جورج عبد الله.. السهل الممتنع

د. روبير عبد الله (*)

لم يشهد ملف في التاريخ المعاصر مثل هذا الإهمال الرسمي المستدام من قبل سلطة في أي دولة من دول العالم. مواطن لبناني قضى نصف عمره (35 عاماً) في السجون الفرنسية بطريقة ملتبسة من أول الاعتقال إلى يومنا هذا. ومن ضمن السنوات الطويلة ست سنوات رهينة قرار سياسي واضح بالإعدام البطيء، من دون تغطية قضائية ولو شكلية. ولعلّ إحدى وثائق ويكيليكس أبرز دليل، من بين ما لا يحصى من الأدلة والبراهين، على القرار السياسي المبرم بتجاوز أي مسلك قضائي في القانون الفرنسي نفسه.

إنه المناضل اللبناني العربي اليساري المقاوم جورج ابراهيم عبد الله. في كل محطات سيرته النضالية الطويلة ما يتقاطع مع محطات من سير شخصيات لبنانية صارت في أعلى المراكز، الرسمية منها أم الحزبية أم حتى مجالات أخرى غير ذات صلة. صار الآخرون في أعلى المراكز، بصرف النظر عما شاب سلوكهم من تقلبات.. أو ارتكابات بعضها عظيم الخطورة وشديد التداعيات.

الصفح عن العملاء في لبنان بأحكام مخففة ممكن.. تدوير المواقف من سلوك كبار الفاسدين ممكن.. نقل البارودة من كتف إلى كتف عادي.. وضع لبنان على حافة انفجارات لا تبقي ولا تذر مسألة فيها نظر.. تجويع اللبنانيين وتحميلهم وزر سياسات مالية أفضت إلى دين بقيمة مئة مليار دولار مقابل لا شيء، لا شيء أبداً، سوى انتفاخ جيوب المسؤولين والموالين لهم من أصحاب الحظوة… كل ذلك ممكن ومباح.

إلا جورج عبد الله.. السهل الممتنع. مناضل مقاوم، ثابت على المبادئ، مصيبته الكبرى أنه لم يتغير. فكيف تبقى هكذا على قيد الوجود.

دولة "صديقة" تسجنه خلافاً لقانونها، باعتراف أشخاص رسميين فيها وقادة رأي. قضاة، وزير خارجية أسبق، مسؤول المخابرات الفرنسية، المدعي العام، عشرات النواب، قادة رأي وأحزاب، رؤساء بلديات، حقوقيون كثر، مناضلون وناشطون… كلهم، كلهم، الواحد تلو الآخر استهجن ما تلحقه سلطات بلاده من عار عليها بين الأمم.

دولة لبنانية "ذات سيادة". بأشكال مختلفة وبمناسبات عديدة، كل أركانها عبروا عن التعاطف والتضامن: رؤساء جمهورية، رؤساء حكومة، وزراء ونواب، لجنة وزارية، وزير عدل، ثلاث وزراء خارجية، وزير داخلية، الكتل النيابية كلها، أحزاب في السلطة وخارجها… كلهم عبّروا أمامنا بالفم الملآن عن التعاطف والشجب والاستنكار.. بعضهم وجه سؤالاً للحكومة وبقي السؤال من دون جواب.

اتصالات رسمية خجولة، خجولة جداً، برتبة الاستعلام والاطمئنان على الصحة فقط، الاستعلام عن قضية يعرف حيثياتها العالم قاطبة، لعلّ الاستعلام جاء على طريقة: نعلم سيدي حقك المطلق أن تفعل بمواطنينا ما تشاء، لكن لو سمحت، لو تكرمت، لو تواضعت من مقامك السامي المبجل، فتعطينا ما يبرر صمتنا ولو بقليل من حفظ ماء الوجه.

فيا أصحاب الدولة والمعالي والسعادة، نقدر وضعكم جيداً، هل تسمحون لمواطن لا زال في عمق نفسه بقية كرامة أن يعلن بالكلمة، بالهتاف، بالصورة، بمكبر صوت إذا أمكن، أن في لبنان أشخاصاً يخيّل إليهم أننا في دولة مستقلة، أن زمن الانتداب على قول المحامي الراحل جاك فيرجيس، قد ولّى.. أم لعلّ في ذلك ما يحرجكم؟!

(*) شقيق الأسير جورج عبد الله

رئيس الجمهورية يبادر…

بعد أن نشرت "الرقيب" مقال الدكتور روبير عبد الله ، ذكرت صحيفة "الأخبار" أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أعاد تحريك ملف المقاوِم اللبناني المعتقل في فرنسا جورج عبدالله، من خلال إجراء اتصالات مع السلطات الفرنسية، بهدف تأمين الإفراج عنه. وسبق لعون أن كلّف اللواء ابراهيم بالتواصل مع مسؤولين فرنسيين، سعياً إلى تأمين تحرير عبدالله. كذلك زار السفير اللبناني في باريس، رامي عدوان، عبدالله في سجنه، في كانون الاول 2018، ليكون أول سفير لبناني يزور المقاوم المعتقل منذ 34 عاماً. لكن السلطات الفرنسية عادت وأرجأت البحث الجدي في الملف إلى حين زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبيروت، وهي التي كانت مقررة في آذار الفائت. ولما كانت الزيارة قد أرجئت إلى موعد لم يُحدّد، قرر عون، بعد نجاح مسعى الإفراج عن نزار زكّا في إيران، تحريك ملف عبدالله. وكلّف عون ابراهيم بإجراء الاتصالات اللازمة في هذا المجال. ورغم ما تقدّم، لا تزال مصادر معنية بالمفاوضات حريصة على عدم إبداء أي تفاؤل، ربطاً بالتسويف الذي مارسته السلطات الفرنسية أكثر من مرة سابقاً، خضوعاً للضغوط الأميركية التي كانت تمنع تحرير الأسير اللبناني.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.