بيروت.. والزمن الجميل

فيصل طالب (*)

قال نزار قباني يوماً: "أبكي دائماً حين تختلط حدودي بحدود الناس، فلا أكاد أعرف من منّا الشاعر، ومن منّا المستمع. أبكي حين يصبح الناس جزءاً من صوتي… وأبكي لأنّ مدينة عربية على الأقل لا تزال بخير… مدينة كشجرة التين تفتح ذراعيها لأفواج العصافير…".

تلك هي بيروت لؤلؤة الشرق وجوهرته، وهو ذا الكبير نزار قباني الذي لم يجد لبيروت بديلاً كما يقول، تُردّد رجْعَ صوته جدران "الأسمبلي هول" في الجامعة الأميركية، وهو يخاطب الوجدان، ويحاكي فرح الناس وحزنهم، هدأتهم وقلقهم، واقعهم وحلمهم، حتى ليكاد نبض إبداعه أن يكون نبضهم، وصوته صوتهم، وقد انداح في أثير الزمان، راسماً خطوط الحياة المتماوجة مع المشاعر والرؤى!

تلك هي بيروت التي زارها الحبّ مرّةً ثمّ أضاع طريق العودة منها. بيروت الحرية التي ما فتئت في الذاكرة والوجدان تفتح ذراعيها للحياة وعشّاقها، وترقب مواكب المبدعين لتقدّم إليهم قوارير العطر وأطواق الياسمين، كما ترقب الحبيبة فارس أحلامها يأتي إليها على صهوة الشوق والحنين!

ذاك هو الزمن الرومانسي الذي ما يزال يلفح نسيمه وجوهنا التي كوتها ألسنة الهجير، وما فتئت وروده تنبت في مسالك الوعر، وما برح طيفه يدغدغ شغفنا المتجدد بالحياة، كما يدغدغ الحب شغف العاشقين بفرح اللقاء، وقد شفّهم الوجد وأضناهم الجوى!

هو الزمن الجميل، وقد تقلّد أوسمة الإبداع شعراً ولحناً وصوتاً وأداءً وفنّاً ومسرحاً وصحافة وأحلاماً والتزاماً بقضايا تتراقص في تردّدات الزمن المفتوح على النقاء والرسوخ والتجذّر، وتحرّضنا على مقاومة العبث والتردّي.

هو الزمن الجميل بحق، نحنّ إليه ونستشعره اليوم أكثر جمالاً كلّما أرخى علينا سدولَه ليلُ الهموم ليبتلي… ولا يسعفنا في هذا السبيل غير اشتعال الحنين، واستحضار قيم الإبداع والأصالة والرفعة والجدّة، الى عالم صار الاستهلاك أسمى ما فيه من قيم لبست لبوس الضحالة والخفّة والعبث!

في ذاك الزمان وُلِدتْ كلمات مؤسِّسة توسّدت الرؤى تطلّعاً، والإنسان غاية، والحوار منطلقاً للتثاقف والاغتناء. كلمات انداحت تردّداتها في الزمان، ما نزال نستلهم منها لمشهدية الحضور الحيّ، مدَدَ العفوية والبراءة والصدق ورفعة الأداء.

في ذاك الزمان كانت الصحف والمجلات التي تخرج من مطابع المدينة في هزيع الليل الأخير خبزاً يوميّاً يسبق خبز الفطور ويتقدّم عليه، ويسارع القرّاء إلى تلقّفه مع الخيوط الأولى لإشراقة الشمس، من واجهات المكتبات وأكشاك الأرصفة، وقد اصطفّت جنباً إلى جنب "النهار" و"السفير" و"الأنوار" و"الحوادث" و"الشبكة" و"la revue du Liban" و"l’orient" و"لسان الحال" و"الحياة" وغيرها، وهي تتبارى في عرض مانشيتاتها وافتتاحياتها… كان ذلك يوم كانت بيروت منارة هذا الشرق، فكانت مطبعته التي ترصف حروف الإبداع على قرطاسها، وصوته الباحث عن صداه في برّية الوجود الحيّ، ونبضه الذي يبقيه على قيد الأمل، وفضاءه الذي تختال الحرية فيه ضاحكة زاهية، وقبل أن يأتي زمان تتراجع فيه القراءة الورقية، فتُقفل جرائد وتصمت مطابع تاركةً وراءها حزناً وأسىً ولوعة!

