لا.. لم ينسحبوا من لبنان

رفعت إبراهيم البدوي

بعد الانجاز الوطني التاريخي بتحرير لبنان من العدو الاسرائيلي في العام 2000، سارع رئيس الجمهورية اميل لحود وحكومة الرئيس الدكتور سليم الحص إلى تكليف العميد أمين حطيط متابعة موضوع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، والتأكد من رسم الحدود البرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، والكشف عن نقاط الخلاف العالقة على جانبي الحدود.

وبعد الكشف والمعاينة الدقيقة من الجانب اللبناني بواسطة استخدام تقنية GPS، تبين للحكومة اللبنانية أن الجانب الاسرائيلي ما يزال يحتل ما مجموعه 18 مليون متر مربع من الأرض اللبنانية، والتي شكلت النقاط الخلافية بين لبنان والعدو الاسرائيلي على طول الخط الازرق الذي رسمته القوات الدولية العاملة في جنوب.

تقدّم لبنان الرسمي بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي يطلب فيها إكمال الانسحاب الاسرائيلي من تلك النقاط، بما فيها نقطة B1)) في منطقة الناقورة الحدودية والواقعة ضمن الارض اللبنانية، والا فإن لبنان سيعلن رسمياً عدم اكتمال تطبيق القرار 425، ما يعني استمرار استنفار الجيش اللبناني في المواجهة مع العدو الإسرائيلي، وبالتالي استمرار عمل المقاومة اللبنانية حتى استعادة ملايين الأمتار التي تحتلها اسرائيل داخل الارض اللبنانية.

لم يمض وقت طويل حتى بدأت الخارجية الاميركية تعمل، وبجهد دبلوماسي مكثف، لإجهاض مشروع الشكوى اللبنانية المقدمة الى مجلس الامن، وما هي إلا ساعات معدودة حتى بدأت الاتصالات الاميركية بلبنان الرسمي المتمثل بالرئيس اميل لحود، في محاولة لثنيه عن تقديم الشكوى اللبنانية في الامم المتحدة.

في منتصف الليلة التالية، وأثناء عودة الرئيس اميل لحود من زيارة عائلية في طريقه الى قصر بعبدا، رن هاتف الرئيس لحود وكان المتصل وزيرة الخارجية الاميركية آنذاك مادلين أولبرايت. فأوعز الرئيس لحود للموكب الرئاسي بالتوقف تجنباً لسوء التغطية الخليوية وانقطاع الاتصال.

اعتقد الرئيس لحود ان الاتصال لن يتعدى الدقائق المعدودة، ولم يخطر بباله ان تلك المكالمة الشهيرة ستستمر لأكثر من خمس ساعات متواصلة وهو قابع في السيارة الرئاسية إلى جانب الطريق يناقش أدق تفاصيل الانسحاب الاسرائيلي من لبنان.

حاولت مادلين أولبرايت جاهدة تأكيد اكتمال تنفيذ القرار رقم 425، وبالتالي الانسحاب الاسرائيلي من كامل التراب اللبناني، مستعينة بالمبعوث الاممي تيري رود لارسن.

أصر الرئيس لحود، وبعناد، على استعادة ملايين الامتار من الارض اللبنانية، والا فإن لبنان سيستمر بتقديم الشكوى بعدم تنفيذ القرار 425.

بعد مرور وقت ليس بقليل على المحادثة الهاتفية، أدركت أولبرايت استحالة الحصول على أي تنازل من قبل الرئيس لحود، فما كان منها إلا أن قدمت رشوة دبلوماسية تفسر الكذب الاميركي لصالح العدو الإسرائيلي، فتوجهت الى الرئيس لحود بالعرض التالي قائلة: "فخامة الرئيس، يمكنكم الإعلان أمام شعبكم عن استمرار احتلال ملايين الامتار من الارض اللبنانية، لكن نطلب أن توعز لمندوب لبنان في الامم المتحدة بعدم الاعتراض على القرار ووضع ورقة بيضاء، وهكذا نكون أنهينا المشكلة".

امتنع الرئيس لحود عن قبول العرض المقدم من أولبرايت، مؤكّداً أن "الارض لبنانية، ومن حقنا استردادها بكل السبل المتاحة، ونحن لم نتعود المساومة أو المراوغة على شعبنا، أو المساومة على حقوقنا المشروعة".

