"الطائف" يترنّح.. و"الفيدرالية" تجنح!

** خضر طالب **

ماذا بقي من اتفاق الطائف؟

عندما اتفق اللبنانيون في الطائف على الدستور الذي يعيد صياغة التوازنات الداخلية على وقع ما أنتجته الحرب اللبنانية، كان الانطباع السائد آنذاك بالنسبة للقوى التي كانت منضوية في "الحركة الوطنية" التي يفترض أنها كانت الطرف "المنتصر"، أن هذا الاتفاق لا يلبّي طموحاتها ولا يترجم التوازنات التي أفرزتها الحرب. لم تكن تلك القوى تطالب بتعديل ميزان القوى داخل تركيبة النظام لصالح طائفة أو مذهب، وإنما كان مطلبها الانتقال إلى الدولة المدنية عبر إلغاء الطائفية السياسية.

استسلمت تلك القوى "المنتصرة" للمداخلات الخارجية، الأميركية والسورية والسعودية، على قاعدة أن "اتفاق الطائف" هو محطة نحو تطوير النظام باتجاه إقامة دولة لا تميّز بين أبنائها بحسب انتمائهم الديني أو المناطقي. لكن معظم تلك القوى عاد واستسلم لمسار "اللعبة الداخلية" وموجباتها على قاعدة "مين حضر السوق.. باع واشترى".

كانت المفارقة فاقعة: القوى "الوطنية" التي كانت تطالب بإلغاء الطائفية، "تمذهبت"!

تبخّرت التضحيات والطموحات وتغيّرت المعايير وانقلبت الثوابت، حتى صارت تلك القوى متمسّكة بـ"الطائف" و"مغانمه" وتوازناته. لم يعد بالنسبة إليها مجرّد "محطة لإنهاء الحرب"، وإنما صار "قاعدة لتثبيت السلم الأهلي".

تعرّض "الطائف" لضربات متتالية بحكم الوقائع السياسية، خصوصاً من الأطراف التي كانت تعتبر أن هذا الاتفاق قد ألحق بها الغبن من حيث موقعها في التركيبة السياسية. لكن "الطائف" صمد بحكم مظلّة الحماية القائمة على التفاهم الخارجي بين الدول الراعية: الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية وسوريا.. وصولاً إلى العام 2005 عندما اغتيل حامل تلك المظلّة السياسية: الرئيس الشهيد رفيق الحريري. في تلك اللحظة تحديداً، أطاح إعصار الاغتيال بمظلّة الحماية وصار "الطائف" مكشوفاً للإستهداف المباشر، خصوصاً أن ركائزه الثلاث قد تصدّعت.. ثم تصارعت.

كاد يسقط "اتفاق الطائف" مرراً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لكن استمراره كان بفعل غياب البديل.. كل المشاريع التي طُرحت كبديل عن "الطائف"، كانت تستند إلى قاعدة "تبديل التوازنات"، وهو ما كان يعني أنها مشاريع لا مستقبل لها وهي "طائف" آخر.. يمكن وصفها بأنها "طائف شيعي" أو "طائف مسيحي" أو "طائف ثلاثي"… لكنها في المحصلة لا تملك مقومات الحياة لفترة طويلة في ظل ما يصيب المنطقة من تحوّلات متسارعة ودراماتكية.

حانت أكثر من فرصة للإنقضاض على "الطائف" خلال السنوات الماضية، خصوصاً بعد انتهاء ولاية الرئيس آميل لحود ثم بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان. كان الفراغ الدستوري الذي ساد آنذاك يشكّل فرصة كاملة لإطاحة "الطائف"، وكان كثيرون يعتقدون أن ذلك الفراغ مقصود من أجل تفكيك البنية السياسية للنظام السياسي بهدف إعادة تركيبه على أسس وتوازنات جديدة.

ما يزال كثر مقتنعون أن تفاهم "الدوحة"، الذي أنهى مرحلة الفراغ بعد انتهاء ولاية الرئيس لحود، كان نصف خطوة نحو تغيير الطائف، من خلال ما كرّسه من أعراف سياسية أنتجت مفاعيل دستورية تتضمّن تعديلات في توازنات "الطائف"، كما أنه شكّل إقراراً بمبدأ "المثالثة" كقاعدة سياسية.

أما بعد انتهاء ولاية الرئيس سليمان، فقد اعتقد كثر أن الفراغ مطلوب بقوة من أجل تحلّل الدولة والنظام لإقامة نظام جديد يكرّس القاعدة السياسية لـ"المثالثة" دستورياً. ويؤمن أصحاب هذه القناعة أن انتخاب العماد ميشال عون رئيساً جاء من خارج الحسابات التي أرادت انهيار نظام "الطائف"، وإن كان بعضهم يعتقد أن التسوية على انتخاب عون وتسمية الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة هي "تفاهم" جديد يضيف أعرافاً إلى ما أرساه "تفاهم الدوحة"، خصوصاً لناحية الصلاحيات بين ثلاثي الحكم.

