"هندسة" فرنسيّة للبنان المستقبل!

الإنتخابات تكرّس اللامركزيات.. تمهيدا للفيدراليات

جورج  علم

إنها كريستين لاغارد.

مديرة عام صندوق النقد الدولي، إعتبارا من الخامس من تموز 2011. إنها وزيرة المالية، والشؤون الإقتصاديّة والصناعيّة في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي. إنها وزيرة الزراعة، والصيد، والتجارة في حكومة دومينيك دو فيلبان. إنها أول إمرأة تتقلد منصب وزير الشؤون الإقتصاديّة في مجموعة الثمانية، وأول إمرأة تترأس صندوق النقد الدولي، وأول إمرأة تصنّفها صحيفة "فاينانشال تايمز" كأفضل وزيرة للمالية في منطقة اليورو.

وماذا بعد؟…

إنها أول إمرأة تطرح فكرة "المؤتمرات الدولية"، لتمكين لبنان من إجتياز الأزمات التي تحاصره من الخارج، وتفقده توازنه من الداخل. بينها وبين رجل فرنسا الأول إيمانويل ماكرون صداقة ومودّة. الإثنان من عالم المال والأعمال.. الإثنان يؤمنان بالرقم.. الإثنان  ينتسبان الى المدرسة الواقعيّة.

عندما تسلّم ماكرون مقاليد الحكم، عقد سلسلة إجتماعات مغلقة مع "النخب" ـ بينها السيدة لاغارد ـ يومها قرّر ان تعود فرنسا الى الشرق الأوسط من البوابة اللبنانية، حيث التاريخ، والجغرافيا، وخرائط "سايكس ـ بيكو الحديثة"، والخصائص، والخصوصيات في العلاقات… يعرف ماكرون لبنان من خلال شبكات المال، ورجال الأعمال، وخصّه بزيارة عندما كان مرشحا لرئاسة الجمهوريّة، وقابل يومها كبار المسؤولين والفعاليات الروحيّة والإقتصاديّة، وحث مواطنيه على الإقتراع بكثافة، وعاد الى باريس بحنين لوطن الأرز.

لماذا هذه المقدّمة؟ وما العلاقة مع المؤتمرات الدوليّة الثلاثة؟!.

تشكّل التقارير الصادرة عن بيوت المال الدوليّة خريطة طريق لرجال المال والأعمال اللبنانيين، ومن ورائهم الطبقة السياسية التي تبني أمجادها على "ترف"  القطاع المصرفي الذي يشهد تحولات دقيقة وحساسة، لا بل تلامس في بعض الأحيان حدود خطر إنزلاقات غير محسوبة، او غير متوقعة. وتأتي حركة الوفود الدوليّة لخبراء المال والإقتصاد الى بيروت، السريّ منها والمعلن، لتعكس مدى إهتمام بيوت المال العالمية بالواقع الإقتصادي ـ المالي الداخلي، ومدى القدرة على أن يستمر القطاع المصرفي جسر عبور للصفقات والتحولات المالية ـ الإقتصاديّة الكبرى ما بين الشرق والغرب، خصوصاً في ظلّ الإستعدادات التي بدأت على قدم وساق لدى الشركات والمؤسسات الدوليّة الضخمة للمشاركة بورشة إعادة بناء، وإعمار سوريا.

أما الخلاصة المستنتجة لدى السيدة لاغارد، وغيرها من رجال المال والأعمال النافذين المتربعين في مراكز القرار، أن لبنان مكشوف، جيشه في عهدة الولايات المتحدة، أمنه في عهدة القرارين 1559 و1701، و15 ألف ضابط وجندي يتظللون علم الأمم المتحدة في الجنوب. قطاعه المالي والمصرفي بعهدة وزارة الخزانة الأميركيّة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وواقعه الإجمالي في حضن "المجموعة الدولية لدعم لبنان"، التي تجتمع وتقرر مقدار منسوب الأوكسجين الذي يفترض تمريره للجسم اللبناني كي يبقى يتنفّس وعلى قيد الحياة.

