في وقف استنزاف مفهوم الخلافة: المسلمون بغنى عن "بن لادن" جديد

طارق المبيّض (*)

"لا شيء يخلق.. لا شيء يفنى.. جميعه يتحول". هذه المقولة للفيلسوف والكيميائي الفرنسي لافوازييه يبدو أنها تنطبق على حالة الحركات الاسلامية، السياسية منها و"الجهادية" على حد سواء. فمنذ سقوط الامبراطورية العثمانية في بداية القرن الماضي، بدأ نجم هذه الحركات يسطع في سماء العالم العربي الذي حكمته منذ ذلك الحين أنظمة قطرية وطنية.

هذه الحركات، وان اختلفت بالطرح والرؤية، الا انها تعمل لهدف واحد وهو "اقامة الدولة الاسلامية"، و"إعادة الخلافة" التي أعلن اتاتورك سقوطها بعد الحرب العالمية الاولى رسمياً. وقد استطاعت هذه الحركات النجاح في تحقيق حلمها، أو بالأحرى "سراب حلمها"، في عدد من المحطات التاريخية والمعاصرة، وكان آخرها "الدولة الاسلامية في العراق والشام" (اختصاراً داعش)، والتي أعادت العمل في "الحدود" والانظمة الادارية الاسلامية، ورفعت شعارات "الحكم بما أنزل الله" بعدما سيطرت على مساحات واسعة في العراق وسوريا في حزيران 2014، واعلانها قيام "الخلافة الاسلامية" من جديد.

اليوم وبعد تقهقر "داعش" و"جبهة النصرة" وملحقاتهما في سوريا والعراق، يُعاد طرح السؤال المركزي الذي لم يجد له العرب جوابا منذ نهاية حقبة الاستعمار: ما هو شكل الدولة التي يريدها العرب والمسلمون؟ وبمعنى أدقّ، هل يريدون دولة مدنية، ام دولة دينية "إسلامية"؟، وهل ما زالت الدولة الاسلامية بمفهومها التقليدي قادرة على الحياة في هذه الالفية الثالثة؟

تُطرح هذه الاسئلة بعد ست سنوات من بداية ما عُرف بـ"الربيع العربي" والنتائج التي تمخّضت عنه، ودور تلك الحركات في إحداث هذا "الربيع" الذي تحول الى خريف هُجر فيه ملايين العرب ودمرت مدن بأكملها وسقط الملايين بين قتيل وجريح ومعوق. وايضا بعد التقارير الصحفية الغربية التي تتحدث عن "احياء" تنظيم "القاعدة" من جديد تحت قيادة حمزة بن اسامة بن لادن ليوحد "المجاهدين" من جديد على مستوى العالم، ويخلف "داعش" في نفس سياق المواجهة الذي كانت تتبناه…

هنا يصبح السؤال ملحاً: الى متى سيستمر الاستنزاف تحت مسميات "الدولة الاسلامية" واعادة حلم "الخلافة" و"تحكيم الشريعة"؟.. مع العلم أن معظم الفقهاء والمفكرين الاسلاميين، في كل العصور، أكدوا ان روح الاسلام تتماشى مع العدالة الاجتماعية، ومفهوم الخلافة انما جُعل لادارة شؤون الدولة ورعاية شؤون المسلمين وليس العكس عبر استنزاف المسلمين وحياتهم في سبيل المفهوم!

أشار ابن خلدون في عصور تفكك الدولة العباسية الى انه من الممكن وجود اكثر من خليفة في وقت واحد، كل في دولته، على شرط ان يقام العدل في تلك الدولة. كما اكد ابن خلدون في نفس الوقت انه ليس من الضرورة ان تكون الخلافة في قريش، فهذا الامر كان مقبولا عندما كانت قريش القوة الوحيدة التي تستطيع حكم المجتمع الاسلامي، اما اليوم فقد "تبخّر" هذا المفهوم واصبح هناك من هو أقدر على الحكم.
اما المفكر محمد إقبال فاعتبر ان الخلافة من الممكن ان تنتقل من شخص واحد الى مجموعة ـ "البرلمان" الذي يمثل مجتمعا السلطة العليا للمسلمين، وهذا يتماشى مع فقه الواقع وينسجم مع ما يحتاجه المسلمون من تطوير دولهم والابقاء على الاستقرار السياسي والاجتماعي، بعيدا عن استنزاف المسلمين بشعارات لم تعد قابلة للتعايش مع واقعنا الحالي، وليست هي بالاصل من الدين بالضرورة.

المسلمون اليوم مدعوون الى اعادة تقييم واقعهم، والنخبة فيهم مدعوة الى "الجهاد"، ليس بهدف احياء "شعارات"، بل لاحياء الناس بدل الموت الذي يعيشونه بين فصيل مقاتل وفصيل مقتول، وبين نظام ظالم وآخر مستبد يرفع شعار "الدفاع عن الاسلام والمسلمين" ليبقى جاثما على كرسيه.

(*) باحث

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.