وكالات عرض الأزياء.. "سوق سوداء" لبيع الجميلات

فرح الحاج دياب

تتصفّح شاشة هاتفها، فتجد نفسها غارقة في عالمٍ إفترضي صاخب بالفوضى والكذب، ينهمر عليها وابل من المجاملات والغزل الزائف… من سخرية القدر أنّ الحديث الذي يبدأ بـ "بونسوار يا حلوة"، أو "بونجور يا قمر"، ينتهي بـ "على شو شايفة بحالك؟ مبينة فوتوشوب".

الألاعيب على مواقع التواصُل الإجتماعي تجد أرضاً خصبة لها في المساحة العنكبوتية المُتاحة لها، فيتطاول الأفراد وتنشط المجموعات لتصِل إلى المجتمع بكامله، ويكمن بيت القصيد في مُمارسات غير قانونيّة وحنكة في استهداف الأفراد، خصوصاً الشابّات منهم، من خلال أساليب الخداع والاحتيال، وذلك لغايات جنسيّة أو مادّية.

الرّسائل الكثيرة التي تتلقّاها من أشخاص مجهولين على موقعي "فايسبوك" و"انستغرام" لم تعد تثير غضبها كالسّابق، إعتادت عليها حتّى تأقلمت مع الذين يقرّرون شتمها لأنّها تتجاهلهم.

وسط صراخ هؤلاء، لا يلفت نظرها إلّا رسالة متقنة من أحدهم، تجد فيها عرضاً مغرياً، لم تستطع إلّا أن تكمل تفاصيلها حتى خواتيمها. "مرحبا، هل يهمّك أن تصبحي عارضة؟ حسب الصّور يبدو طولك مناسباً، أتمنى أن تزوّديني بوزنك…". تقرر الرّد عليه لترضي حشريتها، يطلب رقم هاتفها، فتفضّل الإتصال به عبر موقع "فيسبوك"، صوتٌ عميق، ولسانٌ "متعوب عليه" جيداً، يرشق كلماته بالعربيّة فالفرنسيّة ثمّ الإنكليزيّة، تفكّر في نفسها "أعتقد أنّه قد حفظ كتاب "فنّ التفاوض" حتى صار يبرع في استخدام أساليبه.

أوّل ما عليها فعله هو أن تبعث له صور جسدها، "إن كنت تشعرين بالقلق، يمكنك أن تبعثي صور لأجزاء من جسدك كلّ جزء على حدة"، "يمكنك أن تثقي بنا جيداً، نحن نتعامل مع شركات عالميّة".

تردف "مع أيّ شركات"؟ فيجيبها بالكثير من الثّقة "نتعامل مع تلفزيون .LBC, MTV, ZARA, ADDIDAS…

ويُكمل "في عصرنا اليوم بات الفرد قادر على نيل الشهادات الجامعية عبر الإنترنت، ونحن أيضاً تدريبنا سيكون من وراء الكاميرا، نوفّر الوقت والجّهد… أظن أنّك منفتحة ومثقّفة.. معظم العرب عقولهم مقفلة".

يتذمّر من كثرة الأسئلة "شو حاسّك عم تعملي معي تحقيق". تسأله عن مقر "الوكالة"، يقول أنّها في بيروت ثم يصمت. "في أيّ مكان من بيروت"؟ يعطيها عنواناً لم يسبق أن سمعت به. "وسط البلد جانب أسواق بيروت… "يعجقها" عليها، تضيع ويضيع العنوان، تتذكّر "أسعد وجودة" في "ضيعة ضايعة": "أوّل مفرق، تاني مفرق، فوق الدفتر تحت الدفتر… في سرّ… سرّ كبير!".

يقول إنّ باستطاعتها أن تبدأ الجلسة الأولى اليوم، يحدّثها عن الخصوصيّة والأمان والثّقة.. ينتهي الاتصال، يبعث لها موقع الوكالة الذي يبدو ناشطاً وبرّاقاً.

تبحث عن إسم الوكالة عبر "غوغل"، فلا تجد له أيّ أثر، ولا تجد أي عارضة مرتبطة به..

عرض الأزياء.. سوق سوداء في لبنان

لعلّ أوّل ما يتبادر إلى أذهان اللبنانيين لدى الحديث عن عارضات الأزياء هو "ميريام كلينك"، "التي تتعرّى" كما يصفها رئيس مجلس النّواب نبيه برّي، مرفقاً بـ"الغول" الذي ركلت به كلينك مهنة عرض الأزياء نحو الحضيض لتحولها إلى "مهنة العراة أخلاقياً".

