إطفائيّة دير الأحمر!

أي لبنان بين ألغام المنطقة؟

/ جورج علم /

جاء بـ"الغضب السنّي" الى المنبر، ليطرحه بالمزاد العلني في سوق الطوائف، والمذاهب، عبر مؤتمر صحفي بدا فيه الرئيس سعد الحريري منفعلاً، والدليل أنه لجأ الى عبوة المياه أربع مرات، في أقل من أربع دقائق، ليبلّ ريقه، والأصح ليضع في فمه ماء!

ومن يضع في فمه ماء، لا يريد ـ أو لا يستطيع ـ أن يبقّ البحصة كما يجب، ويكتفي بالإعلان عن بعض الحقيقة، محتفظاً لنفسه بالباقي للأيام الصعبة، وربما للظروف الإستثنائيّة. لكن ما أعلنه ليس بالقليل، أخذ بطريقه جبران باسيل، والتيار الوطني الحر، والقاضي بيتر جرمانوس، والمحكمة العسكريّة، ولم يوفّر وليد جنبلاط، وحركة أمل، وحزب الله، وآخرين، وآخر الآخرين كان أولئك الذين يطعنون بالظهر، وهم من أهل البيت!

أما أخطر ما تفوّه به.. كان كلامه عن إهتزاز ثقة اللبنانييّن بعضهم بالبعض الآخر، وأيضا بالدولة ومؤسساتها. إنه في الموقع الذي يمكّنه من تشخيص الداء، والمجاهرة به، وأيضا في الموقع الذي يؤهله أن يرسم سبل العلاج، ويعلنها، ويستفيض في شرحها، والإصرار على المباشرة بها. أما أن يكتفي بالشعارات، والنصح، والإرشاد، فهذا إفتئات على دوره، وتطاول على دور غيره، فالمسؤول ليس بمرشد إجتماعيّ، ولا بواعظ في كنيسة، أو خطيب في جامع. المسؤول عليه ان يأتي بالحلول ويشرحها، ويبسّطها أمام الرأي العام، ثم يدعو الى تعبئة وطنيّة للعمل على وضعها موضع التنفيذ. لقد استنكر ما تعرّض له مخيّم النازحين السورييّن في منطقة دير الأحمر. هذا تصرّف جيّد، وعلامة فارقة في الأدبيات السياسيّة، لكن المسؤوليّة السياسيّة لا يمكن حصرها بالأدبيات فقط، بل بمواجهة المشكلة، والتصدّي لها وفق مقتضيات المصلحة الوطنيّة العليا، لكنّ أين هي هذه المصلحة؟ لقد تحوّلت الى وجهة نظر منذ إتفاق الطائف لغاية الآن. حتى أن تعريف الإتفاق تحوّل بحدّ ذاته الى وجهة نظر، فالبطريرك الراحل الكاردينال نصر الله صفير قد غطّاه بجبّته لحماية المسيحيين، ولوقف المجازر في ما بينهم. والمسيحيّون بغالبيتهم ينظرون إليه على أنه إتفاق "الغالب والمغلوب". أمّا أهل السنّة فتمتلكهم النشوة، كونه الإتفاق الذي جرّد رئيس الجمهوريّة المسيحي الماروني من صلاحياته ليجيّرها الى رئيس الوزراء السنّي. ويبقى أن الشيعة قد دخلوا العمارة، ليبنوا الإمارة، ويكفي ما تردده أوساط الرئيس حسين الحسينيّ، من أنه بفضل دهائه تمكّن من أن يجعل من رئيس مجلس النواب حاكماً مطلق الصلاحيات، ومن المجلس، نقطة الإرتكاز، والعمود الفقري لدولة الطائف، وكم من مرّة يردد الرئيس نبيه برّي عبارته الشهيرة "المجلس سيّد نفسه"؟!

