هل كان العفو العام "شهيد" ليلة الفطر؟

هذه هي صيغة مشروع قانون العفو العام

/ سماح عبيد /

كان ضجيج حركة الأسواق مرتفعاً، وكانت التكبيرات تصدح في المساجد والشوارع… إنها ليلة عيد الفطر التي انتظرتها أسواق طرابلس بفارغ الصبر لعلّها تعوّض خسائر متراكمة وتستدرك إفلاسها.

أزيز الرصاص لم يسمعه إلا من كان في دائرة ضيقة، عندما قرّر عبد الرحمن مبسوط تنفيذ عمليته التي ذهب ضحيتها 4 شهداء من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي كانوا يحرسون أمن طرابلس ويحفظون أمانها.

صالت وجالت محطات التلفزيون في نقل الحدث، واستفاضت في التكهّن، وانزلقت باعتمادها على أخبار الـ"واتس آب" والـ"فايسبوك" و"تويتر"… فوقعت في المحظور المهني، وتورّطت في الإيحاء بأن "داعش" تنفّذ انقلاباً في طرابلس، وأن مجموعات عديدة تقوم بالهجوم على المراكز الأمنية، وأن مجموعة عبد الرحمن مبسوط هي من 9 مسلحين، بل وأكثر، وهم يرتدون أحزمة ناسفة، وتسللوا إلى المؤسسات التجارية والأبنية والشوارع…

بسرعة قياسية، أقفلت الأسواق أبوابها، وغادرها الناس على عجل خوفاً من "اجتياح" تنظيم "داعش" لمدينة طرابلس.

انتهت عملية عبد الرحمن مبسوط بمقتله، وتبيّن أنه كان وحيداً، وأنه لا يرتدي حزاماً ناسفاً… لكن طرابلس دفعت الثمن مجدداً.

أسئلة كثيرة طرحت حول التوقيت، والخلفيات، والدوافع، والجهة أو الجهات التي تقف خلف ما حصل… لكن الأجوبة قد تكون قتلت مع منفّذ العملية، وما بقي من استنتاجات خاضع للتأويل والاجتهاد والخيال والتصديق والنفي.

في المحصّلة، كانت طرابلس المستهدف الأول من جريمة عبد الرحمن مبسوط، فسقط للفيحاء 4 شهداء، هم أيضاً شهداء الأمان الذي كانوا يؤمنون حمايته، وكانوا آمنين بين أهلهم في طرابلس والشمال.

بعد أسبوع من جريمة طرابلس، اندلعت معارك شرسة في بعلبك بين مسلّحين وبين الجيش اللبناني. المفارقة أن وسائل الإعلام لم تفتح الهواء لنقل وقائع تلك المعارك التي استمرت ساعات، وشهدت اعتداءات على الجيش اللبناني!

ليست هذه المقارنة من أجل النكد، ولكن فيها بعض الغيرة الحسد، لأنه بالنسبة لوسائل الإعلام يبدو أن هناك "حوادث بسمنة وحوادث بزيت"!

لكل منطقة يحصل فيها حادث أو أحداث، هناك "أسباب تخفيفية"! أما بالنسبة إلى طرابلس، فإن التهمة جاهزة مسبقاً بـ"الإرهاب"، مع أن أبناء طرابلس والشمال انتصروا دائماً للجيش ووقفوا إلى جانبه في كل الأحداث التي حصلت من بعض المجموعات المسلّحة، سواء كانت من "داعش" أو من غيرها، وليلة العيد وقف الناس إلى جانب الجيش وقوى الأمن، كالعادة، ضد كل من يعبث بالأمن أو يعتدي على القوى الأمنية.

في مطلق الأحوال، كانت طرابلس مجدداً ضحية: ضحية عبد الرحمن مبسوط، وضحية الإعلام، وضحية التهم المسبقة، وضحية القوى السياسية التي سارعت إلى إطلاق المواقف التي تريد منها زيادة شعبيتها، ولو على حساب الاستقرار الوطني.

لا يملك أحد تفسيراً لتوقيت عملية المبسوط، سوى تلك الدوافع الظاهرة. كما لا يملك أحد تفسيراً لتنقّل الأحداث من منطقة إلى أخرى، وبأشكال مختلفة وأطراف متنوعة ونتائج متعددة.

