خريجو كلية التربية الصحافيون: لمعوا كالشهب

نهضوا بالصحافة.. وخلفوا فيها بصمات بارزة

ـ جوزف القصيفي ـ

(تحية الى الذين ثبتوا ريادة كلية التربية في بلاط صاحبة الجلالة)

كانت "كلية التربية" في "الجامعة اللبنانية"، إحدى أفضل كليات هذه الجامعة وأهمها على الاطلاق. وكانت تضم نخبة النخبة من الطلاب، وقد عرفت من العامة باسم "دار المعلمين العليا" وهي صنو مدرسة الـ"école normale supérieure"   الفرنسة الذائعة الشهرة. وتمنح هذه الكلية خريجيها شهادة "الكفاءة" بالمواد التي يتخصصون فيها. وذلك قبل أن يعينوا في ملاك التعليم الثانوي. ولم يكن متاحاً لأي طالب أنهى المرحلة الثانوية الانتساب إليها، إلا بعد خضوعه لامتحان دخول صارم، تشرف عليه لجنة معينة من مجلس الكلية، يتمثل في عضويتها مجلس فرع الطلاب، وذلك بغرض ضمان شفافية الامتحان، والتأكد من عدم التلاعب بالنتائج.

ولدى إعلان إدارة كلية التربية عن فتح دورات لإجراء امتحانات قبول لطلاب يرغبون بالتخصص في عدد من المواد، كان يتقدم المئات منهم. وأذكر انني عندما تقدمت للامتحان كمرشح  لدراسة اللغة العربية وآدابها على مقاعد الكلية نفسها، في مطلع سبعينيات القرن المنصرم، فاق عدد المتبارين ال٣٥٤، فيما الحاجة الى ٣٥ فقط. فحالفني النجاح، وحللت في المرتبة السادسة. وكان طالب كلية التربية يتقاضى منحة شهرية بقيمة مائتي ليرة لبنانية، وهو يعادل ثلثا راتب موظف من الفئة الثالثة في إدارات الدولة الرسمية، والمختلطة. وما لبث ان ارتفعت قيمة المنحة الى مائتي وخمسين ليرة، ما يعد مبلغا لائقاً، قياساً بمستوى الحياة في ذلك الوقت. ولم تكن مصروفاتنا  باهظة، لاننا كنا نستخدم باصات "مصلحة النقل المشترك" التي حلت محل "الترامواي" الذي أنهيت خدماته في أواخر الستينيات، في تنقلاتنا داخل العاصمة، ونتناول طعام الغداء في "كافيتيريا" الكلية التي كان يديرها "المعلم" أسعد وشقيقه جوزف من بلدة المتين، وكانت كلفة الصحن اليومي زهيدة اذا ما قورنت بالمطاعم المنتشرة في محيط  "الاونيسكو" والتي تتوسط كليتي الآداب والتربية، وكانت تفصل الواحدة عن الاخرى مئات قليلة من الامتار. كذلك كانت اسعار القهوة والمرطبات والعصائر.

وكان المتخرج من الكلية ملزماً بتوقيع عقد يتعهّد بموجبه التعليم في ملاك وزارة التربية – التعليم الثانوي – لمدة خمس سنوات تتجدد تلقائياً حتى بلوغ سن التقاعد، إلا إذا رغب الخريج بالاستقالة والانصراف إلى مهنة أخرى. أما في حال التمنع عن توقيع هذا العقد، فيتعيّن عليه أن يعيد إلى صندوق الدولة ما سبق أن تقاضاه طوال سنيّ دراسته.

وكان خريج "كلية التربية" موضع "حسد" خريجي باقي الكليات، لأن وظيفته مضمونة، وملاكه مميز، ويتقاضى "بدل اختصاص" يدخل في صلب راتبه، عدا المبالغ الاضافية التي تدخل جيبه من جراء مشاركته في المراقبة وتصحيح المسابقات في الامتحانات الرسمية السنوية بدورتيها الاولى والثانية، كما يتمتع بعطلة طويلة صيفاً تقارب الثلاثة أشهر، من دون احتساب أيام العطل الرسمية المتفرقة، الوطنية منها والدينية، وما أكثرها في لبنان.

"لوثة" الصحافة

لكن ثمة خريجين استبدّت بهم "لوثة الصحافة"، وبعضهم ولج عالمها وهو بعد على مقاعد الدراسة في الكلية، شأني أنا، واندمجوا في أجوائها وانغمسوا فيها كلياً، وآثروا مشقتها على رتابة الحياة وهدوئها الذي يلامس حدود السأم  في ميدان التعليم.

