الحكومة تختصر المجلس!

خضر طالب /

أصاب رئيس الحكومة سعد الحريري سياسياً في اعتباره أن لا داعي لمناقشة الموازنة في مجلس النواب.. لكنه أخطأ دستورياً.

من حق سعد الحريري أن يقول إن نقاش الموازنة في مجلس النواب يجب أن يمر سريعاً، لأن الحكومة هي "ميني مجلس"، ومعظم الكتل النيابية ـ السياسية ممثّلة في الحكومة، وناقشت جميعها كل بند من بنود مشروع قانون الموازنة وأجرت تعديلات وحصل أخذ وردّ.

بالمنطق السياسي، ما قاله الحريري صحيح، خصوصاً أن الكتل النيابية هي أشبه بأحزاب إيديولوجية، وأن رؤساءها هم زعماء، بينما النواب يفترض أنهم من جماعة المصفقين لكل ما يقوله الزعيم.

مثلاً…

من يجرؤ على مخالفة سعد الحريري ويعارض مشروع الموازنة في مجلس النواب؟

من يستطيع مخالفة تعليمات جبران باسيل في التعامل مع بنود الموازنة؟

هل هناك فصل بين القناعة الشخصية والقناعة الحزبية في كتلة نواب "حزب الله"؟

من يستطيع التمرّد على وليد جنبلاط في التعبير عن موقفه من الموازنة؟

هل هناك نائب قادر على الخروج عن طاعة نبيه بري؟

هل يملك نواب "القوات اللبنانية" هامشاً ديموقراطياً يسمح لهم بمخالفة سمير جعجع؟

منطقياً، هذه الأسئلة تقود إلى أن سعد الحريري قال الحقيقة في ما خصّ مناقشة الموازنة. فالاتفاق في الحكومة على مشروع الموازنة كان بشراكة جميع هذه القوى، والاعتراضات التي ظهرت كانت على بعض البنود.

أما دستورياً، فقد ارتكب سعد الحريري مخالفة صريحة، وأساء إلى مجلس النواب، وصادر صلاحياته في الحكومة… وتلك مخالفات لا يمكن القفز فوقها، خصوصاً أن "حارس" ساحة النجمة يقظ ولا يسمح بهذا "التسلّل".

وفق معادلة سعد الحريري، انتهى دور مجلس النواب مع حكومة تضم معظم الطيف السياسي في المجلس. لكن "خطيئة" الحريري، غير المقصودة على الأرجح، والتي كانت بدافع الاستعجال المحموم لبدء تدفّق أموال "سيدر" إلى لبنان، ستفتح النقاش لاحقاً حول عنوان "الفصل بين السلطات". علماً أن هذا "الفصل" معقّد في ظل حكومات الوفاق الفضفاضة، إذ كيف يمكن لنائب في كتلة أن يحاسب وزيراً من كتلته؟! وكيف لكتلة أن تحاسب حكومة هي شريكة فيها؟!
"خطيئة" سعد الحريري ليست من دون أرضية، فالحكومة تمثّل حوالي 115 نائباً من أصل 128 نائباً، فكيف يمكن إذاً أن يناقش النواب ما ناقشته كتلهم عبر وزرائها؟

إنها معضلة ستبقى تفتّش عن حلّ بين السياسة والدستور.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.