(خاص "الرقيب") عون: أنا والحريري قادران على ضبط توازنات التسوية الرئاسية

يريدون للبنان أن يصطفّ في محاور.. ونحن لا نريد

موازنة 2019 جسر عبور نحو استعادة التوازن

اجتثاث الفساد بدأ ولن يتوقّف

/ نورما أبو زيد /

رغم حالة السكون الخارجية التي تحيط بقصر بعبدا، والتي تشي بركود يسكن الداخل ويتساكن مع حالة الكسل العامة التي فتكت بجهازنا المناعي، ثمّة ورشة حقيقية داخل جدران بعبدا، لا يدرك أهميتها إلاّ من يحظى بفرصة النفاذ إلى الداخل.

الرئيس الذي استحقّ مرتين لقب "عماد الجمهورية"، مرّة في المؤسسة العسكرية بحكم التراتبية، ومرّة في مؤسسة الرئاسة بحكم الاستحقاق، ينكبّ على العمل بشكل استثنائي لم تشهده جدران بعبدا من قبل، كي لا تنحني الجمهورية.

اللافت هو إحاطة رئيس الجمهورية الشاملة بكافة الملفات، لدرجة يعتقد فيها محدّثه أنّه استنسخ أكثر من ميشال عون، وأودع نسخة في كل وزارة وإدارة ومؤسسة.

الرئيس الذي يقف عند أعتاب النصف الثاني من سنته الرئاسية الثالثة، يخطّط بديناميكية لافتة كما لو أنّه في الشهر الأوّل من سنته الرئاسية الأولى، ويختزن منسوباً كبيراً من النشاط والتفاؤل، على الرغم من كثرة الملفات الشائكة التي تسبّبت بثقوب واسعة في جسد الدولة اللبنانية.

تلك هي الانطباعات التي يخرج بها زوار بعبدا، وينقلونها إلى "الرقيب".

يتحدّثون عن "شباب" الرئيس وهمّته، ومتابعته التفصيلية، واتصالاته التي يقوم بها شخصياً لملاحقة هذا الملف أو ذاك، وللاطمئنان إلى مسار الدولة…

في السياسة، يدرس رئيس الجمهورية بعناية كل التقارير. وكلما أثار أحد معه قضية، يبادر إلى سحب ملف من مكتبه ليتحدّث عمّا فيه وكأنه يحفظه غيباً.

بحسب زوار الرئيس عون، لكلّ ثقب حلّ، وهو يحرص على نسج الخيوط بنفسه كي لا تأتي النتائج هزيلة. وعلى الرغم من كثرة الثقوب، فإنه لا يعتبر أنّه وصل إلى سدّة الرئاسة في الوقت الخطأ. يقول جازماً: "عندما ترشّحت لرئاسة الجمهورية كنت مدركاً لخطورة الوضع، وهذا الأمر زادني رغبة"، ويذكّر بأنّ "الذي نُفي 15 سنة لا يمكن لشيء أن يُحبط عزيمته".

"العماد المحارب"، يبدو دائم الاستعداد لمواجهة الجبهات الداخلية والخارجية. المواجهة الأولى هي من باب إيجاد حلّ جذري لمشكلات تجذّرت منذ عشرات السنين عوض استخدام المسكّنات، والمواجهة الثانية هي من باب الحفاظ على سيادة لبنان وكرامة مواطنيه.

الخارج يضع العصي في عجلات العهد عبر فروع محلية

يفاخر الرئيس عون بـ "تمرّد" لبنان الرسمي في عهده على الوصايات الخارجية، وعدم إذعانه للضغوط، ويبتسم عندما يذكّره زواره بأنّه أخرج رئيس الحكومة سعد الحريري من القفص السعودي. يقوم بجولة أفق على الإقليم والعالم، ويخرج بخلاصة مفادها أنّ لبنان يمارس سياسة مدّ اليد للجميع من دون أن يسمح لأيّ يد خارجية بأن تمتدّ عليه.

لا ينكر رئيس الجمهورية بأنّ الضغوط الخارجية كبيرة، ويقول إنّ الخارج يَنْفَذ إلى الداخل اللبناني عبر فروع محلية تضع العصي في عجلات العهد، ولكن في مقابل الضغوط الكثيرة هناك تصميم كبير على السير قدماً نحو الأمام.

