فلسفة مكيافيلي في صفقة جزّين

نورما أبو زيد

الأصيل اسمه نيقولو مكيافيلي. كان مفكراً وفيلسوفاً إيطالياً إبان عصر النهضة، أمّا البدائل فهم "فلاسفة" في عصر الانحطاط.

نظريات نيقولو الأصيل هي عصب دراسات العلم السياسي، أما هرطقات البدائل، فهي أساس انهيار العلم السياسي وكلّ علم، لأنّ من يأخذ علماً بأيّ مخطط غير معلوم، "يلقّن" درساً في التفاهة والبلاهة والسفاهة والصفاقة.

مكيافيلي الأصيل، أيّد الفكرة التي تقول "ما هو مفيد فهو ضروري"، ولكن في كتاب البدائل، "ما هو غير مفيد فهو ضروري".

كان مكيافيلي الأصيل منظّر نهضة فن الحرب، أما البدائل فهم مجرّد منظّرين.

لم يتلق نيقولو تعليماً واسعاً ولكنه أظهر ذكاء حاداً، وفي المقابل هناك أناس تلقوا تعليماً واسعاً ولكن ثقافتهم بقيت معدومة.

لمكيافيلي الأصيل دور هام في تطور الفكر السياسي، لكن للبدائل دور هام في تدهور الفكر السياسي.

مكيافيلي الأصيل كان الناطق الوحيد باسم نفسه، أما مكيافيلي البديل فكثر ينطقون باسمه.

لم يهدأ البدائل منذ كشفت "الرقيب" كُفر الفلوس في كفرفالوس. ولكن بماذا نطقوا؟

بعيد الفضيحة مباشرةً، قالوا إنّ الأرض بيعت، وفهم الناس بلغة واضحة أنّهم كانوا على علم بذلك.

ففي البيان الصادر عن مكتب النائب أمل أبو زيد جاء حرفياً "لا علاقة للنائب أمل أبو زيد لا من قريب ولا من بعيد بعملية البيع التي حصلت مؤخراً في كفرفالوس (..) أمّا مؤخراً، فقد عمد النائب أمل أبو زيد إلى الاتصال برئيس بلدية كفرفالوس السيد بول الشماعي، لاستيضاح ما يجري في ما يتعلّق بعملية البيع، طالباً إليه التشدّد في منع إقامة وتشييد مجمعات سكنية في الأراضي المشتراة، كما تمّ إبلاغ الشاري بالموضوع أيضاً".

بعد يومين على بيانه هذا الذي قال فيه إنّه أبلغ محمد الدنش أنّه بالتعاون مع "متشدّدي" جزين "سيلاحقونه" لمنعه من تشييد مجمعات سكنية، أخبرنا أبو زيد في بيان صادر عن نواب ورئيس اتحاد بلديات جزين، أنّ البيعة ما زالت غير مؤكّدة من خلال قول البيان ما حرفيته "لقد تبيّن للمجتمعين بعد استخلاص المعلومات من جراء الاتصالات اللازمة أنّ عملية البيع ما زالت غير مؤكدة". المؤكّد الوحيد ما بين التأكيد واللا تأكيد، هو أنّ هناك من ركبوا الموجة الشعبية الساخطة بعد مقال "الرقيب"، وراحوا يتصرفون كأبطال يريدون إنقاذ منطقة جزين من كارثة بيئية وديمغرافية ستحل بها. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا لم ينطقوا بالكلام المفيد قبل أن نفيد نحن بحقيقة ما حصل؟ ولماذا لم يتداعوا إلى اجتماع عاجل فور علمهم بـ "البيعة"، وتداعوا فقط بعد مقال "الرقيب"؟ ثم لماذا ذهبوا إلى نفي حصول "البيعة" في الوقت الذي أكد فيه المستثمر محمد الدنش مراراً وتكراراً أنّ عملية البيع قد حصلت؟ ثمّ كيف عاد آل الحريري عن "البيعة"؟ وإذا كانت "البيعة" لم تحصل من أساسها كما "طمأنونا" نقلاً عن النائب بهية الحريري، فلماذا لم يذهب آل الحريري إلى مقاضاة الدنش بتهمة "السلبطة" على الأملاك الحريرية؟ ثمّ ما هو سرّ هذه الحماسة المفرطة في التهجّم على "الرقيب" عبر إطلالات إعلامية مكثّفة، عوضاً عن الانصراف إلى معالجة أصل المشكلة؟ وما هو تفسير هذا التضارب في المعلومات الذي لا ينمّ إلاّ عن إرباك؟