وكانت "سوق" الصحافة مفتوحة، وفرص العمل متاحة، والرواتب مجزية، ما حفّز من تمكنت منهم روح المغامرة الى الانقطاع لهذه المهنة التي شرعت الباب واسعاً أمامهم للابداع والعطاء في المجالات التي خاضوا غمارها، وسلاحهم ما تزودوا به من علم وثقافة، وحس نقدي. كيف لا و"كلية التربية" كانت منهلاً خصباً للأدب والشعر والفلسفة واللغة والتاريخ والتربية، والعلوم، وما يحيط بها من متفرعات. وقد توالى عليها أعلام أفذاذ خلفوا بصمات جليلة الأثر في ذاكرة لبنان الثقافية، وامتدت ظلال شهرة البعض منهم إلى العالم الأوسع، ورشح أحدهم لنيل جائزة "نوبل" للآداب. نعدّد: أنيس فريحة، جبور عبد النور، انطوان غطاس كرم، المطران جورج خضر، خليل حاوي، أدونيس، فريد نجار، حنا غالب، ميشال عاصي، علي شلق، إيليا حاوي، أحمد ابو حاقه، احمد حاطوم، مصطفى الشكعة، ظافر القاسمي، ريمون طحان، مجيد الايوبي…الخ.

قلبها اتسع لهم

منذ مطالع السبعينيات، اتسع قلب الصحافة اللبنانية لطلاب كلية التربية وخريجيها، لعلني في مقدم هؤلاء عندما أغراني الصديق جوزف توتونجي بأن أحل مكانه في الاشراف على الصفحة التربوية والطالبية التي كان يتولاها في جريدة "البيرق"، بسبب انتقاله الى القسم السياسي في الجريدة نفسها، وكان مهتماً بتوفير البديل، فوجد فيّ ضالته. لم أتردد لحظة في القبول، على الرغم من أن الكلية كانت تطبق على طلابها نظام الحضور الإلزامي، ما حتّم علي جهداً مضاعفاً. وكانت رحلة طويلة جداً، تخلّلها الانتساب الى "كلية الصحافة والاعلام" بالجامعة اللبنانية، وحصولي على إجازة جامعية في هذا الاختصاص، عززت رصيدي الأكاديمي بعد نيلي شهادة "الكفاءة في اللغة العربية وآدابها" من كلية التربية، فالاستقالة من وزارة التربية بعدما عينت في مكتب الوزير أسعد رزق، ومن ثم في وحدة العلاقات التربوية بـ"المركز التربوي للبحوث والانماء"، قبل أن أنتقل من وزارة التربية إلى مكتب وزير الاعلام بالاعارة. (وهو مصطلح قانوني متداول بين الوزارات).

وعندما صدر مرسوم استثنائي في بدايات عهد الرئيس أمين الجميل، بفتح باب الاستقالة أمام الموظفين في القطاع العام مقابل حوافز مالية محددة، كنت أول المبادرين، على الرغم من معارضة الأصدقاء المقربين ووالدتي، فيما ترك لي والدي – رحمه الله – حرية القرار، لانه كان موظفاً رسمياً ويعاني كثيراً للقيام بأود عائلته وتربيتها بالمعاش الزهيد الذي كان يتقاضاه، فلم يكن يمانع بانتقالي إلى مهنة " تطعم خبزاً" أكثر من وظيفة الدولة، خصوصاً إذا كان شاغلها نظيف الكف.

وظيفة محدودة الموارد لا يشفع بها الا اشتمالها على ضمان صحي أو الصندوق التعاوني، اللذين يقيان الموظف ذل التسكّع على أبواب المستشفيات .
ولم يكن والدي يعلم – ولا أنا أيضاً- أن دورة الزمن ستبدّل الصورة من حالٍ إلى حال. فالرواتب في القطاع التربوي، ولاسيما في التعليم الثانوي، ارتفعت كثيراً، وان المتقاعد من هذا السلك بات يتقاضى معاشاً يقارب الاربعة ملايين ليرة شهرياً، فيما تقع طبابته واستشفاؤه على عاتق تعاونية موظفي الدولة – درجة أولى.

انقطعت كلياً إلى الصحافة، والعمل الاذاعي. عملت في العديد من الصحف والمجلات اللبنانية والعربية في آن، إضافة الى "صوت لبنان"، وكانت أولى الاذاعات غير الرسمية بعيد نشوب الحرب  في البلاد، وكنت لها مندوباً ومراسلاً على مدار الـ٢٤ ساعة، ومعداً لنشرات الصباح الى جانب فريق من المحررين.

وفّر لي  عملي الصحفي والاعلامي دخلا محترماً، لكن غير ثابت، بسبب ما كان يشوب العلاقة مع أرباب العمل من مد وجزر، وغالباً ما يعود الامر إلى التوفيق بين الالتزامات وتعارض المواقيت واستحالة تلبية كل المتطلبات. غير ان الاهم  من ذلك كله أن عملي في هذه المهنة، مكّنني من نسج علاقات واسعة ووطيدة مع رجال السياسة ورؤساء الاحزاب وكبار المسؤولين الرسميين، المدنيين والعسكريين، كما مع رجال المال والاعمال، والقادة النقابيين، والادباء والشعراء والفنانين والرسامين. وفي كل مرة اتصفح فيها "ألبوم" الرسوم العائدة لتلك الحقبة، لا أتردد عن القول معلقاً: "لي ملء الفخر بأن من تعرّفت بهم، هم قامات وهامات، تنتمي إلى زمن جميل لن يتكرر".

