"فتوى" التمديد في دار الفتوى!

هل تجرى انتخابات مفتي طرابلس؟

ـ خضر طالب ـ

في 12 أيلول المقبل، يبلغ مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار السن القانوني للتقاعد (70 سنة للمفتين)، وبالتالي يفترض أن يجري انتخاب مفتٍ يخلفه في منطقة تشكّل لوحدها نحو 30 بالمئة من سنّة لبنان.

قبل نحو 27 سنة، عاد مالك الشعار إلى لبنان من غربته في دولة الإمارات العربية المتحدة، بطلب من رئيس الحكومة آنذاك عمر كرامي، من أجل المشاركة في امتحان الدخول إلى القضاء الشرعي. كان قرار مجلس الوزراء في حينه ينص على تعيين 7 قضاة بطريقة المباراة في مجلس الخدمة المدنية، لكن الشعّار حلّ في المرتبة 11، فاضطر الرئيس كرامي للعودة إلى مجلس الوزراء وتعديل القرار بزيادة عدد القضاة الشرعيين المطلوبين للتعيين، كي يستطيع تأمين تعيين الشيخ مالك الشعار. والواقع أن حلول الشعار في تلك المرتبة قد لا يكون بسبب ضعف، وإنما ربما بسبب غيابه الطويل عن لبنان وعودته المباشرة من المطار إلى مباراة مجلس الخدمة المدنية، فالرجل يحمل دكتوراه من جامعة الأزهر في العلوم الشرعية، ولديه خبرة كبيرة في إعطاء الدروس والمحاضرات الفقهية.

منذ ذلك الحين، أصبح الشيخ مالك الشعار صاحب مكانة وحضور في مجالس السياسيين، وكلمته لها وقعها وتأثيرها. وسريعاً تدرّج ليكون رئيس المحكمة الشرعية في طرابلس، حين كان العلامة الراحل الشيخ طه الصابونجي يشغل منصب مفتي "نصف لبنان"، حيث كان إفتاء طرابلس والشمال آنذاك يضمّ كل أقضية الشمال، ومن ضمنها عكار، لأن سنّة عكار يشكلون نحو 20 بالمئة من سنّة لبنان، وطرابلس والضنية والمنية والكورة والبترون وزغرتا يشكّلون 30 بالمئة من سنّة لبنان (طرابلس 20 بالمئة، والضنية والمنية 9 بالمئة، إضافة إلى بضعة آلاف في أقضية زغرتا والكورة والبترون هم بحدود 1 بالمئة).

لم تكن العلاقة جيدة بين المفتي الصابونجي ورئيس المحكمة الشرعية الشعار.. وبعد أن صار الشعار مفتياً لطرابلس والشمال (من دون عكار التي تم تعيين مفتٍ لها)، لم تقم علاقة جيّدة بين الشعار وبين رئيس المحكمة الشرعية الشيخ سمير كمال الدين، الذي شغل الموقع إلى وقت قريب. كما أن العلاقة بين الشعار ومفتي الجمهورية السابق محمد رشيد قباني لم تكن جيّدة، في حين كانت لديه علاقة شخصية ممتازة مع رئيس المحاكم الشرعية السنية العليا في لبنان آنذاك الشيخ عبد اللطيف دريان قبل أن تفسد هذه العلاقة بعد أن وقع الاختيار على دريان لانتخابه مفتياً للجمهورية، وهو الموقع الذي كان الشعار يعمل ليل نهار للوصول إليه.

والواقع أن علاقات الشعار لم تعرف استقراراً، فهو كان "كرامياً" منذ ما قبل عودته من غربته، حتى أن بيئته وعائلته وأشقاءه، كانوا من المقربين جداً إلى الرئيس الراحل عمر كرامي، وقبله إلى الرئيس الشهيد رشيد كرامي. لكن الشعار غادر "الحالة الكرامية" إلى "الحالة الحريرية" وتبنى خطابها السياسي. ثم في مرحلة أخرى تقرّب الشعار من الرئيس نجيب ميقاتي، قبل أن يعود إلى دائرة "الحريرية".

أما الخلاف مع المفتي دريان، فهو "مستوطن في الصدور"، وكل منهما يتعامل مع الآخر من موقعه، فالعلاقة الشخصية التي كانت تجمعهما هُدمت كل أعمدتها، ولولا أن القرار السياسي هو الذي يضبط الاختلاف بينهما، لكانت هناك صولات وجولات من المناكفات.

لم يعد الشعار يملك مروحة واسعة من العلاقات التي تمنحه أفضلية. عملياً، أصبح في دائرة الرئيس سعد الحريري بشكل شبه كامل. وهو على خلاف مع مفتي الجمهورية، وعلى خلاف مع الرئيس نجيب ميقاتي في طرابلس، وإن كان ميقاتي يدوّر الزوايا في علاقته مع الشعار. وبحكم اقترابه من "الحريرية السياسية"، فإن علاقته مقبولة مع الوزير محمد كبارة وجيدة مع النائب سمير الجسر والنائب عثمان علم الدين والنائب سامي فتفت.. لكن علاقته جيّدة مع الوزير السابق محمد الصفدي.

أما مع النائب فيصل كرامي فإن العلاقة سيئة جداً، بسبب مواقف اتخذها الشعار، ومنها ما يتعلّق بقضية الرئيس الشهيد رشيد كرامي. كما أن العلاقة مع النائب جهاد الصمد "غير سليمة".