سمعة وكالات عرض الأزياء في لبنان "مضروبة"، فقد تعرّضت سابقاً لمجموعة انتقادات لاذعة بسبب تضليل العارضات وتوريطهن في قضايا تمسّ الشرف والمخدّرات، إمّا تحت ستار قانوني، وإمّا من خلال وسائل جديدة تتّبع التكنولوجيا والتطور لتكون قادرة على الإيقاع بالشابّات والإتجار بهنّ.

تتوجّه أصابع الإتهام إلى كلّ "وكالة" إلكترونية تعتبر العمل العنكبوتي الوسيلة الأكثر جذباً واستقطاباً للشابّات، أكثر من الوكالات الشرعية المعروفة التي توضع هي الأخرى في خانة الشّك.

دعارة.. على عينك يا تاجر

المهنة الأقدم عبر التّاريخ تجد رواجاً كبيراً لها في لبنان، إذ تنشط "السّياحة الجنسيّة" فيه بشكل كبير.
القوانين اللبنانية ترعى ممارسة الدعارة ضمن ضوابط وأصول ضيقة جداً، فـ"بيوت الدعارة" في لبنان المعروفة قانوناً تحت اسم "بيوت البغاء" تمارس نشاطها علناً وذلك من خلال إجراءات وضوابط طبّية وصحّية بإشراف المديريّة الصحّية في الأمن العام، لكن الوكالات غير الشرعية ذات الاستراتيجيّات المدروسة قد أعلنت مؤازرتها لهذا النّوع من "السّياحة"، فشنّت حربها الأخلاقيّة لضرب الجمال وجَرفه نحو الدعارة وأساليبها.

مستقبل المهنة الضّائع

اجتاحت الشبكة العنكبوتيّة المنازل والعقول، وما لبثت أن أصبحت سرعة انتشار هذا النوع من الوكالات تستقطب كلّ شابة تهوى فكرة عرض الأزياء، فتسعى لأن تحقق حلمها وتصبح نجمة.
تحارب الوكالات الشرعية اليوم على جبهتين مختلفتين: الأولى في وجه الوكالات المحتالة، والثانية تكمن في العمل على إعادة بناء ثقة اللبنانيين بهذه المهنة.
وإذ تناضل هذه الوكالات من أجل موقعها الفني الفريد طوال السنين الماضية، ها هي تستمرّ في خَلق المفاهيم والقيَم والإبداعات المتّصفة بتفعيل دورها على مستوى لبنان والعالم.
يقع على عاتق السلطات اللبنانية المعنيّة التدقيق في مراقبة أداء هذه الوكالات والغَوص في أعماقها لمكافحة هذه الآفة الإجتماعية المتكاثرة في لبنان، في حين تتقن الوكالات المتفشّية إلكترونياً عملها اللاشرعي، وتوقع عدداً من الفتيات المراهقات الحالمات بالفساتين البرّاقة والكعوب العالية والأضواء المشعّة، في شباكها.
ولذلك، من الضروري أن ينتشر الوعي داخل البيت والمدرسة والجامعة لئلّا تنحرف الشابّات اللبنانيات ويضيع مستقبلهنّ وهنّ يتعرّضن للإبتزاز والتهديد من قبل هؤلاء "الذئاب"، وذلك عبر خلق الروادع القانونية وتعميم الروادع الدينية، التي تحميهن من أي خلل عاطفي ناتج عن واقع اقتصادي معيشي مرير. وكم من فتاة انتحرت لأسباب غامضة هي في الحقيقة واحدة من ضحايا هؤلاء.

التشرذم والفساد الذي يطال كلّ القطاعات اللبنانيّة تسرّب إلى هذه المهنة التي تحتمل الشبهات والكثير من التساؤلات والشّكوك، فالتراكمات الماضية التي عاشَتها الوكالات الشرعية تتجدّد عن طريق وسائل التواصل الإجتماعي التي يمكن من خلالها اجتياح العقول والنفوس، وذلك لغايات جنسية أو مالية، قد تقود هذا القطاع اللبناني الشرعي إلى زمن الإنهيار.

أنتِ لست بحاجة لأن تكوني عارضة أزياء ليقال أنّك جميلة. أنتِ جميلة من دون أن تخلعي ملابسك أمام كاميرا تلفزيون أو كاميرا هاتف… ودون أن تضّطري للرقص شبه عارية أو تُدخلي "غول" في حياتك يسبب لك خسارة مدوّية إلى الأبد…

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.