أما القول بأن الطائف هو دستور البلاد، وناظم الدولة، فهذا مجرّد خدعة لفظيّة، لأن الحقيقة في مكان آخر، والطائف جاء بقادة الميليشيات من الشارع، ووضعهم في مراكز المسؤوليّة، وبدلاً من أن ينصرفوا الى بناء الدولة النزيهة، الشفافة، القويّة، القادرة، والعادلة، راحوا يبنون دويلاتهم، وإقطاعياتهم المذهبيّة، والطائفيّة، والفئويّة… متسلّحين بالطائف، ومحتمين تحت عباءته، ومستقوين بسلاحه، لأنه الكفيل المكفول المكلّف بتنظيم شؤون الجماعات اللبنانيّة بالحدّ الممكن والمستطاع حتى لا "يتفركش" بعضها بالبعض الآخر، ونعود مجدداً الى الحروب الأهليّة!

والقصّة تطول… ولها مضارب في التاريخ القديم، والحديث.. وعندما زفّ عريس الإستقلال، إنقسم اللبنانيّون عموديّا بين سيادييّن ووحدوييّن. السياديّون تشبثوا بالكيان الناجز المستقل، فيما أراده الوحدويّون كياناً لصيقاً، ملحقا بالوحدة العربيّة، وهذا يعني أن النظرة الوطنيّة الواحدة كانت غائبة منذ اللحظة التي ولد فيها "لبنان الكبير"، وولد فيها الإستقلال، لهذا "اللبنان الكبير". أما القول عن إنهيار ثقة اللبنانييّن بعضهم بالبعض الآخر، والذي إكتشفه الحريري مؤخراً، فليس بنت ساعته، بل يعود الى نشأة الكيان، ونشأة الإستقلال، والدليل أنه في كلّ مرّة كان يشتد فيها صراع المحاور في المنطقة، كان لبنان يدفع الثمن باهظاً، إما بحروب الآخرين على أرضه، أو بحروبه الداخليّة نيابة عن الآخرين! إلاّ أن ما يميّز خطورة هذا الإنقسام راهناً، كونه يرتبط بالتغيير الجيو- سياسي الضارب أطنابه في المنطقة. وبكلام أكثر صراحة، إذا ما تعرّضت بعض كيانات سايكس ـ بيكو الى تعديل في الجغرافيا، والحدود، فإن ذلك سيطال لبنان حكماً، والقلق الظاهر على وجوه بعض الطوائف، أو بعض مكونات التركيبة اللبنانيّة، إنما هوقلق وجودي مصيري، يتعلّق بالحاضر والمستقبل والمصير!

وهنالك حقائق لا يمكن تجاهلها، أو طمس معالمها بإبتسامات مصطنعة، أو عبارات ممجوجة.

الحقيقة الأولى: أن مشكلة لبنان هي مشكلة النظام. إن النظام القائم على "تسويات" بين المجموعات المذهبيّة والطائفيّة، لا يمكن أن يبني وطناً، ويؤسس لدولة قويّة، قادرة، متوازنة، عادلة، ومتمكّنة. بل الى دويلات، وعشائر، وإقطاعيات… وليس في الأنظمة المتداولة عالميّاً، ما يعرف بـ "الديموقراطيّة التوافقيّة"، سوى في لبنان، والتوافق لا يمكن أن يتمّ إلاّ عن طريق التنازلات المتبادلة على حساب القوانين المرعيّة الإجراء!

الثانيّة: إن دولة عمادها، وشعارها، رئيس جمهوريّة قوي، ورئيس مجلس نيابي قوي، ورئيس مجلس وزراء قوي، ورئيس كتلة نيابيّة قوي، وزعيم قوي، وإقطاعي قوي، ووجيه قوّي… قد أدى ذلك الى قيام دولة الأقوياء على المواطن الضعيف، وهذا ما هو عليه واقع الحال اليوم. إنها دولة السلب، والنهب، والسمسرة، وتقاسم المصالح، و"مررّ لي، كي أمررّ لك"!… ثم يعود من يتحفنا بالقول، أن هناك دولة، ودستور، وقانون، ومحاسبة ومراقبة، علماً بأن هذا الدولة لم تتسع سجونها لزعيم واحد مرتكب، أو مرتشي، فيما تعجّ بعشرات الألوف من السجناء من فئة "عامة الشعب"!

الثالثة: إن الموازنة المتقشّفة، الرشيقة، المتواضعة، التي يتحفوننا بها، إنما هي موازنة الأقوياء على الضعفاء، وليست موازنة الفقراء على الأغنياء، كما هو مفترض، أو مطلوب!