لكن، وبالرغم من كل هذا السجل الحافل من علاقات المفتي الشعار غير المستقرّة، فإنه يبدو أنه ما زال يشكّل الخيار الوحيد لشغل منصب مفتي طرابلس والشمال، على ما يقول أحد المتابعين لهذا الملف الذي يرى أن "الظروف الموضوعية" تخدم استمرار المفتي الشعار في موقعه، للأسباب التالية:

ـ أولاً، إن إجراء انتخابات لمفتي طرابلس والشمال يفتح الباب لوقف مسلسل التمديد لمفتيي بقية المناطق والدعوة إلى إجراء انتخابات للمفتين في كل المناطق: زحلة والبقاع الغربي وراشيا، بعلبك، عكار، صيدا وأقضيتها، جبل لبنان، صور، حاصبيا ومرجعيون، جبيل..

ـ ثانياً، إن القرار السياسي، الداخلي والخارجي، ما زال يؤمّن للمفتي الشعار الاستمرار في مهمته.

ـ ثالثاً، إن معضلة البحث عن مرشح لمنصب مفتي العاصمة الثانية، يستطيع تأمين توافق سياسي في حدوده الدنيا، لا توحي بإمكانية حصول توافق على شخص محدّد.

ـ رابعاً، إن القوى السياسية لا ترى أن هناك مرشّحاً يمتلك حداً مقبولاً من المواصفات الشخصية لموقع بهذه الأهمية.

ـ خامساً، والأهم، إن معظم الأسماء التي يمكن أن تكون مرشّحة لمنصب مفتي طرابلس والشمال، إما أن أصحابها ينتمون إلى الفكر السلفي، أو إلى "الجماعة الإسلامية"، أو إلى "جمعية المشاريع ـ (الأحباش)". وبالتالي فإن موقع المفتي يجب أن يكون خارج دائرة هذه الانتماءات، خصوصاً أن هناك تأثيراً سعودياً ومصرياً في اختيار المفتي، وهذا يعني استبعاد المنتمين إلى هذه التيارات ولو "بالشبهة".

كل ذلك يؤدي حكماً إلى التعامل مع الواقع، فالمفتي الشعار يصبح "ضرورة"، إلا إذا جرى التفاهم على مرشح آخر من خارج الأسماء المتداولة ومن غير "المعمّمين"، وتحديداً من حملة الدكتوراه في العلوم الشرعية، وعددهم كبير، خصوصاً أن هذه الفكرة كانت طرحت سابقاً ليتولّى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى آنذاك الوزير السابق عمر مسقاوي هذه المهمة. لكن المنطق والمعطيات القائمة حتى اليوم، لا توحي بوجود مثل هذا الطرح، لأن هناك عوائق أخرى أمام حصول الانتخاب تتعلّق بحالة التمديد للمفتين القائمة في باقي المناطق.

وبحسب المعلومات المتوفّرة لـ"الرقيب"، فإن مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان ما زال متمسّكاً حتى اليوم بإجراء انتخابات وبعدم التمديد، وأنه ينتظر انتهاء فترة التمديد الممنوحة لكل مفتي في منطقته كي يدعو إلى إجراء الانتخابات وإنهاء حالة التمديد القائمة، ولذلك فهو لا يجد أن عدم إجراء الانتخابات سابقاً لمفتيي بقية المناطق عائقاً أمام إجراء الانتخابات في طرابلس، على أن تكون هي المحطة الأولى للانتخابات في بقية المناطق.

في المقابل، ثمة من يرجّح منطق التسوية في هذا الأمر، بحيث يتم التمديد للمفتي الشعار سنة واحدة، ثم في كل سنة يتكرر التمديد… إلى أن تحصل الانتخابات في كل المناطق.

ويبدو أن هذه التسوية تجد لها مؤيدين وتتمتّع ببعض الأرجحية، ما يعني بالتالي أن القرار السياسي قد طبخ عملية التمديد للمفتي الشعار، وأنه سيتم إعلانه قريباً.

بداية الرحلة

يروي أحد العارفين أن الشيخ مالك الشعار هو من خريجي القسم الداخلي في دار التربية والتعليم الإسلامية في طرابلس (الكلية الإسلامية)، وأنه غادر بعدها إلى المملكة العربية السعودية حيث تابع تلقي علومه الشرعية، قبل أن يعود إلى لبنان ويقرر متابعة دراسته العليا في الأزهر في مصر.

وبحسب الراوي، فإنه كان للشعار صديق دراسة في السعودية من دولة الإمارات العربية المتحدة تم تعيينه بعد سنوات وزيراً للأوقاف. وقد كان الشعار عندما يغادر إلى القاهرة لمتابعة رسالة الدكتوراه مع الأستاذ المشرف، ينزل في أحد الفنادق المتواضعة، نظراً لكلفة الدراسة والسفر المرتفعة. لكنه في آخر مرحلة من دراسته قرّر الإقامة في فندق خمس نجوم احتفالاً بإنهاء رسالته.

ذلك القرار كان نقطة التحوّل في حياة الشيخ الشعار، حيث صدف وجود صديقه الإماراتي في زيارة رسمية إلى القاهرة وإقامته في الفندق نفسه، فالتقيا وأصرّ الصديق الإماراتي على اصطحاب الشعار معه مباشرة من القاهرة إلى دبي من دون العودة إلى لبنان.. ومن هناك أصدر الوزير الإماراتي قراراً بتعيين الشعار في منصب "كبير الدعاة"، وبدأ الشعار رحلة أخرى في مسار حياته.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.