هل لهذه الأحداث علاقة ببدء الموسم السياحي الذي ينتظره لبنان؟ أم لها علاقة بالحملة التي تعرّض لها الجيش اللبناني والحملة التي تعرّضت لها قوى الأمن الداخلي؟ أم لإشغال اللبنانيين بالهاجس الأمني عن مشروع الموازنة وما تحتويه من إجراءات مالية قاسية على فئات واسعة من اللبنانيين؟ أم هي مرتبطة بالتدبير رقم 3؟ أم أنها تتعلّق حصراً باقتراب طرح ملف العفو العام على طاولة الحكومة للبتّ به؟

ربما يكون الارتباط بواحد من هذه الأسباب، أو بأكثرها!

للوهلة الأولى، بدا أن "جثّة" العفو العام ممدّدة على الأرض إلى جانب شهداء الجيش وقوى الأمن ليلة عيد الفطر. ثم شوهدت "جثّة" ثانية العفو العام ممدّدة في بعلبك بعد أسبوع. وربما ستكون هناك "جثّة" ثالثة للعفو العام في منطقة أخرى!

وللتذكير، فإنه كان هناك إصرار على أن اعتماد "المثالثة" في مشروع العفو العام:

ـ السجناء الإسلاميون.

ـ السجناء والملاحقون بملف المخدرات.

ـ الفارون من لبنان إلى إسرائيل.

حتى اليوم سقطت جثّتان، من "العفو المثلّث"، بينما "الثلث الثالث" معقّد وما يزال خارج حسابات العديد من القوى السياسية، وخصوصاً بالنسبة إلى "حزب الله".

لكن ملف العفو العام بند منصوص عنه في البيان الوزاري للحكومة، وهو ما تنبّهت إليه كتلة نواب "المستقبل"، وأكدت الفصل بين الأحداث التي حصلت وبين مشروع قانون العفو العام، وهو ما أعاد تأكيده رئيس الحكومة سعد الحريري بنفسه. مع ذلك، لا تبدو الوقائع مشجّعة بأن هذا الملف سيجد طريقه قريباً إلى طاولة الحكومة.

 أهالي السجناء الإسلاميين

كيف ينظر أهالي السجناء والموقوفين الإسلاميين إلى ما حصل في طرابلس، وتأثيره على العفو العام؟

تقول والدة أحد الموقوفين الاسلاميين: "نحن كأهالي الاسلاميين استنكرنا ما حدث، فالإسلاميون ليسوا كذلك. المبسوط كان هدفه واضح وهو الاطاحة بالعفو العام، وكل الادلة حتى الآن تشير الى ذلك، ولذلك فنحن أكبر المتضررين من فعلته".

تضيف: "كنا نريد النزول إلى الشارع لتنفيذ وقفة تضامنية مع الجيش، لكننا خفنا من ردات الفعل المعاكسة، لأنه بسبب بعض العمليات الفردية المتطرفة ضد الجيش اللبناني لم يكن هناك فصل في الاعلام بين الاسلاميين وبين من يكفّر الجيش اللبناني ويعتدي عليه، فتم بناء صورة عند الرأي العام بأننا والارهاب واحد. الإرهاب لا يقتصر على من يهاجم الجيش بخلفية متطرفة، بل أيضا لأسباب أخرى، ونحن نستغرب من الإعلام عدم الإضاءة على ما حدث مثلاً في البقاع من اعتداء على الجيش اللبناني من قبل تجار المخدرات. لماذا لا تتم تسميتهم بالإرهاب؟".

صبلوح: الى متى سنعالج الخطأ بجريمة؟!

