"حكيم بنشعي"

نورما أبو زيد

هو قدوة ومدرسة، ومسيرته السياسية تصلح أن تكون درساً لكلّ السياسيين.

مع أنّه زعيم لبناني، هو صاحب لسان واحد، ووجه واحد. لا يتحدّث أكثر من لغة، ولا يُتقن ارتداء الأقنعة، ولذلك هو فريد، وفرادته الطاغية هذه، هي واحدة من عناصر زعامته الثابتة.

ابن زغرتا المتحدّر من جوف الشهادة، هو صديق صدوق وصادق وصريح وواضح وشفّاف ووفيّ وثابت ومنفتح ومرن وعفوي وعروبي وشهم ومبدئي و.. نبيل. صفات كثيرة وفريدة نادراً ما تجتمع بشخص يتعاطى السياسة، وعليه يستحقّ وسام شرف من رتبة كومندور.

"كومندور المردة" النبيل هو أيضاً "حكيم". فقد تقمّص شخصية الملك سليمان، وبذل جهداً عظيماً لبناء "الهيكل المسيحي"، ومن أجل هذا الهدف، وضع ملحاً على جرح جريمة اغتيال عائلته، عبر مدّ يده أكثر من مرّة إلى "الحكيم" المتّهم بقتل والده ووالدته وشقيقته، آخرها كان في "غضّ النظر" عن "مهر" ستريدا طوق الدموي.

في مقلب "القوات اللبنانية"، زاد من آلامه كي يخفّف من آلام الرعية التي يجرحها الانشطار والتباعد. وفي مقلب "التيار الوطني الحر"، وضع نفسه جندياً بتصرّف "عماد الجمهورية" خدمةً للخطّ والقضية. ولكنه مُنع من إعادة بناء الهيكل، وأمر المنع صدر عن تجار الهيكل الذين تولّوا هدمه قبل سنوات على رأس الرعية. ومع ذلك بقي في نظر رعيته المنكوبة "سليمان الحكيم" الذي سكنته وحدة الصف المسيحي وسكنها، إلى درجة قرّر معها أن يبني لها هيكلاً.

"سليمان الحكيم" دفعته حكمته طيلة سني تحالفه مع "التيار الوطني الحر" إلى لعب دور الاحتوائي. فمع أنّ القاعدة تقول إنّ الإناء الكبير يستوعب الإناء الصغير، كبر عقله وقلبه جعلاه "حسن نصر الله المسيحيين"، الذي يستوعب كلّ الهفوات والارتكابات الصادرة عن الحليف. فخلف ملامحه المنضبطة، يختبئ عقل الوحدوي، وعقله المتعقّل هو الذي دفعه إلى تقديم التنازل تلو الآخر طوعاً، إلى أن بلغ السيل الزبى والماء الربى، فرفع "العشرة"، وقدّم استقالته "بالعشرة" للذين نسوا "العِشْرَة".

الشغوفون بحكمة زعيم "المردة"، بحثوا عنه عندما تعملق التوتّر على خطّ بعبدا ـ عين التينة، ولكن انتظارهم له طال، دون أن يظهر. كانوا يعرفون أنّ المبرّرات التي تدفعه إلى الاحتجاب، كثيرة، ومع ذلك بقي رهانهم على "الحكيم" الذي في داخله. لكنه اكتفى بإيفاد "ملائكته" إلى "أرض المعركة" منعاً لأيّ احتكاك بشري بين "حليف دائم" و"حليف سابق"، علماً أنّ دوراً توفيقياً من أدواره التقليدية بين بعبدا وعين التينة، كان كفيلاً بتطويبه "مارد المسيحيين" أجمعين إلى أبد الآبدين.. ولكن رغم انكفائه الأخير، الأيام لا تزيد محبيه إلاّ انبهاراً به.

المشرقي الأوّل، اعتبر تحالفه مع "التيار البرتقالي" مقدمة لوحدة مسيحية قوية بين تيارين يمتلكان خصوصية مسيحية ببعد عربي مشرقي. ولكي تكون هذه الوحدة في حالة انسجام ووئام، تقوقع داخل أسوار الشمال، وجعل من "إقليم بعبدا" متنفسه الوحيد داخل "سجنه" الاختياري والإرادي. أما رئاسياً، فقد أجلس نفسه في مقعد الاحتياط، وترفّع عن "شهوة القصر" في زمن الاستماتة على الكراسي.

الرجل الذي أبعد عن نفسه هوس "كأس الرئاسة" طيلة سنوات، لم يُصب يوماً بعوارض الجنون التي تعتري الزعماء الموارنة مرّة كلّ 6 سنوات، وعليه لم يتبن ترشيح نفسه، إلاّ بعد تبنّي الداخل والخارج له واضمحلال حظوظ حليفه، ولم يكن هدفه من ذلك طلب شيء لنفسه، بل الانتصار لخطّه، ولكن الفرصة الرئاسية التي لفظها طوعاً قبل زمن التمديد للرئيس إميل لحود، انتزعت منه في زمن الشغور الرئاسي الأخير، علماً أنّه كان يحظى بتأييد لبناني وعربي استثنائي.

"سليمان الاستثنائي"، تصل حبال ودّه إلى كلّ الآخرين، وتصله حبال ودّه بكلّ الآخرين، فيتلاقى معهم في منتصف الطريق. ورغم سلوكه طريق سوريا، يبقى الرجل المودود القلب والعقل بالنسبة لكلّ الفرقاء السياسيين، سواء تقاطعوا معه على خطّ بيروت ـ الشام، أو تعارضوا معه على هذا الخطّ.

