إسرائيل بين وهن سوريا وشراك "حزب الله"

مع كلّ إطلالة له على جمهوره، يتعمّد الأمين العام لـ "حزب الله" أن يُظهر للكيان الصهيوني الغاصب، أنّ عينه اليمنى على الجولان، والأخرى على فلسطين المحتلّة، وأنّه لن يسقطهما من حساباته، إلى حين زوال دولة إسرائيل. ولكن منذ انغماس "حزب الله" في الحرب السوريّة، لم تعلّق إسرائيل على تهديداته، إلى أن عادت وأيقنت مؤخراً خطورتها، وذلك مع تحرير الجرود الشرقية من "جبهة النصرة" و"داعش" في غضون أيام معدودة.

هكذا، الهـزائـم المستحيلة التي لازمت نهايات السيناريوهات "الهوليوودية" على مرّ "الأفلام"،  أصبحت حتمية في ميدان "حزب الله"، حيث أنّ جمــيع خطط الولايات المتحدة الأميركية الممنهجة لردع "حزب الله" باءت بالفشل، ووجدت الإدارة الأميركية نفسها عاجزة عن التصدّي لعدوها في لبنان، بعد إدراكها أن لا حول لها ولا قوة في القضاء عليه.                                                                                  على الضفّة الحليفة لواشنطن، يبدو أن القيادة الإسرائيلية منهمكة في استكمال تدريباتها العسكرية واسعة النطاق على الحدود الشمالية لإسرائيل، وانتهت من مناورة "ضوء داغان" التي تعتبر الأولى من نوعها منذ 19 عاماً، وتتزامن هذه المناورة الضــخمة مع التقدّم الملحوظ للجيش السوري وحلفائه في شرق سوريا، وإعلانه عن فكّ الحصار عن مطار دير الزور العسكري بعد ثمانية أشهر من القتال ضدّ "داعش". تسعى إسرائيل من خلال هذه المناورة التي شارك فيها عشرات الآلاف من الجنود النظاميين والإحتياط وعشرات الألوية وأهم القادة العسكريين، إلى توجيه رسالة لإيران وحلفائها في سوريا ولبنان، مفادها أنَّ كلّ سنتمتر من الأراضي الفلسطينية المحتلة يُقابل بحربٍ مدمّرة، إلا أنّ جوهر الرسالة يؤشّر إلى قلق إسرائيل من تفوّق "حـزب الله" على "داعـش" في سوريا، وتحسّن قدراته في القتال البري، والوجود العسكري الإيراني على كافة الأراضي السورية، بالإضافة إلى خيبتها الشديدة من محاولة إضعاف النظام السوري وتقسيم سوريا على أسس طـائفية ومـذهبيـة ومناطقيـة. أمّا انزعاجها الأكبر يكمن في خسارتها لمشروعها الذي سعت إليه منذ بدء الحرب، ألا وهو ضمّ هضبة الجولان، وإقامة منطقة عازلة جنوب سوريا، على طول الحدود مع الجولان السوري المحتل، تكون منزوعة السلاح وخالية من القوات العسكرية الإيرانية، وتحت سيطرة النفوذ الإسرائيلي.

عـلى هامش الأجواء المشحونة بين طهران وتل أبيب، والتحـذيرات الإيرانية من إعادة فتح جبهة الجولان، وبالتالي وضع المنطقة أمام احتمال ردّ عسكري إسرائيلي غير مسبوق، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، إلى إيجاد تسوية تقضي بسحب القوات الإيرانية من سوريا، أو فرض قيود على المواقع المتواجدة فيها، إلا أنّ هذا الأمر يبقى مستبعداً لدى الروس، والسبب يعود إلى العلاقة المتينة التي تربط إيران بروسيا، بإعتبار أنهما كدولة عظمى وأخرى تسعى لتكون عظمى، لديهما مصالح استراتيجية مشتركة في سوريا. ويبدو أنّ الضياع الذي حيّر الحكومة الإسرائيلية بين الإرساء على هدنة في سوريا للحفاظ على أمن واستقرار كيانها الغاصب، أو اللجوء إلى الحرب حفاظاً على ماء الوجه، قد ضلّل خيارها.

في مقابل الخيبة من "التخاذل" الروسي، من الواضح أنّ إسرائيل غـير قادرة على خوض مواجهة عسكرية مع إيران من دون دعم ومساندة من الولايات المتحدة الأميركية. هذا ما يؤكّده الضابط الإسرائيلي والنائب السابق لرئيس هيئة الأركان يائير غولان، لافتاً إلى النقص في القوات الإسرائيلية البحرية، ومشدّداً على وجوب تأمين الإمكانات العسكرية اللازمة من الخارج، لتكون إسرائيل على أهبة الاستعداد لأية مواجهة محتملة مع إيران. وفي ندوة أقيمت بمركز رابين في تل أبيب، تحدّث رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية هرتسي هليفي، عن تخوّف القيادة الإسرائيلية من مخططات طهران المتواصلة من أجل تعزيز نفوذها وتواجدها على طول الحـدود السورية واللبنانية، وكذلك في قطاع غزة، معتبراً أنّ ذلك يندرج ضمن تطلّع إيران لإبادة دولة إسرائيل ومحوها.

لقد نجح الإسرائيليون في تدنيس أرض العروبة بالإرهاب والتكفريين، متطلعين إلى كتابة تاريخ جديد لها. وعلى الرغم من صمود النظام السوري في وجه الرياح الإرهابية العاتية، تآكل الجيش العربي السوري، وأصبح أضعف من أيّ وقت مضى، ولكن في مقابل الوهن الذي أصابه، ازداد حليفه "حزب الله" قوة.

فبالأمس القريب، كان "حزب الله" حليف إيران وأداتها العسكرية في الشرق الأوسط، يحارب إسرائيل من جنوب لبنان، وقد أصبح اليوم على مقربة من جحرها وعلى مشارف الأراضي الفلسطينية المحتلة متشبثاً، مكرراً التزامه بتحريرها. وبينما تحاول واشنطن حليفة تل أبيب لملمة خسائرها الجسيمة في سوريا والعراق، بالتوازي مع إقدام مقاتلاتها الحربية على قصف مرابض "داعش" ومنازل عشرات المدنيين السوريين عمداً، واستمرارها في استباحة الأرواح وتشريد الأطفال واستنزاف دماء الأبرياء، جرّاء تمويلها الإرهاب وتسليحه، يقوم العملاق الروسي ببسط سيطرته على بعض المناطق السورية الإستراتيجية لإقامة ترسانة عسكرية مواجهة لإسرائيل، والإستحواذ على مساحة سورية خاصة يجعل منها ملاذاً آمناً لاستثماراته المستقبلية وأمواله الفائضة.

ناتالي عواد
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.