الرابعة: إن لبنان الوطن، والكيان ملغّم، مفخخّ.

اللغم الأول الذي بدأ يظهر من بين أوراق "صفقة القرن"، هو أن التوطين الفلسطيني قد يصبح أمرأ واقعا، فحاربوه إن شئتم بمقدمة الدستور!

اللغم الثاني، دمج مجتمع النزوح بالمجتمع المقيم!

طبعاً المواجهة قائمة على قدم وساق عن طريق التنظير، وعبر وسائل الإعلام، لكن عمليّاً هناك هوّة سحيقة بين من يريد عودتهم عن طريق الحوار والتفاهم مع دمشق، والأمم المتحدة، وروسيا الإتحاديّة، وبين من يرفض، ويريد عودتهم بعد إستكمال الحل السياسي في سوريا، فيما المجتمع الدولي واضح بخياراته "لا عودة، بل دمجهم بالمجتمعات المضيفة"!

وعلى هامش هذه الوقائع تزدهر المزيدات الوطنيّة والطائفيّة والمذهبيّة، وكلّ يريد أن يزايّد، وكلّ ينتظر المموّل كي يرفع السعر، ويبيع ويشتري ويحقق فائضاً في الأرباح. والتجارة الوطنيّة في لبنان كانت، ولا تزال، من أعرق التجارات المزدهرة، ثم يحدّثونك، وقد أخذتهم الدهشة، والحيرة: لماذا تحوّلت سيارة الإطفاء في دير الأحمر الى قضيّة؟! ترى ألم تتحوّل بوسطة عين الرمانة في 13 نيسان 1975 الى قضيّة.. وأكثر؟!…

اللغم الثالث، ترسيم الحدود البريّة والبحريّة مع إسرائيل. والمسألة هنا لا تحتاج الى منجّم مغربي لفك رموزها. لا نفط للبنان إلاّ بعد تطبيع علاقاته مع إسرائيل! لا غاز للبنان، إلاّ بعد أن يقتنع المترددون بأن "مصلحة إسرائيل فوق أي إعتبار"! طبعاً هناك خريطة طريق يعدّها الأميركي، وما جولات الدبلوماسي ديفيد ساترفيلد، وزياراته المكوكيّة بين بيروت وتل أبيب، إلاّ دأب يصبّ في هذا الإتجاه، وقد يبدأ الحديث عن النفط، وحدود الحقل الرقم 9، لينتهي بمياه الوزاني، والحاصباني، والليطاني، ومزارع شبعا، وتلال كفرشوبا، والجنوب، وسلاح "حزب الله"، ومستقبل "اليونيفيل" والقرار 1701، والتطبيع الأمني، والإقتصادي، والخدماتي، الى مختلف الوجوه الأخرى…

اللغم الرابع، هل تتحوّل "دولة حزب الله" القويّة الى نموذج يقتدي به الأقوياء الآخرون فيبنون دويلاتهم الطائفيّة ـ المذهبيّة المدججة بالسلاح؟ أم هناك سيناريو آخر، ومسرحيّة أخرى تعدّ وراء الكواليس المغلقة، ولم تتضح معالمها بعد، أو ـ بالأحرى لن تتضح ـ إلاّ بعد أن تأخذ "صفقة القرن" طريقها نحو التنفيذ؟!

الثابت والمؤكد، أن لبنان هو جزء من المنطقة، وأن المنطقة هي اليوم تحت مجهر "مايسترو" قوامه الثنائي الروسي ـ الأميركي، المعروف، والمدرج على لائحة التصنيفات الدوليّة تحت عنوان "سايكس ـ بيكو" الجديد، موديل القرن الحالي، المؤتمن على وضع "صفقة القرن"، موضع التنفيذ!… فماذا يبقى من لبنان في ضوء هذه "الصفقة"؟ أو أي لبنان سيبقى؟ جبران باسيل، لا يعرف لأنه يقول بأن أحداً لم يطلعه على تفاصيلها رغم كل حراكه، وهرولاته نحو الخارج، وبالتأكيد فإن التسوية التي يتمسك بها سعد الحريري، بالكاد تبقيه مرحليّاً في السرايا، في زمن تزداد فيه شروخ الثقة بين اللبنانيين القلقين على مصيرهم، ومستقبلهم!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.