في ذاك الزمان كان للمقهى رائحة أخرى، وللقهوة طعم آخر، وللكرسي والطاولة وظيفة أخرى. وكان للجلساء النخبويين، من شعراء وكتّاب ونقّاد وروائيين ومسرحيين وفنّانين وإعلاميين، لبنانيين وعرب، صولات وجولات في ميادين البحث عن غد أفضل؛ عندما كانوا يحوّلون المكان إلى منتدى سياسي أو ثقافي يحتضن الأحلام والرؤى الباحثة عن سبل للخلاص العام في لبنان والعالم العربي. في مقاهي "الهورس شو" و"الويمبي" و"المودكا" و"الكافي دو باري" و"الإلدورادو" و"الإكسبرس" وغيرها، وُلدت قصائد ومسرحيات وتيارات أدبية ومدارس شعرية. وحول طاولاتها تحلّق كبار مثل يوسف الخال وفؤاد رفقة وأدونيس وبدر شاكر السيّاب ومحمد الماغوط وريمون جباره وأنسي الحاج وغادة السمان وشوقي أبو شقرا وروجيه عسّاف وبلند الحيدري ومحمد الفيتوري وغيرهم. وعلى رصيف "الهورس شو" تحديداً لم تتردّد نضال الأشقر في مطلع السبعينيات، في عرض مسرحيّة "مجدليون"، عندما صدر الأمر بمنع عرضها في الصالات. من هذه الأماكن وغيرها (مطعم فيصل) انطلقت موجة الحداثة الشعرية، وتأسّست مجلة "شعر"، ودخل المشهد الأدبي في مسار حركة ريادية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأدب العربي. والمفجع في الأمر أنّ هذه الأماكن نفسها عادت وشهدت مع اندلاع الحرب الأهلية مأتم السقوط المريع لحركة النهوض الكبير للبنان آنذاك، والتي كانت تؤسّس ليكون البلد قاطرة لحركة نهضوية عربية شاملة. لذلك يمكن القول إن المقهى البيروتي في منطقة الحمرا في ذاك الزمان لم يكن إذاً بحجم مدينة فقط، بل كان روح هذه المدينة، وسمتها الغامرة، وعلامتها الفارقة، ومكمن حيويتها وتوثّبها الآسر، واندفاعها في طريق الازدهار والترقّي!

تُرى هل يكون العيش اسماً على مسمّى إذا لم نتوسّد عميق الإحساس بالهمّ العام، وننشغل بشؤونه وشجونه، ولم نشعل شمعات يجرح ضوءُها عتمةَ الأزمات والانكسارات، بدلاً من تنفّس الوجوم وإدمان التسليم بالبقاء في أقبية الجمود والانتظار الطويل؟!

تُرى أليس قدر أهل النخبة أن يعبروا الجسور المعلّقة بين الصمت والصهيل، وأن يسرجوا خيلهم المتحمحم في مفازات البحث عن طيف الترياق المداوي لجرح الاغتراب، ويَدَعوا الأحلام تتمرّس بالتمرّد على الضمور والانكفاء، ويثابروا على صيد الضوء وإحياء بقايا الأنهر وأطلال السواقي بمعين البقاء في متون الأمل، وعدم الانسحاب إلى هوامش اليأس والقنوط؟!

تُرى هل مازالت الدنيا بعدك يا بيروت لا تكفينا؟ هل استعدتِ خاتمك السحريّ وأساورك المشغولة بالياقوت؟ هل ما زلتِ زنبقة البلدان ووردتها الجوريّة، ولو ارتحل عنك من توّجك ست الدنيا؟

بيروت لستِ في حاجة لأن تكوني جميلة في الزمان، لأنّ الزمان يصير فيك جميلاً!


(*) المدير العام السابق للشؤون الثقافية
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.