عندها حاولت اولبرايت تأكيد ما جاء في تقرير تيري رود لارسن بإتمام الانسحاب وتطبيق القرار الاممي، فما كان من الرئيس لحود إلا مواجهة أولبرايت بقوله ان "تيري رود لارسن قابع في نيويورك، أما نحن فموجودون على الارض نعاين كل شبر من الارض اللبنانية، ونحن أصدق من لارسن".

وبعد مرور أكثر من خمس ساعات متواصلة على المحادثة الهاتفية، وإدراك الجانب الاميركي أن لا أمل بالحصول على أي تنازل من الرئيس لحود وبعدم قبوله مبدأ المساومة، انتفضت اولبرايت وخاطبت الرئيس لحود بقلة احترام قائلة: "يا سيد لحود، هل تعلم أنك تخاطب وزيرة خارجية الولايات المتحدة وممثل الأمين العام للأمم المتحدة؟". فأجابها الرئيس لحود "نعم أعلم ذلك، ولكن عليك أن تعلمي أنك تخاطبين رئيس جمهورية لبنان، والآن الساعة الخامسة صباحاً وأنا ذاهب لأخلد للنوم"، وأقفل الهاتف بوجه أولبرايت.

نتيجة ذلك الإصرار من قبل الرئيس لحود، استعاد لبنان 18 مليون متر مربع من الأرض اللبنانية، من ضمنها نقطة B1)) في الناقورة، وذلك بعد انسحاب العدو الاسرائيلي مسافة خمسين متراً خلف الخط الأزرق.

نجاح الرئيس لحود، وبدعم من حكومة الرئيس سليم الحص، في استعادة حق لبنان، ظل انجازاً وطنياً تاريخياً حتى انتهاء عهد الرئيس اميل لحود.

لكن العدو الإسرائيلي، وبدعم أميركي، وبصمت لبناني مطبق في عهد الرئيس ميشال سليمان وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، نجح في إعادة قضم واحتلال المناطق المحررة والتي كانت محط نزاع على امتداد الخط الازرق و المسماة النقاط الـ 13، أي إعادة احتلال 18 مليون متر مربع من الارض اللبنانية، بما فيها نقطة الناقورة B1))، والتي تعتبر نقطة انطلاق ترسيم للحدود البحرية اللبنانية المشتركة مع فلسطين المحتلة، الامر الذي يسمح بقضم 846 كلم مربع من المياه الاقليمية اللبنانية، أي بمعنى ضم بلوكات الغاز اللبنانية رقم 8 و9 و10 لصالح العدو الإسرائيلي.

ان جولات المبعوث الاميركي ديفيد ساترفيلد المكوكية بين لبنان والكيان الصهيوني، وايهام الرأي العام اللبناني بحلول إيجابية حول النقاط الخلافية بين العدو الاسرائيلي ولبنان، ما هي محاولة التفاف أميركية إسرائيلية لخداع لبنان بإعطائه بعض النقاط عوضاً عن النقاط الاستراتيجية اللبنانية المتنازع عليها، ومن ضمنها نقطة B1)) في الناقورة.

إن لبنان الرسمي مطالب بتوحيد الموقف، المدعوم من الجيش اللبناني والمقاومة والشعب، باستعادة كل شبر من الأرض اللبنانية، بما فيها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر كاملة وكل متر مكعب من المياه اللبنانية، دون أي نقصان أو تعويض.

إن الفرصة متاحة أمام لبنان لاستعادة كل ما أعيد احتلاله من الأرض بما فيها نقطة B1)) الاستراتيجية، حتى نضمن شرعية امتلاك كامل بلوكات الغاز في البحر اللبناني، وذلك برفض أي تفاوض مع الأميركي أو مع الجانب الاسرائيلي قبل إعادة تنفيذ القرار 425 كاملاً، تماماً كما فعل الرئيس اميل لحود حين أصر على مواجهة الأميركي بعد مكالمة الساعات الخمس حين قال "لا.. لم ينسحبوا من لبنان".

إن قسماً من الارض اللبنانية ما زال محتلاً من قبل العدو الإسرائيلي، ونستطيع القول ان القرار 425 ما زال تطبيقه منقوصاً.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.