المملكة و"المُلك" اللبناني و.. التوازن المطلوب

 نورما أبو زيد

ختامها مسك.. كلمتان تختصران آخر ما نطق به الموفد الملكي السعودي نزار العلولا في القصر الجمهوري.

تكرار العلولا قبيل مغادرته قصر بعبدا لجملة "فخامة الرئيس ستشاهدون جواً سعودياً جديداً.. ستشاهدون جواً سعودياً جديداً"، كان كفيلاً بغسل ثوب العلاقات السياسية اللبنانية ـ السعودية الذي اتّسخ بفعلِ "فِعْلَة" مع رئيس حكومة لبنان.

عادت السعودية إلى لبنان من باب العلولا، الذي أعاد ودّ العلاقات السابقة، من خلال دبلوماسيته الفائقة الاحترام، التي تركت صدى طيباً لدى مختلف القيادات السياسية اللبنانية.

من الواضح، أنّ مهمّات كثيرة أُوفد من أجلها العلولا إلى لبنان، على رأسها مهمّة طيّ صفحة وزير الدولة لشؤون الخليج ثامر السبهان. وما أشيع رسمياً في لبنان بعيد لقائه بكلّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان، يشي بأنّ العلولا نجح خلال زيارته البيروتية في امتحان طيّ صفحة "سياسة السبهان إخوان"، التي أحرجت السعودية وأخرجتها من لبنان من دون تعويض صرف على خدماتها السابقة التي عمرها من عمر لبنان.

طيّ السعودية لصفحة السبهان عن سابق إصرار وتصميم، هو أمر إيجابي بالنسبة للسعودية وبالنسبة للبنان، ولا بدّ أن يُؤخذ في الحسبان لبنانياً، لدى مدّ اليد اللبنانية لملاقاة اليد السعودية.

وإذا كان طيّ صفحة السبهان هدف الموفد السعودي الأوّل في الملعب اللبناني، لكي يتمكّن من إحراز أهدافه الأخرى، فيُسجّل له أنّه أحرز هدفه الأول بنجاح. ولكن هناك حتماً أهدافاً أخرى، ولذلك ما إن حطّ العلولا في بيروت، حلّقت بوصوله بورصة التكهنات بالمهمات اللبنانية المطلوبة من الموفد الملكي السعودي الملمّ بالملف اللبناني. ولذلك يمكن القول اختصاراً إنّ بعض الأهداف السعودية هي طيّ صفحات قديمة ثلاث، وفتح صفحات جديدة ثلاث: طيّ صفحة السبهان، وفتح صفحة العلولا. طيّ صفحة سوء العلاقات مع لبنان، وفتح صفحة جديدة جيّدة. وطيّ صفحة سوء العلاقة مع رئيس حكومة لبنان، وفتح صفحة جديدة وجيّدة.

هذا "الثالوث" السعودي الجديد، رسم خريطة الطريق السعودية للعلاقات اللبنانية – السعودية، رغم هواجس البعض من زيارات لمّ الشمل التي قام بها العلولا لحلفاء بلاده في بلاد الأرز، التي تقف على بعد شهرين من الاستحقاق النيابي.

قد يكون تدشين السعودية للموسم الانتخابي اللبناني هو سبب الزيارة الأوّل، وعليه قد تكون الزيارة الملكية السعودية زيارة "أبو كيس" على أبواب الانتخابات، ولكن لا ضير في ذلك، طالما أنّ المملكة تدخل البيت اللبناني من أبوابه. فـ "المكرمات" الإقليمية كثيرة، ولا اعتراض على المكرمات السعودية الآتية على صورة موفد، طالما أنّ هذا الموفد ابن أصول ويتّبع الأصول، وقد اتّبع العلولا الأصول.

تعلم السعودية مسبقاً، أنّ لمّ شمل صفوف الحلفاء لن يؤهّلها للفوز بأكثرية في المجلس النيابي. ويعلم لبنان أنّ تدشين السعودية للموسم الانتخابي بمكرمة ملكية لن يؤهلها للفوز بأكثرية في المجلس النيابي. ولكن لبنان والسعودية يرغبان بدور سعودي في لبنان، والشرط اللبناني الوحيد هو أن يكون هذا الدور متوازناً.. ويبدو أنّه سيكون كذلك.