أما محامي السجناء الإسلاميين محمد صبلوح فيؤكد أنه "بحسب المعطيات، ثبتت أنها جريمة فردية افتعلها عبد الرحمن المبسوط نتيجة وجود سجل عدلي عليه لانتمائه لمجموعة ارهابية وبشهادة اللواء عماد عثمان. هو يعاني من اضطرابات نفسية، وزملاؤه في السجن ومكان عمله في رش المبيدات في الفيحاء يقولون إنه كان يتعمد تشطيب نفسه في حال عدم اعطاءه سلفة مادية. ومؤخراً عند تقدمه لوظيفة في المرفأ ورفضه بسبب سجله العدلي حصل خلاف مع المرفأ أدى الى توقيفه أربعة أيام. وإذا أردنا دراستها من حيث أن ما فعله كان تحت الظروف الصعبة التي مر بها، فعلينا إذاً تحكيم عقلنا ومعالجة ما حصل بعيداً عن الطريقة التي تنادي فيها الأبواق المأجورة، إذ يجب الاطلاع على الأخطاء التي ارتكبت لأن استمرارها سيؤدي الى ما يحمد عقباه مستقبلاً. فإذا بقي الوضع على حاله من تعذيب الموقوفين في السجن وأثناء التحقيق، بالإضافة الى الأحكام القاسية من دون أدلة، لن نصل الى عبد الرحمن مبسوط واحد، بل سنصل الى مئات عبد الرحمن في المستقبل، ولو حتى تم حكمهم 10 سنين فالمصيبة واقعة. وأنا برأيي أن جريمة المبسوط تستأهل منا إعادة النظر بحساباتنا وبعمل الاجهزة الامنية والمحكمة العسكرية، وان العفو العام هو عامل ايجابي من شأنه طي صفحة الماضي واخراج الشباب من عقلية عبد الرحمن المبسوط".

وعما إذا كان ممكناً فصل الاسلاميين عن العفو العام، قال صبلوح: "لا أعتقد أن الرأي العام اللبناني ولا القيادات السنية ستتقبّلها، إذ انه ليس من المنطق العفو عن 48 ألف مذكرة توقيف معظمهم شيعية وستة آلاف متهم بالعمالة لإسرائيل يعتبرون أكثر خطورة من الموقوفين الإسلاميين. هناك المئات من الاسلاميين الذين خرجوا من السجن. لماذا لم يتصرفوا مثلما تصرف المبسوط؟ على العكس، هؤلاء انخرطوا في المجتمع، وهذا ما يؤكد ان عبد الرحمن مبسوط كان يعاني من اضطرابات نفسية. واللافت أن المبسوط لم يخرج البارحة، بل في أواخر كانون الاول 2016. لماذا لم يرتكب جريمته من قبل؟ لأننا قمنا بإعطائه سجلاً عدلياً بأنه مجرم، في الوقت الذي يوجد فيه العديد من العناصر من حزب الله التي تذهب للقتال في سوريا وتعود وسجلاتهم نظيفة دون توجيه الاسئلة لهم. كل هذه التصرفات توصل شبابنا الى التهور".

أضاف صبلوح: "لبنان 6 و6 مكرر. لن يمر عفو عام يشمل الشيعة والمسيحيين ويستثني السنة في لبنان، وهذا لا يتقبله أحد، وأعتقد ان رئيس الحكومة لن يوقع على عفو عام مصاغ بهذه الطريقة. وصيغة العفو التي وضعناها مع الرئيس سعد الحريري مدروسة بدقة، وهي تعالج وتراعي جميع الهواجس. وبالطبع لا تنادي بالعفو عن الذين قتلوا الجيش قتلاً مباشراً ولا أحد يطالب بذلك. مشروع العفو الذي قمنا بصياغته حدد أسلوب التعاطي مع الظلم الذي لحق بالإسلاميين. مثلاً، عند اتهام عشرة أشخاص بالتعدي على الجيش كانت الدولة توقف بحدود الأربعمائة شخص. من هنا، وللأسف، لم تعد لدينا القدرة على التمييز، خصوصاً أن المحكمة تحكم من دون دليل. لذا نحن أمام مشكلة، وفي نظري أن مشروع العفو العام الذي درسناه مع الرئيس الحريري هو الوحيد الذي يستطيع إخراج البلد من الأزمة إلى مصالحة وطنية حقيقية. طبعاً، أي دعوى فيها إدعاء شخصي لن يشملها العفو إلا بإسقاط حق المدعي الشخصي".

وتابع صبلوح: "لن ننسى ملف عبرا والظلم الذي لحق بالشباب نتيجة غض نظر المحكمة عن وجود طرف ثالث شارك في المعركة. تراكم هذه التصرفات من الأجهزة الأمنية والمحكمة أوصلنا إلى طريق مسدود يحتاج حكمة في معالجته".

أما في بالنسبة للمعلومات الاولية حول التحقيقات بقضية المبسوط، يرى صبلوح أنه "حتى الآن، وحسب معلوماتي، فإن الرجل يعاني من اضطرابات نفسية. وعند اخراجه من السجن عاش حياته الطبيعية حتى سدّت الأبواب في وجهه نتيجة سجله العدلي بسبب كلمة إرهاب. ومنذ شهرين تقدّم لوظيفة وتم رفضه بسبب سجله. أعتقد انه لا يوجد إنسان يريد القيام بعملية إرهابية ويذهب للتقدّم إلى وظيفة للعمل".

