الحريري يُحبط منافسيه.. هل أرضى جمهوره؟

"الخرزة الزرقا" تعوّض "انكشاف" زعيم "المستقبل"!

/ خضر طالب /

عندما ذهب سعد الحريري وحيداً إلى التسوية الرئاسية، كان في اعتقاده أنه نجح في الحصول على حصرية القرار السياسي، داخل بيته السياسي وبيئته الشعبية، وأنه من خلال الصيغة الثنائية مع الرئيس ميشال عون وبالتنسيق مع جبران باسيل يستطيع "كسر شوكة" الثنائي الشيعي.

كان سعد الحريري يبلغ المقربين منه أنه نجح في إنجاز "صفقة القرن" السياسية بالنسبة له، خصوصاً أنه جاء من ينظّر له بأن هذه التسوية ستُنهي "الشيعية السياسية" التي تقبض على مفاصل البلد.

بعد ثلاث سنوات على تلك التسوية، وقف "شريكه" جبران باسيل ليتحدّث عن "السنية السياسية" و"المارونية السياسية"… لكن سعد الحريري غضب من هذه المقاربة، ربما لأن باسيل قلب الطاولة على حسابات الحريري الذي اكتشف أن تلك التسوية لم تحقّق له إنهاء "الشيعية السياسية" ولم تمنح "السنية السياسية" جرعة دعم، وإنما كانت كلها لصالح "المارونية السياسية".

إنكار هذا الواقع كان فرصة لمحاولة تحسين شروط التسوية الرئاسية بالنسبة للحريري، بعد أن قبض جبران باسيل على خناقها. لكن حسابات الحقل لا تطابق حسابات البيدر مع الحريري منذ إبرامه تلك التسوية التي خاصم فيها حلفاءه، من وليد جنبلاط إلى سمير جعجع… وابتعد فيها عن أصدقائه، من نبيه بري إلى سليمان فرنجية… وخالف فيها بيئته وتياره، من فؤاد السنيورة إلى نهاد المشنوق وأشرف ريفي…

كل يوم مرّ من تلك التسوية، كان يقضم من واقع سعد الحريري. أدرك جبران باسيل أن "سور" بيت الوسط متصدّع وأن "حاميته" لا تملك ذخيرة كافية للدفاع، ولذلك فإنها تتجنّب المواجهة، فبادر إلى عملية قضم ممنهجة كانت تدفع سعد الحريري إلى تنفيذ تراجع تكتيكي مع كل تقدّم من باسيل… حتى ضاق عليه الخناق.

هذا التوصيف قاله سعد الحريري في مؤتمره الصحافي، بلغة أخرى وصيغة أخرى، ونبرة عالية في الشكل، مهادنة في المضمون… لكن، ماذا كان يستطيع الحريري أن يفعل بمواجهة "منجنيق" باسل الذي يضرب أسواره بقوة وشراسة، بينما يجلس من دون مظلّة حماية داخلية أو خارجية؟!

حتى عندما استنجد بـ "منافسيه" من بيئته، تبيّن له أن من بينهم من بعث رسائل عن استعداده لـ "التعاون" إذا انتقلت "وثائق التسوية" إليه. في حين أن من هم من أهل بيته السياسي بدأوا يغرّدون بعيداً عنه لصياغة مشروعهم الذي يقف الحريري عائقاً أمامهم فيه.

قبل ساعات من مؤتمره الصحافي، أبلغ الحريري نواب "المستقبل" أن سقف مواقفه سيكون مرتفعاً. والواقع أن الذين صاغوا كلمة الحريري في المؤتمر الصحافي، محترفون. نجحوا في تقديم المواقف بنبرة عالية، لكن بمضمون منخفض يفتّش عن حل ويريد الحفاظ على التسوية الرئاسية بأي ثمن، حتى ولو كان بتعديل شروطها على حسابه.

المهم بالنسبة للحريري هو مؤتمر "سيدر"، ومشاريع "سيدر"، وأموال "سيدر"… حتى ولو كان الثمن منح جبران باسيل "وكالة عامة"!

هذا ما قاله أحد "الأركان" من الذين يعلنون دعمهم الحريري، ويحفرون له في السرّ.

منطقياً، ما هي أوراق القوة التي يملكها الحريري لفرض شروطه أو تحسينها في اللعبة الداخلية، أو حتى لحماية نفسه فيها؟

غامر الحريري بكل شيء في تلك التسوية، وقد ساهم عبرها بإخراج البلد من بقعة زيت الفراغ التي كانت تتمدّد في كل زوايا الدولة. لكن تلك المغامرة تركته وحيداً.

أين "درع" رئيس مجلس النواب نبيه بري من حماية الحريري؟

أين "سهام" وليد جنبلاط من الدفاع عن الحريري؟

أين "قوات" سمير جعجع من القتال إلى جانب الحريري؟

لكن الانكشاف الداخلي الذي جعل الحريري شبه وحيد بمواجهة من اختاره شريكاً على الآخرين، يبدو أقل وطأة أمام الانكشاف الخارجي. لم يعد السؤال عما إذا كان سعد الحريري ما زال "رجل السعودية" في لبنان… السؤال اليوم هو هل ما زال الحريري يحظى بمظلّة حماية سعودية؟

لا مؤشرات توحي بوجود هذه المظلة اليوم. فهل بات سعد الحريري مكشوفاً؟

ما حصل خلال عطلة عيد الفطر، خصوصاً من داخل تيار "المستقبل"، كشف أن هناك من التقط إشارات ما توحي بأن اللحظة مناسبة للإنقضاض على الحريري.

