ماذا يحصل في لبنان.. والمشرق العربي؟

الياس عقل خليل

توصلت الصهيونية إلى شق صف العروبي، بعملية ماهرة، سياسية وقائية متعددة النتائج. فقد أصابت بمصالحة مصر وحدها، وبإجراء المصالحات الحتميّة الأخرى، تضامن الدول التي ما تزال متجمعة في القومية العربية، وهي كانت قد أسّست أصلاً، وبالواسطة البريطانية، لضمان إستمرارية الإشراف على دول المنطقة، مجتمعة، بعد استقلالها وتبعثرها في أنظمة وقوميّات وعقائد متباعدة.

وأهم من ذلك كلّه، أخرجت مصر الفرعونية، بموافقتها، في المنطقة السامية الأصلية. لأنّ هذه المنطقة التاريخية بالذات، وهي الشرق الأدنى، أي المشرق السامي دون ملحقاته الأفريقية الإسلامية، هي التي تهم المستقبل اليهودي، فهي الغاية والهدف والمستقبل.

ولكن السلم الحقيقي في هذا المشرق السامي، وهو المدخل الحقيقي لطموحات التفوّق اليهودي المعاصر، لا يمكن إحلاله على أرضية متفجرة كمثل أرضية الخريطة السياسية الحالية. وهي خريطة الاستعمار البريطاني ـ توأم الدهاء الصهيوني.

لذا كان ضرورياً، وقبل أية إجراءات صلحية إضافية، المبادرة إلى تصحيح هذه الخريطة، ولو بالألم، بحيث تستقر شعوبها المشرقية، وأديانها المشروعة وحضارتها الأصلية، وهي في أكثرها مصنعة الحقوق، أو مجرحة الهويات، أو مشوهة التاريخ.

فالسلم العادل والشامل والدائم لا يعني إذن المشكلة الإسرائيلية ـ الفلسطينية وحدها، مثلما تعودت الأذهان أن تعتقد. إنه يعني كذلك، جميع المشكلات العميقة التاريخية التي تحز في جسم هذا المشرق السامي بأكمله، وتمنع عنه أي استقرار ممكن، لأنها المشاكل التي تطرحها أو تفجرها حقوق الشعوب الأصلية المحرومة في أوطانها، أو المحرومة في هذه الأوطان، وحقوق الأقليات الضائعة أو حقوق الأكثريات المقهورة بأقليات متسلّطة. ولأنه يتوجب، قبل مصالحة العرب والسوريين حول الدولة الفلسطينية المقبلة، تحريك الآلة الفاعلة في المنطقة، وهي متعددة الرؤوس والهويات والأساليب لإجراء التصحيحات الضرورية التي توجبها العدالة السامية المستعادة بين أفراد العائلة السامية المتخاصمة، والتي يوجبها كذلك منطق السلم العادل والشامل والدائم، وهو مثلما صرنا نعرف غير منطق السلم العسكري السلبي.

