"جينات" الإنتماء اللبناني.. والإنتماء العربي والأممي

ريمون ميشال هنود

قال وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل، خلال مؤتمر الطاقة الاغترابية الذي انعقد في بيروت: "لقد كرّسنا مفهومًا لانتمائنا اللبناني، وهو فوق أي انتماء آخر، وقلنا إنه جيني، وهو التفسير الوحيد لتشابهنا وتمايزنا معًا".

بادئ ذي بدء، ووفقًا لطبيعة النظام الديمقراطي الذي يتصف به الدستور اللبناني، لزامًا عليّ أن أحترم بشدّة رأي الوزير باسيل. لكن وبما أن دستورنا ينصّ أيضًا على إبداء حرية الرأي بعيدًا عن كل اشكال التجريح وعبارات الاستفزاز، على أن يكون رأيًا مقنعًا محصنًا بسلاح الأدلة، والقرائن، والبراهين الدامغة، أجيز لنفسي القول إنّ انتماء الوزير باسيل، لا يشمل فئات واسعة من شرائح المجتمع العربي اللبناني، المقيم والمغترب، فضلًا عن أن عبارة "لقد كرّسنا مفهومًا لانتمائنا اللبناني" تنبع من منطقٍ تعميمي، وأنا العالم بأنّ انتماء الوزير باسيل بدأ مع مجموعة الفينيقيين الجدد ابان الاحتلال الفرنسي للبنان. لكن ما يثير عجبي أنه رغم علمه بأن الانتماء اللبناني مرتبط عضويًا بالإنتماء العربي، على أساس أن وطن الأرز لبنان، هو عضو مؤسس في جامعة الدول العربية، أصرّ الوزير باسيل خلال المؤتمر الاغترابي على أن الانتماء اللبناني هو فوق أي انتماء آخر. وعلاوة على ذلك فإنه خير من يعلم بوجود عدّة أحزاب في لبنان تؤمن بالقومية العربية وبالماركسية والأممية وبالقومية السورية وتعتبر أن السياسة اللبنانية يجب عليها أن تقبع تحت سقف وضمن كنف تلك الأيديولوجيات.

على سبيل المثال لا الحصر، فإن اللبنانيين في "الحزب الشيوعي اللبناني"، وأنا فردٌ منهم، ينشدون نشيد الحزب القائل، "نحنا بيرق جامع كل الشعوب، شرقية غربية شمال وجنوب، مش رح نبقى عبيد النا مية هوية بوحّدنا النشيد وبتجمعنا التحية"، وينشدون في الوقت عينه النشيد الوطني اللبناني. وأنا شخصيًا أنشد أيضًا النشيد العربي السوري "حماة الديار عليكم سلام"، لأنهم جيش الدفاع الأول عن العرب وعن دمشق قلب العروبة النابض كما قال عنها الرئيس جمال عبد الناصر. ومناصرو تيار "المردة" الذين يعشقون فارس الموارنة العربي، المغفور له الرئيس سليمان فرنجية الذي قال في العام 1977"إنّ تعاملنا مع إسرائيل سيجعلنا نخسر الدنيا والآخرة"، فهو تيار لبناني، انتماؤه لبناني وعربي، ويحب إنتماءيه بنفس الدرجة. ومناصرو "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، فعندما يلتقي فردٌ منهم بالآخر يبادره الأول بالقول "تحيا سوريا" فيجيبه رفيقه بالمثل، ولبنان بالنسبة إليهم هو بلدٌ يقبع ضمن الهلال الخصيب. أما "حزب الله" فهو حزب عربي مقاوم، وإيران توجد فيها أهمّ مرجعياته الدينية، كما أن الفاتيكان هو مرجعية الكاثوليك في العالم.