حركة النائب نهاد المشنوق بدت كأنها تمرّد لا يختلف كثيراً عن تمرّد أشرف ريفي سابقاً.

صحيح أن المشنوق لديه أسلوبه الخاص، وهو لم يقطع الطريق بينه وبين بيت الوسط حتى ولو تغيّرت معالم الطريق منذ آخر زيارة قام بها، لكنه في المقابل تعمّد الانطلاق من دار الفتوى لبدء تمرّده على الحريري، تماماً كما كان قلب الطاولة ضد الإنقلاب على الحريري في السعودية من دار الفتوى ايضاً.

أما الشركاء ـ المنافسين للحريري، من رؤساء الحكومات السابقين ومن غيرهم، فلكل منهم حساباته. بعضهم يقول عن الحريري في مجالسه ما لا يجرؤ على قوله أعتى خصومه. الكل ينتظره "على الكوع" لعلّه يتعثّر فيفتح الطريق أمامهم لبلوغ الموقع الذي يشغله.

يعرف الحريري نواياهم ولا يثق بهم، ويخشى خناجرهم، لكنه مع ذلك يستعين بهم لحماية نفسه من الانكشاف الكامل.

يدرك الحريري أنه ما زال "حصان" رئاسة الحكومة في حسابات القوى السياسية الرئيسية: "حزب الله" وحركة "أمل" و"التيار الوطني الحر" و"الحزب التقدمي الإشتراكي"، ولذلك هو مطمئن إلى أن انكشافه الإقليمي لا يلغي الحاجة إليه داخلياً، خصوصاً أنه نجح في تأمين طوق نجاة فرنسي يحميه من الغرق لكنه لا يقيه من البلل.

كل القوى السياسية منزعجة من الحريري، ولكل حساباته وحيثياته التي تدفعه إلى الزعل من رئيس "المستقبل"، لكنهم ما زالوا يعتقدون أنه حاجة وضرورة، وأن البدائل عنه ليست أقل سوءاً، وتحديداً أولئك المنضوين في "نادي" رؤساء الحكومات السابقين.

في رأي هذه القوى أن الحريري، على سيئاته، ليس باطنياً أو خبيثاً. كل ما في الأمر أنه متردّد، وأن خياراته فيها تخبّط، وأن دخوله التسوية الرئاسية كان مغامرة يدفعون معه ثمنها لأنه ذهب إليها وحده، بينما لو أن تلك التسوية حصلت بشراكتهم لكانت خفّفت كثيراً من انفلات جبران باسيل و"فرعنته" التي لا يجد من الحريري ردّاً لها.

"فرعنة" باسيل هي إذن عنصر التوتّر من تلك القوى السياسية تجاه الحريري… لكن هذه "الفرعنة" هي أيضاً مصدر تآكل جمهور سعد الحريري، و"الغضب السنّي" الذي تحدّث عنه الحريري نفسه هو نتيجة "فرعنة" باسيل.

هل هناك فعلاً "غضب سنّي"؟

المفارقة أن النخب السنية تتحدّث عن "إحباط سنّي"، وكأنها استسلمت للأمر الواقع. تلك النخب لم تنفعل عندما تحدّث جبران باسيل عن "السنية السياسية" و"المارونية السياسية"، لأنها ربما تعتقد أن ما كتب قد كتب، وأن سعد الحريري قد سلّم أختام رئاسة الحكومة إلى باسيل!

في مؤتمره الصحافي، حاول سعد الحريري أن يضرب يده على الطاولة، لكنه كان واضحاً أنه لا يريد يكسر الطاولة أو يؤذي يده.

بذل جهداً واضحاً لإثبات مرجعيته السنية، ثم استدعى دار الفتوى ورؤساء الحكومات لدعمه.

صال وجال بنبرته العالية، لكن سقف موقفه كان منخفضاً جداً.

قارب التسوية الرئاسية من زاوية تضحياته التي قدّمها، لكنه لم يلمّح في أي لحظة إلى احتمال مغادرتها إذا استمر الوضع على ما هو عليه، على العكس فإنه أكد أنه جاهز للتفتيش عن حلول.

حاول تقديم نفسه بصورة رجل الدولة القوي والحريص، فانكشف ضعفه في مقاربته للعناوين التي قال فيها كلمة ثم لم يحدّد طريقة المعالجة.. مع أنه رأس السلطة التنفيذية!

هل نجح الحريري في استدراك شعبيته؟

ربما يكون نجح في شدّ عصب تيار "المستقبل"، لكن الجمهور السنّي بات في مكان آخر، لا يدركه سعد الحريري لإزالة إحباطه، ولا يستطيع منافسو سعد الحريري تعويضه لأنهم لم يقدّموا نموذجاً أفضل.

في المحصلة، تبدو المعادلة ثابتة: الحريري باقٍ بحماية "الخرزة الزرقا".. إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا…

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.