رغم "النوايا التفخيخية" الواضحة المعالم لدى بعض الخارج، يصرّ الرئيس عون على التعامل بصفاء مع الجميع. يقول إنّهم "يريدون للبنان أن يصطفّ في محاور، ونحن لسنا مع هذا الاصطفاف ولا نريده. تحسّسوا دون شكّ من مضمون خطاباتي على المنابر الأممية، وتحفّظوا بالتأكيد على الحياد اللبناني، ولكنهم عاجلاً أو آجلاً سوف يدركون أنّه من الأفضل لنا ولهم أن نكون في الوسط".

وإذا كانت الضغوط الإقليمية تُترجم عراقيل داخلية من فروع ينتمون لـ "أصول خارجية"، فإنّ الضغوط الدولية تُترجم إصراراً على إبقاء النازحين السوريين في لبنان.

لا علاج متوفّر لملفّ النزوح السوري سوى موضعياً

من يستمع إلى الرئيس عون، يُدرك أنّ هناك شبه قناعة بأنّ الغرب لا يريد للسوريين أن يعودوا إلى بلادهم، وأنّ المعالجة لهذا الملفّ لن تكون إلاّ موضعية. أمّا النوافذ التي يعود منها المرحّلون، فهناك قرار بإغلاقها جميعها.

لدى سؤال الرئيس عن مدى نجاعة قناة الأمن العام في ظلّ الأعداد الوفيرة التي تلامس المليون ونصف مليون، يشرح أنّ سوريا غير قادرة على استيعاب الأعداد الموجودة في لبنان دفعة واحدة. يتناول عن مكتبه تقريراً للأمن العام يحدّد أرقام العائدين حتى اليوم، ويشرح أنّ هذا التقرير يصله بشكلّ يومي، وقد وصل عدد المرحّلين إلى 292 ألفاً و"بعض الكسور". أمّا فيما خصّ الذين يخرجون من الباب ويدخلون من الشباك، يقول الرئيس إنّ التعليمات واضحة: "كلّ من يدخل إلى لبنان خلسةً يُعاد إلى بلاده على الفور".

أخشى من استخدام الكتلة البشرية السورية في محاولة فرض التوطين

يولي الرئيس ميشال عون ملفّ النزوح السوري أولوية قصوى ويعتبره ملفاً حساساً، لأنّه يمسّ حياة المواطن اللبناني بكلّ جوانبها المعيشية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

يشرح أنّه "تمّ تجنيس 120 ألف فلسطيني سابقاً، وهناك إصرار على شرعنة وضع العدد المتبقّي، وسوف يكون لملف النزوح السوري استخداماته في هذا المجال، وهنا الخشية الكبرى".

ولدى سؤاله لماذا لا يفتح لبنان أبواب بحره أمام النازحين للضغط على الغرب أسوةً بما فعلته تركيا؟ يجيب: "لبنان ليس دولة بحجم تركيا، وبالتالي ليس بمقدوره اتّباع سياسة أبواب البحر المشرّعة، وليس أمامنا حلّ سوى السير بين ألغام ملفّ النزوح، والعمل على تفكيك صواعقها تباعاً، ولو استغرق نزع الفتائل وقتاً طويلاً".

الوضع الاقتصادي حرج ومعقّد

ملفّ النزوح السوري و"الإسهامات" المنتظرة منه في توطين الفلسطينيين، لا يشكّل الهاجس الوحيد لدى الرئيس عون. فالهاجس الاقتصادي يحتلّ بدوره قائمة الملفات الشائكة، ويعترف صراحةً أنّ الوضع الاقتصادي حرج وكثير التعقيد. ولكن خشيته من الوضع الاقتصادي، لا تعني أن لا حلول، والموازنة التي يبدي ارتياحه لها ويرى فيها جسر عبور نحو استعادة التوازن في الاقتصاد هي أوّل الغيث، بعدما عانى البلد طويلاً من فقدان التوازن.

لا يستسيغ الرئيس عون القول إنّ موازنة 2019 أفضل الممكن، لأنّه يعتبرها قيمة مضافة، ليس فقط لتخفيضها العجز بنسبة 7.5 بالمئة، بل لكونها أوّل موازنة منذ ثلاثين سنة "تنحرف" عن مسار الاقتصاد الريعي الذي حرم لبنان من استدامة النمو المتوازن، وأوصل البلد بالتالي إلى حالة "شلل ثلاثي"، والعمل جارٍ حالياً على تلافي "الشلل الرباعي".

يختصر الرئيس نظرته إلى الموازنة بالقول إنّها "حدّدت مسار الاقتصاد اللبناني للسنوات المقبلة، وشقّت الطريق أمام سيدر"، وعليه إذا كان تخفيض العجز إنجاز يسمح للدول المانحة بأن تضع جرافاتها في خدمة الورشة الاقتصادية المرتقبة، فإنّ "انحراف" الموازنة عن سكّة المسار الريعي إنجاز و"بحصة".

