الحريري لا عودة الى الوراء و"الزهر" قد رمي

بين ارتياحه لانفتاح الرياض وحذره من رسائل معراب

جوزف القصيفي

زيارة المستشار في الديوان الملكي السعودي نزار العلولا الى لبنان، هل ترمي فعلا الى فتح صفحة جديدة في العلاقات التي تأزمت بين بيروت والرياض في السنوات الماضية، أو أنها إشارة الى حرب ناعمة بقفازات من حرير، تتوسل معسول الكلام لبلوغ النتائج التي لم تتحقق بلغة التحدي ونهج المكاسرة، مع من تضعهم المملكة في مصاف الخصوم؟

للجواب على هذا السؤال لا بد من توطئة تضع اطاراً لحركة العلولا في لبنان. فهو استهل زيارته بلقاء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، فأغدق عليه المديح وقال كلاماً هادئاً وايجابياً، يمكن الاكتفاء بالجانب البروتوكولي منه، كما يمكن البناء عليه.

أما رئيس المجلس النيابي، فأشار امام النواب، خلال لقاء الاربعاء التقليدي في عين التينة، انه سمع من الموفد السعودي كلاماً ايجابياً للغاية عن لبنان ودوره التاريخي. بدوره اعرب رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري عن سروره لمجيء العلولا آملا أن تكون الزيارة فاتحة لعهد جديد من التعاون يعيد وصل ما انقطع بين البلدين.

وعلى أمل ألا تكون هذه الاطلالة السعودية الرحبة على طريقة "اسمع كلامك يفرحني…"، لا يجب الاقلال من أهمية الدعوة التي وجهها العلولا الى الرئيس الحريري لزيارة الرياض ولقاء كبار المسؤولين فيها. وهو لبّى الدعوة كرئيس للحكومة، وليس كرئيس تكتل نيابي وازن، وزعيم تيار شعبي كبير. وشتّان ما بين الدعوة التي توجه على أساس رسمي، وتلك التي توجه الى هذا الطرف أو ذاك من الحلفاء، لأنها تكون مختلفة في الشكل والهدف. ولكن ذلك لا يعني ان المسؤولين في المملكة والحريري لن يتطرقوا الى المرحلة السابقة، وما سادت العلاقة في ما بينهم من حالات مد وجزر، وكيفية ترميم هذه العلاقة، ولكن على أسس مختلفة.

الرئيس الحريري الذي لا يزال على موقفه من "حزب الله" وحلفاء سوريا في لبنان، لا ينسى انه على رأس حكومة جامعة تضم الحزب، وانه محكوم بالتعاون مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، خصوصاً بعد التسوية السياسية الكبيرة التي تمت بين التيارين الازرق والبرتقالي، التي جاءت بهما الى السلطة. وان الرئيس الحريري، ومن منطلق براغماتي، يعرف تماماً ان ابتعاده عن الرئيس عون وصدامه المباشر مع "حزب الله" لن يسهل عليه أمر العودة الى السراي الكبير. وبالتالي، فهو سيكون ملتزماً بمواقفه المبدئية، وفي الوقت نفسه سيعمّق التعاون مع الرئيس عون، وعدم المواجهة مع الثنائي الشيعي. وهذا ما سيرتب عليه نهجاً يبتعد عن غلاة 14 آذار الذين يريدونه على غرار ما كان عليه منذ العام 2005 وحتى العام 2016.

ولكن لا بد من الاشارة الى ان الرياض تتجه لتسوية علاقتها بالحريري بعد الانتكاسة التي تجلت بإعلان استقالته من رئاسة الحكومة من المملكة، وما تلا ذلك من تداعيات سياسية وتشنّجات أرخت بثقلها على المشهد العام، وهي تعرف انه لا يزال الاقوى سنياً، وان معاكسته لن تؤدي الى النتيجة التي تتوخاها نظراً للإرث الشعبي الذي تهادى اليه من والده، والعطف الواسع الذي ناله بعد "القطوع" الذي تعرض له اخيراً، فيما تفتقر أى "فرسان" قادرة على "المبارزة" وفرض قواعد جديدة للعبة.

على ان الواضح أن المملكة أبدلت سلم الاولويات السياسية، اذ تبين من زيارة العلولا أنها ابدت اهتماما خاصا بـ"القوات اللبنانية" ورئيسها سمير جعجع، وهذا ما دل اليه وصف العلولا قصر"معراب" بـ"بيتنا"، فيما بخل بمثل هذا الوصف على "بيت الوسط"، وفي ذلك رسالة واضحة بأن جعجع اصبح معتمد السياسة السعودية في لبنان و"معراب" قلعتها، وان الدعم الاساسي السياسي والمالي والخدماتي من قبل الرياض سيذهب بنسبة كبيرة اليهما. فبعد انفراط عقد قوى 14 آذار ورغبة "المستقبل" في التمايز عنها من دون الخروج على مبادئها العامة. ولم يعد في الميدان الا "حديدان"، و"حديدان" هذا ليس الا جعجع كونه الاقوى والأفعل بين منظومة هذه القوى التي أصبح من المتعذر لملمة شتاتها، واعادة توحيد صفوفها، بعدما تفرقت "أيدي سبأ".

ان العلولا وصل الى لبنان بعدما رمي "الزهر" على رقعة طاولة "النرد" الانتخابية، ولن يستطيع قلب الموازين على غرار ما حصل في العام 2009 عندما كان للمملكة دور حاسم، بما ملكت من امكانات، في تقرير نتائج بعض الدوائر التي بدّلت المعادلات، وأسهمت في ايصال اكثرية نيابية موالية لها، وان لم يؤثر ذلك في التوازنات الوطنية الكبرى، فاحتفظت الكتل الرئيسة بقدرتها على وضع "فيتو" في غير استحقاق.

ان رئيس "حزب القوات اللبنانية" المترسمل بدعم واضح من السعودية، بعث برسائل واضحة في "عدم وديتها" الى الحريري، و"نقف" على ادائه الحكومي معتبراً ذلك من أهم النقاط الخلافية بينهما. لكن السؤال المطروح: هل استغل جعجع انفتاح المملكة عليه، واشادتها به، واستعدادها لامداده بالدعم المطلق، لـ"يدق على الجامد" لرئيس الحكومة والضغط عليه قبيل اعلان اللوائح الانتخابية في غير منطقة، خصوصا أن لـ"تيار المستقبل" حضوراً وازناً طالما اتكأت "القوات اللبنانية" عليه في غير منطقة، مثل: دائرة بيروت الاولى، زحلة، البترون، الكورة. حضور ساعدها على حسم المعارك الانتخابية فيها لمصلحتها؟ أو ان الرياض هي التي نطقت بهذه الرسالة مستعينة بلسان جعجع؟

في اي حال، فإن الصورة ستبدأ بالاتضاح بعيد عودة رئيس الحكومة من المملكة. لكن ما هو مؤكد، فإن الحريري المرتاح الى الصفحة السعودية المفتوحة مع لبنان والراغب في تثبيتها على أسس شفافة، لن يقبل بإعادة عقارب الساعة الى الوراء.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.