أما الأحزاب الناصرية في لبنان، فإن ولاءها لقوميتها العربية يفوق كلّ إعتبار، كذلك الأمر بالنسبة لحزب "البعث العربي الاشتراكي" فرع لبنان. وحريٌّ بي ألّا أنسى ذكر موحّد الجيش الوطني اللبناني على أساس العداء لإسرائيل فقط، فخامة المقاوم الأول العماد إميل جميل لحود، ويستحق أن نذكره لأنه قائدٌ عربي لبناني علماني بامتياز.

وللمزيد من المعلومات، أحيلكم يا معالي الوزير الى أقوالٍ لمعظم الشعراء المسيحيين في لبنان، وبنوع خاص للشعراء الموارنة. فمارون عبّود إبن بلدة عين كفاع الجبيلية، ونظرًا لإعجابه بالذكاء الحاد للنبي العربي الكريم محمّد، سمّى ابنه البكر محمد ونظّم له قصيدة يوم مولده تقول "عشت يا ابني عشت يا خير صبيّ ولدته أمه في رجب، فهتفنا واسمه محمّد أيها التاريخ لا تستغرب، أمّه ما ولدته مسلمًا أو مسيحيًا إنما عربيّ"، أي ان جنسيته عربية ومذهبه عربيّ. أما الياس أبو شبكة، ابن بلدة زوق مكايل الكسروانية، فقد ثمل بحبه لانتمائه الأممي الإشتراكي، عندما هدر صوته في ذكرى ثورة أكتوبر عام 1944 في قاعة سينما "روكسي" قائلاً عنها "بطولة حارت الدنيا بروعتها، أسكرةٌ هي من النيران أم شبق؟ لينين أحلامك الغرّاء قد صدقت، فانفض ترابك يكفي ذلك الغرق" (مجلة الطريق العدد 15).

ولا يمكن يا معالي الوزير أن يقبل جبران خليل جبران بفصل انتمائه الأممي عن إنتمائه العربي واللبناني، عندما قال "الأرض كلها وطني والعائلة البشرية عشيرتي"، وعندما قال في رسالةٍ الى ماري هاسكل غداة انتصار الثورة البولشيفية عام 1917 "اليوم يوم البداية، وزمن القياصرة لن يعود الى الظهور". أما أمين الريحاني، ابن بلدة الفريكة المتنية، ولأنه رفض إتفاقية سايكس بيكو، رفض فصل انتمائه السوري عن انتمائه اللبناني، واعتبره وبقي يعتبره انتماءً واحدًا، عندما قال في مقالته "التطوّر والاستقلال" (كتاب القوميات صفحة 5، الجزء الثاني) "أنا سوري أولًا ولبناني ثانيًا وماروني بعد ذلك. أنا سوري أنشد الوحدة السوريّة، الجغرافيّة والسياسيّة. أنا سوريّ أولًا أفتخر ببطولة المردة، كما أنني أفتخر بصدر الإسلام وبمجد بنيّ أميّة. أنا سوري لبناني، أعتقد بفصل الدين عن السياسة لأنني مدرك أن حجر العثرة أمام الوحدة القومية إنما هو التعصّب الديني".

وبالمناسبة، وللتذكير فقط، أقول لكل من يتباهى بالمرحوم الشاعر سعيد عقل جرّاء كتابته أغنية "غنيت مكّة أهلها الطيبَ" التي غنتها السيدة فيروز، بأن الشاعر عقل عاد وقال في العام 1995 في برنامج حوار العمر التي أعدته وقدمته حينها الإعلامية جيزيل خوري، "إذا قال لي الفلسطيني والسوري والعراقي نحن عرب، أقول لهم أنتم على حق، أما إذا قال لي لبناني أنا عربيّ، فعندها أمصع رقبته"!

من هنا، فإن نسبة لا يستهان بها من اللبنانيين لا تؤيد معتقد الوزير باسيل بتاتًا، لذا كان المطلوب من معاليه تقصّي الحقائق من ينابيعها الأصلية، لأن ذلك ضروري دومًا قبل إعلان النتائج النهائية لإنتماءات اللبنانيين السياسية.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.