أسئلة عقلانية في صفقة طُرحت وتُطرح عليها علامات استفهام كبيرة. لذلك، هاكم القصة الكاملة لصفقة كفرفالوس.

كان بودّنا أن "نفكّ" عن النائب أمل أبو زيد، ولكن لسوء طالعه فإن كلّ دروب الصفقة تؤدي إلى طاحونته. فإذا وضعنا جانباً المعلومات التي حصلنا عليها، والتي تقول إنّه سهّل عملية الحصول على ترخيص الاستثمار الزراعي الشهير، بعد أن تمت عرقلة شراء أرض كفرفالوس من قبل مجموعة مستثمرين من أبناء جزين، وتمّ تقديم الدنش إلى الواجهة، لأنّه بوجود المستثمرين الجزينيين، لا يمكن القضم من أرض كفرفالوس لإعلاء سدّ بسري، فأبو زيد متّهم أقلّه بالسكوت، والسؤال الجوهري الذي لم نحصل على جواب عليه هو: لماذا سكت؟

قبل فترة قامت الدنيا ولم تقعد في قضاء جزين، لأنّ أرضاً بيعت في بلدة قتالة الجزينية لصيداوي، تبلغ مساحتها 2000 متر مربع، ومن يتصفّح موقع اتحاد بلديات جزين يجد أنّه يطنّ ويرنّ بهذه البيعة، ولكن بالصدفة فقط طنّش الموقع عن الدنش. عملية بيع تفوق المليونين ونصف مليون متر مربع لا تستحقّ التوقّف عندها، أما عملية بيع لا تتعدى الألفي متر مربع نذيعها على سطوح جزين وصولاً إلى سطوح بيروت. فهلّا يتكرموا بتوضيح يشرح لماذا استخدموا الراجمات والقاذفات والصواريخ على بيع ألفي متر مربع في قتالة، واعتصموا بالصمت المطبق على بيع مليونين ونصف مليون متر مربع في كفرفالوس؟

معلومات "الرقيب" تقول إنّه كانت هناك شراكة ثلاثية في أرض كفرفالوس وفي سدّ بسري، قوامها أمل أبو زيد ومحمد الدنش ونبيل البزري، وفي هذه "التوليفة الوطنية" العابرة للطوائف والمذاهب، الظاهر الوحيد هو محمد الدنش، وقد فصّل الثلاثة رخصة "استصلاح" أرض كفرفالوس "زراعياً" على مقاس سدّ بسري، ولكن رياح "الرقيب" هبّت من حيث لا تشتهي مقالعهم، وبالتالي لم يعد بإمكان أهل الدعوة إلى "الوحدة الوطنية في المشاريع" أن ينفّذوا مشروعهم، علماً أنّهم يخططون منذ شهر آب الفائت لـ "مشروعهم الوطني الجامع" هذا، عبر الاستحصال على عدم ممانعة رئيس بلدية كفرفالوس بشقّ طرقات لـ "مشروعهم الزراعي" من بلدة كفرفالوس إلى بلدة صفاريه، كي يتسنّى لهم نقل "المحصول الزراعي" إلى سدّ بسري، حيث المياه هناك تجعل من الصخور عنباً وتيناً وقمحاً!