"قطبة" تحمي المؤسسة العسكرية من الفذلكة السياسية

الرئيس القادم من مؤسسة شرف ـ تضحية ـ وفاء يتوقّف عند الاشتباك الحاصل بين الحكومة والجيش على خلفية إشراك الأخير في تسديد فواتير الإهدار السياسي. لا يطلق كلاماً واضحاً حول الإجحاف الذي ألحقته موازنة 2019 بالمؤسسة العسكرية، ولكنه يوحي بقطبة مخفية تحمي المؤسسة العسكرية من فذلكات "المؤسسة السياسية".

تطهير القضاء أولوية والمحميات القضائية تحت العباءات السياسية مرفوضة

يضيف الرئيس عون ملفّ الفساد إلى قائمة الملفات الشائكة في مسعاه المستمرّ لتحصين المناعة الداخلية. يتحدّث بلغة دافقة عن الفساد وتداعياته التدميرية، ويقول إنّه مصمم على اجتثاثه من جذوره كما وعد اللبنانيين. يُدرك أنّ المسار طويل، ولكنّه يؤكّد أنّ المسيرة مستمرّة ولن تتوقّف.

الرئيس المقاتل لا ينظر إلى الرصاصات التي أُطلقت ولم تُصِبْ هدفها، بل ينظر إلى تلك التي أُطلِقت وأصابت، وإلى تلك التي سوف يُطلقها. يُعدّد بارتياح كبير الرصاصات التي أصابت هدفها بدءاً من الضمان الاجتماعي، مروراً بالمرفأ، والمجلس الأعلى للجمارك، والدوائر العقارية، والتوقيفات الأمنيّة، وصولاً إلى "التعليقات" القضائيّة. أمّا الحديث عن محميّات قضائيّة تحت عباءات سياسية فهو أمر مرفوض بالنسبة له.

بلغة رجل الدولة يقول: "عملية اجتثاث الفساد التي وعدت بها اللبنانيين بدأت ولن تتوقّف، وتطهير الجسم القضائي أولوية، ولن يكون هناك قضاة بسمنة وقضاة بزيت تحت سقف عهدي".

مناعتنا الأمنية مرتفعة

أمنياً، يعتبر الرئيس عون أنّ الوضع ممسوك، وبعبارات واضحة لا لبس فيها يقول إنّ الملفّ الأمني لا يشكّل هاجساً لديه، ويعتبر أنّ دولاً كثيرة وكبيرة لا تتمتّع بحصانتنا الأمنية على الرغم من تماسنا مع سوريا التي تعيش حالة حرب منذ ثماني سنوات. وانطلاقاً من هذه المناعة الأمنية، يؤكّد أن لا خوف على موسم السياحة هذا الصيف الذي يرى أنّه سيكون جيداً. وإلمامه بكافة التفاصيل يدفعه إلى الحديث عن درب الجبل وأين تبدأ مساراته وأين تنتهي، أضف إلى الحديث عن السياحة الدينية، ومساهماته في إدراجها على جدول أعمال الفاتيكان. يشير إلى أنه يعوّل كثيراً على هذا الموسم، ويقول إنّ "التحسّن الذي طرأ لم يهبط علينا بالباراشوت، ولكن هناك من يصرّ على رؤية النصف الفارغ من الكوب لأنّ لا مكان للإيجابية في أدبياته".

نظرة الرئيس عون الإيجابية لموسم السياحة، تمتدّ إلى العلاقة مع رئيس الحكومة سعد الحريري. يؤكّد أنّ التباين في بعض الملفات لا يعني أنّ أحداً منهما جاهزاً لمغادرة التسوية والتفاهم الذي نتج عنها. وبلغة حاسمة يؤكّد أنّ "التسوية لا تترنّح كما يحلو للبعض أن يقول، وطرفاها قادران على ضبط توازناتها".

يبرّئ الرئيس عون أمام زواره الحريري من الحملة الأخيرة، ولكنه لا ينسى أن يلمّح إلى سفراته الطويلة والتي تتزامن أحياناً مع تعليق ملفات مهمّة لا تحتمل الانتظار.

وانطلاقاً من إدراكه لأهمية موقعه كمرجعية وطنية، يقول إنّه لم يردّ على الخطابات الساخنة التي أُطلقت مؤخراً، "ومن أشعل النيران سيُطفئها بنفسه عندما يدرك أنّ الطرف المقابل لا يمدّ نيرانه بمواد مشتعلة".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.