الصياد الذي يحظى بامتياز النسور، تبلغ خبرته السياسية حدود إدراك اقتراب العاصفة قبل حدوثها. ولكن حدسه لا يدفعه إلى الهروب من العاصفة، بل يفرد جناحيه عندما يصطدم بها في وضع يجعل العاصفة ترفعه إلى أعلى حتى يصبح فوقها. هكذا ارتفع سليمان فرنجية في العاصفة التي ضربت سوريا، وعاش محلّقاً فوق الجميع بقوّة بصره وبصيرته.

سليمان المبدئي، لم يسقط يوماً من أدبياته تعابير "الأخ" و"الصديق" و"الحليف" في حديثه عن الرئيس السوري بشار الأسد. تأييده له عائلي وتاريخي ومبدئي وعقيدي واسراتيجي، ولذلك هو ملتزم بعلاقته معه، رغم ما ترتّب عليها من موجبات والتزامات و.. خسائر.

في انتخابات العام 2005 النيابية، وفي أوجّ الاحتقان السوري ـ السني، قال كلمته المؤيدة للأسد ومشى. خسر نيابته ولكنّه ربح نفسه.

الصديق الصادق، لا تحكمه حسابات الربح والخسارة، ولا تتحكّم به. ولذلك يبقى هو هو، ثابت لا يتقلّب، مهما تقلّبت الظروف من حوله وتبدّلت. دائماً ما حدّد موقعه وموقفه بوضوح، ولم يحد يوماً عمّا يعتبره اقتناعاً بقناعاته، ولذلك يكاد يكون الزعيم اللبناني الوحيد الذي لا يعاني من مرض الفصام الذي يُصاحَب عادةً بأعراض ذُهانية من قبيل التوهّم واضطراب المشاعر والسلوك.

الرجل الأقرب إلى طرابلس جغرافياً، ابتعد عنها سياسياً بعيد زلزال 2005، ولكنه سرعان ما التحم معها مجدداً، لأنّ شرفه السياسي يشرّف حتّى خصومه في السياسة.

المسيحي المنفتح على عروبته، "حروبه" مستمرة مع الانعزاليين والمتقوقعين. وقد حالف سوريا طيلة حياته السياسية، وخالف الخطّ العام السائد لدى الموارنة. ولذلك هو أكثر من يمتلك الخصوصيّة المشرقيّة، وهو أكثر من تتملّكه هذه الخصوصيّة، فكان أّول المدركين بأنّ الرهان على خيارات ملتبسة في سوريا سيقضي على الخصوصية اللبنانية بالذاتية المسيحية المشرقية المكوّنة للبنان. وعليه لم يجد حرجاً بتوجيه سهام نقده إلى بكركي عندما كان موقفها مقمّطاً بضبابية داكنة. ولكن رغم علاقته الملتبسة بمرجعيته الدينية خلال زمن البطريرك نصر الله بطرس صفير، لم يقطع شعرة معاوية معه، ورفعة أخلاقه دفعته في لحظة معينة إلى القول إنّ "البطريرك يستدعينا ولا يعزمنا"، تماماً كما دفعته رفعة أخلاقه مؤخراً إلى القول إنّ الرئيس (ميشال عون) يستدعينا، رغم الهوة التي تفصل بينهما.

الرجل اللصيق بخطّ المقاومة من لبنان إلى سوريا، لطالما شرّع أبوابه لهذا الخطّ، وكان أول "المشرعنين" له مسيحياً، ولذلك تنظر إليه بيئة "حزب الله" على أنّه واحد من نسيجها. ولكن رغم احتسابه في قلب هذا الخطّ، ومكوثه في قلبه، أتته الطعنة في معركة الرئاسة من بيت أبيه، لا لسبب إلاّ لأنّ الزعيم الذي يغلّف نفسه بحكمة نادرة، لم يقفز خارج أسوار الشمال صوناً لأسوار أخرى، بينما المطلوب شيعياً كان رئيساً امتداده على مساحة الوطن، يحمي ظهر "المقاومة" داخل الحدود، في ظلّ الرفض لأدوار "حزب الله" خارج الحدود.

صاحب العقل الراجح، المقيم في العقل المسيحي والقلب والوجدان، خرج بعيد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً، ليعلن انتصار الخطّ الذي ينتمي إليه، متخطياً الطعنات الكثيرة في الظهر والقلب من مقلب الذين فتح لهم قلبه، لا من مقلب أولئك الذين أدار لهم ظهره. وكبر عقله وقلبه كرّساه مرّة جديدة في الوعي المسيحي واللاوعي "حامل الأمانة" وحاميها.

سليمان بيك فرنجية الذي تقاس زعامته بحجم أدواره الوطنية، وبحجم مؤيديه غير المسجلين في السجل "المردي الحزبي"، وليس بحجم مراكزه الحزبية، ينحو في الانتخابات النيابية نحو تسجيل نقاط كثيرة في سجل الانتخابات الرئاسية المقبلة. فقد قرّر "ديك المردة" أن "يصيح" على مساحة الجغرافيا اللبنانية في الانتخابات النيابية، وبالتالي هناك أكثر من دجاجة ستصحو مرتعدة على كتلة تبدأ من زغرتا، وقد تصل إلى جزين.

الزعيم سليمان فرنجية الذي عاش في كنف جدّه الرئيس سليمان فرنجية، هو رئيس مع وقف التنفيذ. أكثر من مرّة وصلت لقمة الرئاسة إلى فمه. مرّة رفضها.. ومرّة انتزعت منه.. ولكن لقب الرئيس يحوم حوله دائماً. وهو حتماً يرى في صورته في المرآة، ملامح رئيس مقبل للبنان.. وقصر بعبدا حكماً في انتظاره.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.