"عين" المجتمع الدولي ترعى لبنان.. بشروط!

محمد شرف الدين

 

رسالة إيجابية احتاج لبنان أن يسمعها بعد الأزمة السياسية التي عصفت بحكومته الشهر الماضي، أطلقها مؤتمر باريس حول لبنان مفادها أن "عين المجتمع الدولي ترعاكم". الدعم السياسي في المؤتمر جاء بمثابة "غطاء دولي" للبنان بعد "سحب" الغطاء السعودي.

لم ينته دور باريس مع انتهاء أزمة الحريري وعودته عن الاستقالة، هي التي لعبت الدور الأبرز في انهاء "اقامته الجبرية" في المملكة. تستكمل دورها في "مؤتمر سياسي" بحسب وصف الاعلام الفرنسي له، على أن يتبعه مؤتمر لدعم الجيش لمحاربة الإرهاب (في روما – ايطاليا) وآخرلتلبية احتياجات لبنان بوصفه دولة مُستضيفة للاجئين (ينعقد في بروكسل ـ بلجيكا)، وثالث لدعم الاقتصاد المحلي (ينعقد في باريس في آذار 2018).

وفيما أكد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أن ألمانيا وإيطاليا الأكثر حماسة لدعم لبنان، علماً أن مجموعة الدعم أنشأت صندوقاً مالياً لدعم لبنان يحوي حالياً حوالي 80 مليون يورو، تبقى فرنسا "المايسترو" الذي يعمل جاهداً لضمان الأمن والاستقرار اللبناني، خصوصاً أن باريس أرادت أن يكون الاجتماع، الذي وصف بأنه وزاري، قادراً على اجتذاب أكبر عدد من وزراء الدول التي دعيت: "مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وإيطاليا وألمانيا ومصر، إضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية…."، ما يشير الى الأهمية التي توليها باريس لهذا المؤتمر وأهدافه. الا أن وزير الخارجية الأميركي ريكس تليرسون، كان الوحيد الذي حضر، فيما غاب الآخرون، وانتدبوا من يمثلهم. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فظهر الى جانب الحريري و"المودة ثالثتهما"، وكأن الرئيسين أرادا تجسيد العلاقات اللبنانية – الفرنسية.

في المحصلة، حصد لبنان دعماً سياسياً ليس فقط في ما جاء على لسان ماكرون، الذي لم يبخل في الثناء على "لبنان البلد – النموذج للتعددية واحترام الأقليات وتعايش الأديان، البلد الرمز، الشقيق والاستراتيجي الذي نرفع راية الدفاع عنه"، وإنما جماعياً في البيان الختامي الذي يؤكد على "تمسك المشاركين باستقرار وأمن وسيادة لبنان ومساندتهم لجهود السلطات اللبنانية لترميم العمل الطبيعي للمؤسسات وتحضير الانتخابات المقبلة وفق المعايير الدولية". من جهته، حصل الحريري على الدعم الشخصي، إذ رحبت "المجموعة" بعودته عن استقالته.

ولأن الدعم الاقتصادي لا يقل أهمية عن الدعم السياسي والعسكري، فإن فرنسا تؤكد على ضرورة عقد "باريس 4"، لكنها تشدد على ضرورة التزام لبنان برنامجاً اقتصادياً "له صدقية"، في اشارة الى ضرورة تسريع العمل ببرنامج الإصلاحات الاقتصادية، والتشديد على الشفافية والديمقراطية ومكافحة الفساد.

منذ مؤتمر "باريس 1" لدعم لبنان إقتصادياً ومالياً، والمؤسسات المالية الدولية الداعمة تطلب من الدولة إصلاحات إقتصادية وإجتماعية للحصول على الهبات والمساعدات المطلوبة. بموجب مؤتمر "باريس 3"، يمكن اختصار الاصلاحات المطلوبة بست نقاط أساسية:

– دعم الإقتصاد والشفافية المالية ومحاربة الفساد وتأكيد الشركة بين القطاعين العام والخاص.

– إصلاح المالية العامة من خلال تخفيض العجز ورفع الواردات المالية.

– إصلاح القطاع الإجتماعي وتوفير الرعاية الإجتماعية.

– الخصخصة وإصلاح قطاعات النقل والإتصالات والمياه.

– إصلاح النظام التقاعدي.

– إصلاح قطاع الكهرباء.

جزء كبير من هذه البنود لم يقم لبنان بتنفيذها ولا بتنفيذ أي إصلاحات في اطارها، ففي قطاع الكهرباء مثلاً أصبحت الخسائر اليوم أكبر، أما قطاع الإتصالات فيشهد صفقات مشكوك بشفافيتها، في باقي القطاعات ثمة شبهات فساد دائمة ترسم حول بعضها.. والأهم في هذا المجال أن قوانين عدة كانت مطلوبة دولياً وضعت لبنانياً لكن من دون تنفيذ معظمها. أما عدم تنفيذ هذه الاصلاحات فيعود لثلاثة أسباب رئيسية: أولها الأزمات السياسية والدستورية التي عاشها لبنان منذ عام 2005 وصولاً لعام 2016. السبب الثاني يعود للاختلافات في الرؤى السياسية والإجتماعية. أخيراً ثالث الاسباب هو تغييب الموازنات العامة في السنوات العشر الأخيرة، الأمر الذي أدى الى انفاق غير مدروس.

في مؤتمر "باريس 3" وُعد لبنان بـ 5.6 مليار دولار مساعدات، 18 في المئة منها هبات، حصل لبنان على 58 في المئة فقط بسبب غياب الإصلاحات المطلوبة. أما المرحلة المقبلة فتتطلب، بحسب المعلومات المتداولة، أكثر من 15 مليار دولار لضمان سير عمل المؤسسات كما يجب. بهدف تحصيل هذه الأموال، يجب على لبنان أن ينفذ إصلاحات في الأشهر الثلاثة التي تسبق مؤتمر "باريس 4" الذي سيعقد في آذار 2018، فيما تخضع المشاريع المطروحة لمراجعة البنك الدولي لدراسة جدواها الإقتصادية. فهل ينجح لبنان في تحقيق الإصلاحات ومكافحة الفساد حتى تقبل الدول مساعدته مالياً؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.