حاول النائب أمل أبو زيد أن يقول مرة إنّ "الرقيب" تستهدف "التيار الوطني الحرّ"، وحاول أن يقول ثانيةً إنّ زميله في الكتلة النائب زياد أسود هو من يقف وراء "التلفيقة" لغايات انتخابية، وحاول أن يعرف مصادرنا، وحاول رابعةً أن يحرف الأنظار عن شراكته عبر الادّعاء أنّنا اتهمناه بالسمسرة، محاولاً قلب الأمور رأساً على عقب.

وعلى سيرة قلب الأمور، هل صحيح ما أوردته مواقع التواصل الاجتماعي أنّه قلب رأساً على عقب نتيجة إحصاءات قامت بها شركة مستقلة، كانت تضع النائب زياد أسود في المرتبة الأولى، والأستاذ إبراهيم عازار في المرتبة الثانية، وأبو زيد في المرتبة الثالثة؟ وإذا كان هذا الاتهام "الفايسبوكي" من زميله أسود غير صحيح، لماذا لا يرفع عليه دعوى قضائية؟ وهل ساوره الشكّ حول الشخصية التي استهدفها أسود من خلال كتابته قصيدة (أنا… في داري) بعيد فضيحة كفرفالوس؟

في العودة إلى موضوعنا الأساسي، الذي اختلط فيه حابل بيع الأرض بنابل عدم بيعها. فاخر النائب أمل أبو زيد بقرار ردّ فيه بحسب رأيه "على الإعلام المغشوش والتعليقات العشوائية"، ولكن الوقائع تقول إنّ القرار الجديد هو المغشوش. يعود القرار الثاني عن قرار الترخيص الأول بنقل الصخور من كفرفالوس إلى سد بسري إلى ما شاء الله، ويقول القرار في ختامه: "يُطلب إلى القطعة الأمنية المعنية إبلاغ أصحاب العلاقة وجوب التوقف عن متابعة الأعمال وذلك حتى إشعار آخر". فهلا يوضح لنا ماذا تعني عبارة حتى إشعار آخر؟ ولماذا لا تكون العودة عن القرار الأول نهائية؟

بمناسبة عدم العودة النهائية عن القرار الأول، هاكم التفاصيل التي تفسّر الإصرار على جبنة كفرفالوس:

بحسب أبو زيد، رست أرض كفرفالوس على الدنش بـ 15 مليون دولار أميركي، وبحسب العالمين بخفايا سدّ بسري، المبلغ المخصّص للردم هو 100 مليون دولار. وفي عملية حسابية بسيطة، العملية القيصرية التي أُجريت للصفقة كي لا يبصر طفلها المدنّس النور، أصابت المستفيدين بخسائر مباشرة لا تقلّ عن 85 مليون دولار، وقد تردّدت معلومات تقول إنّ القيّمين على صفقة كفرفالوس يحاولون إحياءها عبر محاولة العمل في أراض محيطة، للوصول مجدداً إلى جبنة كفرفالوس التي تؤهلهم كسب مبالغ كبيرة، عبر افتعال العشوائية تجاه الحدود الفاصلة ما بين الأرض المحيطة التي يحاولون الاستحصال عليها للتغطية والتعمية وأرض كفرفالوس.

وفي ظلّ هذه اللوحة السوريالية الحالكة السواد، لا يسعنا إلاّ أن نثني على الأمل الموجود لديهم، والذي يحثّهم على المثابرة والمتابعة وعدم الانكفاء، ولكن نحن أيضاً سنثابر ونتابع ولن ننكفىء. فالمعركة المقبلة على حدّ قول النائب زياد أسود هي "معركة كسارات ومرامل ومقالع وأموال"، إذ من الواضح أنّ "الشبيبة" أخذوا بالاتجاه المكيافيلي وفق أقصى صوره المنحرفة التي تقول إنّ "الغاية تبرّر الوسيلة"، ولكن دائماً بحسب مكيافيلي "إنّها متعة مضاعفة أن تخدع المخادع".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.