من هذا الواقع، لا بل من هذه الخلفيّة، قررت فرنسا أن تعود، وقررت العودة عبر تأشيرة إسمها المؤتمرات الدوليّة لدعم لبنان.

فلسفة هذه المؤتمرات تنحصر بإبقاء لبنان يتنفس، على قيد الحياة، الى حين تنتهي الحروب في سوريا، وينطلق العمل الدولي الجدي بحثا عن تسوية، عن نظام  يحظى بموافقة "الشعوب السوريّة" ـ والتوصيف للرئيس فلاديمير بوتن ـ ويكون قابلا للإستمرار.

يعرف القيّمون على هذه المؤتمرات، والمنخرطون في ورش التحضير لها، أن في لبنان فساداً من الطراز الرفيع، وأنه كناية عن مجموعة من المزارع والإقطاعيات الطائفيّة والمذهبيّة، يجمع ما بينها قرار توزيع مغانم الدولة المتأتية من الخارج، أو من صفوف الشعب، وفق حصص و"كوتات" متفاهم عليها بين زعماء الإقطاع السياسي، والمناطقي، والمذهبي، والطائفي. ولأن آفاق المعرفة واسعة  عند بيوت المال الدوليّة، وعواصم دول القرار، فإن الإصرار على عقد المؤتمرات، والسعي الى إنجاحها يهدف الى غايتين "ساميتين": تمكين لبنان من إجتياز مرحلة التحولات الكبرى في سوريا والعراق، ومنطقة الشرق الأوسط على وجه العموم. ثم الدفع به برفق نحو نظام مركّب يجمع ما بين الرئاسي والفيدرالي تحت شعار " تكريس وتوسيع نفوذ اللامركزيّة الإداريّة".

ويتحدث الفرنسيّون بصوت عال عن التطابق في الأولويات، عن القواسم المشتركة بين المؤتمرات، والإنتخابات، وعن السعي الناشط لتوفير فرص النجاح للإستحقاقين معا تحت شعار "التغيير" المندفع من الداخل بقوة إجراء الإنتخابات وفق القانون النسبي، والمندفع من الخارج بقوّة المؤتمرات التي يفترض أن تحقق النسب المطلوبة من النجاح، والمتفاهم عليها سلفاً.

ويؤكد السفراء الناشطون في المجالين، بأن الإنتخابات لن تكون  الجرّافة العملاقة ـ "البلدوزر" ـ الذي يغيّر معالم الطريق، ولا  الساحر "العمدة" الذي يغيّر وجوه السحرة، فالأحجام هي هي مع شيء من التغيير في المقاييس. والأوزان هي هي، مع بعض النواقص، او الزيادات. أما الغرض الأسمى فهو أن تكرّس الإنتخابات الخرائط السياسيّة ـ الجغرافيّة للفيدراليات اللبنانية، مع الحرص على التعايش بين أقليات مختلفة ثقافيّا عن أكثريات تتمايز فيها هذه اللامركزيّة عن جارتها الأخرى.

إن أهميّة القانون النسبي الذي أوحت به عواصم "المجموعة الدوليّة لدعم لبنان"، تكمن في مسألتين: الأولى، المشاركة في الحياة العامة بين مختلف المجموعات الثقافية المتنوعة في الدائرة الواحدة، بحيث يكون للأكثريّة ممثليها، وللأقليّة أيضا. والثانية، دفع المجتمع شيئا فشيئا الى التأقلم مع الواقع الجديد الذي يرسم له، من خلال تطوير "اللامركزيات"، وصولا الى الفيدراليات التي تحمي الخصوصيّة، والتمايز، لكن ضمن المجتمع الكبير، وفي حضن الدولة الر اعية، والمشرفة.