يقول مصدر مطّلع على الخطة السعودية الجديدة للبنان، إنّ المملكة قرّرت اتّباع سياسة واقعية، تقرأ لبنان بتكويناته الطائفية، ولذلك قرّرت أن تتعاطى مع لبنان من دولة إلى دولة، وأكثر ما يؤكّد على هذا النهج الجديد، هو إسنادها الملفّ اللبناني لموفدها الملمّ، وانتزاعه من موظف كان يفتقر إلى الأهلية السياسية والأدبية.

يضيف المصدر: اقتنعت السعودية أنّ لبنان كان وما يزال وسيبقى "لبنانَين": لبنان معها، ولبنان ضدّها. ولذلك ستتخلّى عن حساسيتها المفرطة تجاه "لبنان الذي ضدها".

بحسب المصدر، لن تطلب المملكة من "لبنان الذي معها"، أن يحسم أمره مع "لبنان الذي ضدّها". ستتعايش مع الأمر الواقع، كما يتعايش اللبنانيون معه.

أدركت المملكة أنّها لن تستطيع "جرّ" لبنان كلّه إلى محورها، وأنّ ما كانت تطلبه لا يستطيعه لبنان.

يقول المصدر إن السعودية أيقنت بعد تجاربها، أنّ التعايش السني ـ الشيعي ـ المسيحي في لبنان، أفضل لها من التنابذ.

تاريخ لبنان لم يشهد يوماً توحداً. لم نتوحّد كلبنانيين يوماً، لأنّنا لم نتعوّد أن نكون لبنانيين أولاً، وإيرانيين وسعوديين وأميركيين ثانياً وثالثاً ورابعاً. ولكن السعودية وحّدتنا من خلال سياساتها المرتجلة، وجعلتنا لبنانيين أولاً. حتّى الطائفة السنيّة فوق الكيانيّة، طلبت من زعيمها سعد الحريري خلع العباءة السعودية عنه، والعودة إلى وطنه والتلحّف بعلمه.

في جردة سريعة لـ "حسابات" المملكة في لبنان خلال السنوات الأخيرة، يتّضح أنّ الخسارات كبيرة ورهاناتها كانت غير موفّقة.

  • وقفت السعودية وجهاً لوجه مع إيران في لبنان. "ربحت" إيران، وتراجعت السعودية. والسؤال الملحّ هنا، هل المشكلة في حلفاء الرياض، أو المشكلة في الرياض نفسها؟

في متابعة دقيقة، يتّضح أنّ المشكلة في الرياض، والأسباب كثيرة:

ـ اختارت السعودية لبنان لمنازلة إيران، رغم الفارق الكبير في ميزان القوى بين حلفائها وحلفاء إيران.
إيران وضعت استراتيجية للبنان، و"طحشت" بها في الحرّ والبرد والمطر والثلج، بينما السعودية توقّفت مع هطول أول حبات المطر.

ـ رغم الخطط قصيرة المدى التي وضعتها السعودية لنفسها في لبنان، طلبت من حلفائها اللبنانيين مواجهة مشروع طويل المدى اسمه سلاح "حزب الله"، مع علمها المسبق أنّ "النأي بالنفس" اختراع لبناني لحلّ قضية لا حلّ لها في المدى المنظور.

– أصرّت السعودية على "النأي بالنفس" رغم علمها بأنّ "النأي بالنفس" ليس منتجاً لبنانياً، وإنما منتج إيراني ـ سعودي، تنتجه طاولة ما زالت تفتقر إلى أرجل لن تنبت إلاّ مع اجتراح حلول لكلّ مشاكل المنطقة.

– بالرغم من خططها القصيرة المدى، جارت على حليفها اللبناني إلى أن أنهكته وأنهكت أتباعه الذين طالبوه بخلع عباءتها عنه.

لكلّ هذه الأخطاء، رهانات السعودية في لبنان كانت غير ناجحة، ولكن دورها المتوازن والموزون مطلوب لبنانياً لتحقيق التوازن في "لبنان المزدوج".

هناك فرصة جديدة وجيّدة للبنان والسعودية، وهناك جزء لبناني ـ عروبي كبير "موالي للسعودية" ولكن بشروط لبنانية. فهل تتقن الرياض اللعبة هذه المرة؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.