكر، بحسب نتائج المؤتمر الدولي للاتجار بالبشر (فيينا / شباط 2014). هذه النسبة تجعل الحديث عن أهمية حماية القاصرات من الزواج المبكر تتخطى مسألة حرمان الفتاة التعليم وتحقيق الذات وغيره.. ذلك أن زواج القاصر يمثل واحدًا من أبشع أشكال العنف وأخطرها، كما تؤكّد الناشطة الحقوقيّة حياة مرشاد "كل الدراسات تشير إلى أنّ الفتيات اللواتي يتم تزويجهن بعمر صغير هن أكثر عرضه للعنف، ذلك لأنّهن أقل وعياً وغير متمكّنات إقتصادياً".

إقتراح قانون.. هل يبقى إقتراح؟

نص إقتراح القانون، الذي أعدَّه "التجمع النسائي الديموقراطي اللبناني" وتقدَّم به النائب إيلي كيروز إلى مجلس النواب منذ شهر آذار، على 5 مواد عُللت بالتزام لبنان أحكام مواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ومصادقته على اتفاقية حقوق الطفل عام 1990 التي عرَّفت الطفل بأنه "الإنسان الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره"، ومن أبرز المواد: "يقصد بكلمة طفل كل فتى أو فتاة دون سن الثامنة عشرة من العمر مكتمل"، و"حدد سن الزواج على الأراضي اللبنانية بثماني عشرة سنة مكتملة للرجل والمرأة، وذلك خلافاً لأي نص آخر". تؤكّد العضو في التّجمع، الناشطة الحقوقيّة حياة مرشاد أنّ إقتراح القانون وُضع في "الجارور" لمدّة سبعة أشهر قبل أن يحيله رئيس مجلس النّواب نبيه برّي للمناقشة في لجنة الإدارة مؤخّراً"، وتضيف "الطوائف تعتبر أنّنا حين نرفع سن الزّواج إلى 18عاماً، فإننا ننتهك صلاحياتها وسلطتها، إلّا أننا نحاول فتح حوارات مع رجال الدين المتنوّرين والمنفتحين للتوصّل إلى نتائج مرضية".

أمّا التحرّك المنتظر، فسيأتي ما بعد التحالف الذي أعلنته مرشاد، سيكون هناك تحالف بين 50 جمعيّة لبنانيّة، توحّدوا لدعم هذا القانون المقترح. على أمل أن تحقق المرأة اللبنانيّة إنتصاراً آخر يُضاف إلى إلغاء المادة 522 .


(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.