أما الغاية القصوى من المؤتمرات، فتنحصر بتمكين التغيير من الإنطلاق، والسير على الطريق المرسوم له بخطى ثابتة متحررة من لوثة الفساد، والمحسوبيات، والتطاول على القانون، والإنتظام تحت سقف المحاسبة والمراقبة، والتخلّص من التبعيات بكل أشكالها، وألوانها.

ويقرّ الفرنسيّون بأن الهدف من المؤتمرات ليس ضخ دم جديد في شرايين الإقتصاد، بل تحفيز الدول المشاركة على التطلع بعين المسؤولية الى التحديات الدخيلة على المجتمع اللبناني، والمتمثلة بالإرهاب الوافد من خارج الحدود، وايضا النزوح الوافد من خارج الحدود، واللجوء المستحكم داخل الحدود، والسلاح الذي ينتسب الى داخل الحدود ويعمل لمصلحة من هو خارج الحدود.. وهذا ما يستلزم البحث عن أمر مهمّة يكلّف بها المجتمع الدولي لتحرير الداخل اللبناني من الأثقال الملقاة على كاهله، وغالبيتها من النوع المستورد المفروض فرضاً، او من النوع  الذي دخل تحت عنوان "الظرفي والمؤقت"، وتحوّل مع الأيام الى "دائم ومستمر"!.

والمسؤولية التي خاضتها وتخوضها فرنسا لا تقتصر على التنسيق المباشر والمستمر مع الولايات المتحدة وروسيا الإتحاديّة والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي، للمشاركة والمساهمة في ورشة "إستنهاض الهمم والمعنويات" في لبنان، بل تركز بشكل خاص على دول مجلس التعاون الخليجي  الأولى بالمعروف اللبناني إنطلاقا من وحدة اللغة، والحسب والنسب. وما فعلته، وقامت به من مجهودات لعظيم وكبير. وهذا ما دفع برئيس الدبلوماسيّة الأميركيّة ريكس تيليرسون الى الحديث عن "الهندسة الفرنسيّة" للمؤتمرات الدولية الثلاثة خلال محادثاته في لبنان. وعندما يقرّ تيليرسون بهذه الحقيقة، يسقط كل لغط يدار حول توتير أمني مرتقب يطيح بالإنتخابات، او عدوان إسرائيلي، او تمنّع سعودي عن المشاركة والمساهمة، أو تأفف خليجي، فيما يرتفع بالمقابل منسوب الواقعيّة التي تؤكد بأن لبنان، بما فيه من تحديات، هو فعلا في عين العاصفة، لكنها العاصفة المستسلمة في حضن العناية الدوليّة الفائقة.

ويعترف تيليرسون بواقعتين تؤكد صوابية تشخيصه "للهندسة الفرنسيّة": الأولى، عندما أمسك الرئيس إيمانويل ماكرون بسماعة الهاتف في ساعة متأخرة من الليل ليتحدث الى الرئيس دونالد ترامب عن واقع رئيس وزراء لبنان سعد الحريري في الرياض عشية الرابع من كانون الأول الماضي، فما كان من الأخير إلا أن أيقظني من النوم ليسألني ماذا يجري بين بيروت والرياض؟. الثانية، عندما أصدرت تعليماتي الى السيد ساترفيلد  للتحرك على وجه السرعة على ضفتي القرار 1701  لمنع الإنفجار في حقل النفط والغاز رقم 9.

بدوره الرئيس ماكرون في طريقه الى بيروت بعد مؤتمري روما وباريس، يومها تكون قد توضحت أكثر معالم الهندسة الفرنسيّة تجاه "لبنان الآتي".. للتذكير فقط ـ ولمن خانته الذاكرة ـ كنّا  كلبنانيين  في العام 1916 من حصّة فرانسوا جورج بيكو، عندما رسم مع زميله البريطاني مارك ساكس خريطة الشرق الأوسط…

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.