ويكشف صبلوح أنه "تم توقيف اربعين شخصاً حتى الآن، أغلبهم، إذا ما كانوا جميعاً، ليس لهم علاقة بما حصل. لا يجب علينا معالجة الظلم بالظلم، من توقيف همجي وتحقيق، وتشريد الاهالي دون معرفة مصير أبنائهم. نستغرب كيف أن ملف تفجير مسجدي التقوى والسلام لم يتم توقيف الا شخص واحد، بالمقابل نجد انه في حادثة المبسوط تم توقيف احد الاشخاص لمدة اسبوع بسبب لأنه تحدث مع عبد الرحمن لشراء عفش بيته الذي كان معروضاً للبيع على الفايسبوك. الى متى سنعالج الخطأ بجريمة؟! لا يمكن تشريد اربعين عائلة بسبب خطأ ارتكب. بعد التحقيق معهم يمكن تركهم على ذمة التحقيق ومنعهم من السفر. ليس من حقهم ابقائهم في السجن كل هذه المدة دون دليل ملموس".

ويقول صبلوح إنه "حتى الآن تفيد التحقيقات انها عملية فردية، خاصة أن زوجته قامت بإبلاغ الأجهزة الأمنية مسبقاً. وهنا السؤال كيف يمكن لشخص حمل أسلحته والتجول بها وأن يرمي القنابل والتعدي بعدها على الأجهزة الامنية بمحطات متتالية؟! من هنا يجب معاقبة المقصرين من الاجهزة الأمنية ليلة العيد التي تركت طرابلس للفلتان الأمني ولجريمة مدتها ساعة كاملة!".


ماذا يقول الإسلاميون في "المبنى ب" عن المبسوط؟

نفذ عبد الرحمن المبسوط جريمته بدم بارد متنقلاً في شوارع طرابلس. هو الذي شارك في المعارك ضد الجيش اللبناني في طرابلس سنة 2014 ضمن مجموعة أسامة منصور. وسجن نحو سنة ونصف في سجن رومية ـ مبنى "ب" مع الاسلاميين.

يدلي "زملاؤه" في السجن بالشهادات التالية حول سلوكه خلال تلك الفترة:

ـ كانت علاقته مع الدرك في سجن رومية جيدة. كان يمضي معهم وقتاً لا بأس به. لهذا استغربنا كثيراً تكفيره للقوى الامنية وقيامه بهذا الاعتداء عليهم وهو الذي كان على علاقة طيبة معهم داخل السجن.

ـ لطالما اختلف مع أغلب الإسلاميين، حتى انه وبسبب الخلافات كان يصل به الأمر الى النوم في حمام الجناح، ولم يثبت في غرفة واحدة لوقت طويل بسبب شجاراته الدائمة، حيث تنقل بين العديد من الغرف.

ـ قام عدة مرات بتشطيب نفسه امامنا، حتى أنه قام بذلك في المحكمة.

ـ لم تكن تصرفاته متوازنة ابداً. كنا متأكدين من وجود اضطرابات نفسية يعاني منها، خصوصاً في بعض التصرفات الغريبة لديه كتعلقه الشديد بالقطط التي كان يقوم بغسلها كل يوم بالماء وبحلب ذكورها.

ـ كان يقتل الذباب ويضعهم على نسيج العنكبوت حتى تأكلهم.


بري و"حزب الله".. مع العفو العام

لا يبدو أن "الثنائي الشيعي" تراجع عن تبنّي مشروع قانون العفو العام، على الرغم من الضجيج السياسي الذي أثير حول الموضوع بعد الاعتداء على الجيش وقوى الأمن في طرابلس. فرئيس المجلس النيابي نبيه بري وكذلك "حزب الله"، يريدان حلّ مشكلة نحو 35 ألف مذكرة توقيف بحق مواطنين من البقاع بتهم تتعلّق بالمخدرات أو بإطلاق نار.

لذلك، فإن الثنائي الشيعي" متمسّك بوضع قانون العفو العام على طاولة الحكومة، وإن كان يريد الانتظار قليلاً حتى تهدأ النفوس.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.