لذا أيضاً، أرجئ الحل الفلسطيني ـ الأردني ـ السوري إلى ما بعد المصالحة التاريخية بين اليهودية الإسرائيلية والفرعونية المصرية. وهنا تشترط التكاملية الفكرية، لكي تنقشع غوامضها، العودة التحليلية إلى الحدود ـ المفاهيم الثلاثة التي ترسم السلم المشرقي المتوقع، فهي العدل والشمول والديمومة. وهي، بالحق، شروط حتمية لكل سلام يطمح لأن يكون تطوّرياً خلاقاً فاعلاً في العالم، وليس مجرد إنهاء لنزاع أو لعداء ظرفي. لكي يتحقق هذا السلام في المشرق السامي بالفعل، لا بدّ من مبادرة إنقلابية شاملة لتصحيح الخريطة السياسية الحالية التي سيّدت الأنظمة والسلالات الدخلية أو الغريبة على شرعية الشعوب التاريخية الأصلية. أما تصحيح هذه الخريطة الموجعة، فيحتّم إعطاء كل شعب ديني ـ حضاري حقّه في سيادته على أرضه التاريخية. فلا يعود المسلم السنّي يحكم في العراق الأكثرية الشيعية المسحوقة، ولا يعود العلوي يحكم الأكثرية الإسلامية السنيّة في سوريا، ولا يعود لبنان مجموعة نيّات وشكوك، فيستعيد مسبباته الوجودية الأولى، ويتصحّح في مفهوم لبنان ـ الوطن بحيث يصبح فعلاً وطن الأقليات المشرقية الحقيقية المحتاجة إلى وطن إستقلالي وليس موطناً لأقليات الشرق المسيحية المتناحرة وحدها، بحيث ينتزع المؤسسان الدرزي والماروني، المبادرة المشتركة في تصميم الوطن المستقبلي الذي لا يخوّفه أي دخيل عددي. وكذلك يحتّم تصحيح الخريطة الحالية المأساوية للمشرق السامي، تغيير الأنظمة الحاكمة وتوحيد نوعيتها. وهي كانت وليدة مزاجيات المصالح الفردية التي تلاعبت في إقامتها ونوعيتها، بمنطقية مذهلة بين الملكية والأميرية والمشيخة والجمهورية، وفي ما بعد العسكريتارية، وهي كلها أنظمة تخاف السلم المقبل وتخشاه وتعمل سراً على إبعاده، لأنها تسقط نهائياً بحلوله. وهي كلها تتلاقى في مصالحها العميقة مع النظام الصهيوني في إسرائيل اليوم. لأن الصهيونية في الدولة العبرية، هي أيضاً تخشى السلم السامي المقبل، وتخافه وتعمل على إبعاده لأنها تسقط نهائياً بحلوله.

إنّ منطق السلم هذا يشترط إذن قيام أوطان تمثل حقيقة الشعوب الأصلية وحقوقها، وتشمل جميع دول المشرق السامي، وتتواحد أنظمتها المستقلة في نوعية ديموقراطية متجانسة جديدة بالتعايش البنّاء، وتكون هي ضمانة الديمومة والإرتقاء لأنها قائمة على العدل والشمول.

لأنّ خطة السلم السامي لا بدّ وأن تبلغ إنجازها الذاتي، ولأن هذا السلم السامي هو الحتم الأوحد الذي تواجهه السامية اليهودية في آخر معاقلها الأميركية وتواجهه، كذلك السامية المسيحية في عهد المواجهة المرتقبة بين الكنائس المشرقية والكاثوليكية الرومانية المهيمنة. ويواجه الإسلام السامي أمام طلوع الثأر الفارسي، وهو العريق بشعوبيته وبإسلاميته، الآخرين.

السلم السامي مدخل إلى تواحدية تجدد في المفاهيم السياسية والاجتماعية والقومية، وتؤلف بين الشعوب السامية الآمنة في أوطانها الحضارية المتعددة على الأرض السامية المتجددة.
ولا حدود لما يمكن أن ينتج عن هذه القيامة السامية من ورشة عظيمة، لأن البناء يطمح إلى إقامة عصر المشرق المتجدّد. ولأن المساحة الأرضية الجغرافية مليئة بالثروة وبالطاقة وبالإنسان، ولأن المصالحة التاريخية تولّد منطقاً جديداً للمصالح المشتركة، ولأنّ الفاعليات اليهودية في عالم الغرب سوف تتولى هي التصميم والتنفيذ، وتضمن النجاح لأنها قادرة عليه. وحين يتذكر الإدراك الواقعي بأن الولايات المتحدة الأميركية في كل ما تمثّله من تفوّق وقوة، لا يعود هناك أية مجازفة في التأكيد بأنه في سرعة اليوم، لن يسلتزم قيام "الولايات المتحدة السامية" كأعظم قوة في العالم المتجدد أكثر من خمسين عاماً.

وتقوم الإتحادية السامية المقبلة على ركام الغرب الأسطوري بكل عوالمه المتخاصمة. وأما الآن فيلوح في المستقبل مارد جذوري آت إلى الأرض القديمة، حيث الجذور القديمة ومن إرادته القادرة طموح إلى البناء الشامخ.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.