لكن، لماذا يُطرح مصير "اتفاق الطائف" اليوم في ظل وجود رئيس للجمهورية وانتظام عمل المؤسسات الدستورية؟

الجواب يكمن في مجموعة عناصر تؤدي بمجملها إلى الاعتقاد أن "الطائف" يترنّح فعلياً وأنه يعيش في "الوقت الضائع"، بل وربما يكون قد دخل مرحلة "الموت السريري"، وأن إنعاشه يحتاج إلى متغيّرات كبرى تبدأ من اليمن مروراً بالبحرين وانتقالاً إلى العراق وصولاً إلى سوريا… قبل أن يتمكّن احد من مدّ "الطائف" بجرعة "أوكسيجين" تمنحه قوة الصمود ليتمكّن لاحقاً من التعافي.. ولكن طبعاً، لا توحي المتغيّرات بهذا المسار الذي أصبح من الأوهام الكبرى.

انتهى زمن "الطائف"؟ على الأرجح أن المدى الزمني الذي يستطيع "الطائف" مقاومة الموت، لا يتجاوز العام 2020. لكن الأكيد، أن نقطة التحوّل الكبرى في كل المنطقة، والتي ستنعكس حتماً على لبنان، تبدأ من كردستان مع الاستفتاء على الاستقلال عن العراق وإقامة الدولة الكردية.

سيشكل إقامة دولة كردية زلزالاً سياسياً في كل المنطقة، وستتمدّد ارتداداته في كل محيط تلك الدولة، وعلى الأرجح لن تسلم أي دولة من تلك الارتدادات.

يوم حصل الاستفتاء على استقلال جنوب السودان، كانت تلك الإشارة الأولى نحو انطلاقة ما سمّي "الربيع العربي"، فكانت أولى ارتداداته في دول "عرب أفريقيا" من مصر إلى ليبيا وتونس.. قبل أن تنتقل أضراره إلى دول "عرب آسيا".

اليوم، سيشكّل انسلاخ كردستان عن العراق زلزالاً أكبر بكثير من "زلزال أفريقيا"، خصوصاً في ظل هذا التشجيع والتهليل الإسرائيلي الذي يبدو أنه يتولّى إدارة عملية الانفصال بالكامل.

بعد انسلاخ كردستان، هل سيبقى باقي العراق موحّداً.. أم أن الفيدرالية ستكون بديلاً من التقسيم بين دولتين سنّية وشيعية؟

التسوية المطروحة لإنهاء الحرب في سوريا، والتي قطعت شوطاً بعيداً في صياغتها، تقوم على قاعدة التعامل مع الواقع الجديد لـ"دولة كردستان"، من خلال قيام نظام سوري جديد يراعي "الخصوصيات" في سوريا الجديدة، فيدرالي في المضمون وتحت عنوان "اللامركزية".

قبل ثلاث سنوات، كان عائدون من الولايات المتحدة الأميركية يتحدّثون باستغراب عن أسئلة أميركية متكرّرة حول "مفهوم اللبنانيين للفيدرالية" وما إذا كانت تشكّل مخرجاً للأزمات اللبنانية المتتالية.

قبل سنتين تصاعدت، على ألسنة السياسيين في لبنان، وتيرة الخطاب الذي يتضمّن تلميحات إلى الفيدرالية.. إلى أن تجرّأ آنذاك حزب "الكتائب" بطرح صريح لهذا المفهوم.. ثم جاء مشروع "القانون الأرثوذكسي" للانتخابات النيابية والذي كان يكرّس فكرة الفيدرالية بشكل واقعي.. وبعد مخاض وسقوط مشاريع قوانين للانتخابات، تم إقناع اللبنانيين بالقانون الجديد للانتخابات باعتباره "خشبة حلاص"، بينما هو في الواقع "قانون أرثوذكسي" معدّل ومغلّف بورقة "النسبية".

ماذا يعني كل ذلك؟

يعني ببساطة وبوضوح شديد أن البديل عن اتفاق الطائف هو نظام فيدرالي مغلّف بورقة برّاقة إسمها "اللامركزية الموسّعة".. وقد بدأت الدراسات الفعلية لشكل المحافظات التي ستشكّل "ولايات" الفيدرالية المقبل، والأرجح أن تقسيمات قانون الانتخابات الحالي ستكون الأرضية التي سيبنى عليها لتلك التقسيمات الإدارية ـ الفيدرالية.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.