الامتحانات انقذتنا من الموت

بإمكاني سرد الكثير من الذكريات الأليمة والطرائف عن تلك الحقبة. ذكريات واكبتها وعايشتها، وكنت أحيانا أحد أبطالها أو ضحاياها.

وقبل الانتقال الى رفاق "كلية التربية" الذين تعاطوا الصحافة، لا بد من التوقف عند الواقعة الاتية:

أسّس جان باسيلي مع نفر من أصدقائه مجلة باللغة العربية، تعنى بشؤون سباق السيارات، اطلق عليها اسم "سبورت ـ أوتو"، وطلب إلي التعاون معه، وتزويد المجلة بأحاديث صحافية مع أخصائيين في هذا المضمار، وقضايا السير، وكل الموضوعات ذات الصلة. فقبلت. ثم لم يلبث ان انضم زميل الصف في الكلية رشيد جبور حبشي لتحرير بعض المواد والتدقيق اللغوي. كنا نلتقي في مكاتب المجلة، الكائنة في مبنى "الجفينور ـ شارع الحمراء، قبل أيام من دفعها الى الطباعة لنتحقق من ترتيب الصفحات، وتركيب الصور وتوزيعها، وخلوها من الاخطاء.

وعندما وقعت الحرب في نيسان 1975، انقطعنا عن كلية التربية قسراً، كما عن مكتب المجلة، وكنا نختلس الوصول اليهما عندما كانت تعلن الهدنة بين المتحاربين.

وفي بدايات صيف ذاك العام عرض علينا باسيلي الانضمام الى الفريق الذي ينظم "رالي لبنان – سوريا" بنسخته الثانية، وتقديم المساعدة الاعلامية واللوجستية مقابل بدل مادي ونفقات الاقامة في دمشق. لكننا، الزميل حبشي وأنا، اعتذرنا عن عدم قبول العرض، لمصادفة موعد "الرالي" امتحانات السنة الرابعة في الكلية.

ما  ان اقلع باسيلي، يرافقه بول ناصيف ورودولف سعاده، من بيروت في اتجاه دمشق حتى اوقفه حاجز مسلح على مفترق بلدة مكسه القريب من زحلة، وسلبه مع زميليه كل ما يمتلكون من مال وساعات وسلاسل، واستولى على سيارته الجيب. واقتاد عناصره الشبان الثلاثة الى حقل مقفي غير بعيد من الطريق العام، حيث تمت تصفيتهم بدم بارد بإطلاق الرصاص عليهم. وقد طمر الجناة الجثث بطريقة عشوائية ولم يمض يوم على هذه الحادثة حتى عثر كلب أحد الرعاة على مكان وجود هذه الجثث وقد علاها الدم المتخثر، وكان مشهد تقشعر له الابدان عندما حضر رجال الدرك وفرق الصليب الاحمر لانتشالهم.

كان الحزن عميقا على فقد هؤلاء الاصدقاء، الذين تميّزوا بالوداعة وجمال الخلق والخلق. وهم من عشاق الرياضة، ولا شأن لهم البتة بالسياسة، وما عرفوا يوما استخدام السلاح. وكان جان باسيلي وعقيلته ماريا، فرحين بمولودهما البكر، وقد رزقا به قبل أشهر معدودة من وقوع الفاجعة.

ان امتحانات السنة الرابعة في كلية التربية، انقذتنا، نحن الاثنين: حبشي وانا. ابعدت عنا كأس الموت المحتم، لو كنا في عداد الفريق المتوجه الى دمشق. وفي كل مرة استعيد صورة تلك الفاجعة، أسائل نفسي بتحسر: ماذا جنى لبنان من هذه الحرب، ومَن مِن اللبنانيين، إذا خلا  لربه وضميره، يستطيع أن يجد لها تبريراً مقنعا لها؟. كلنا لحسن المبرد ولعقنا دمنا.. ولا نزال، ولو بأشكال شتى مختلفة.

فرسان الكلية في ميدان الصحافة

إذا كنت انحزت الى الصحافة وأنا على مقعد الدراسة الجامعية في كلية التربية، وعملت في العديد من الصحف والمجلات، ومن بينها: "البيرق" ـ  "السفير" ـ "النهار" ـ "الحوادث" ـ "لا ريفي دو ليبان"، ولم انتقل الى مهنة أخرى، فإن عدداً من الزملاء بدأوا منذ النصف الثاني من السبعينيات بدخول بلاط السلطة الرابعة، واقتحموه بقوة وثبات، بسلاح الموهبة والثقافة الواسعة واللغة المشرقة والديباجة الراقية. منهم من اختار الجانب السياسي من المهنة، ومنهم من انكب على الشؤون  الثقافية والادبية، وكانوا مميزين، لا بل متقدمين: جورج سمعان وزوجته مودي بيطار، جورج أبي صالح، غسان شربل، عبد الوهاب بدرخان، عقل العويط، عملوا طويلا في "النهار"، وتركوا فيها بصمات بارزة . معظمهم غادرها الى مواقع أخرى ولم يثبت فيها الا العويط.

انتقل سمعان من "النهار" الى "الحياة" وتدرج فيها حتى بلغ رئاسة التحرير. وكذلك شربل الذي خلفه في منصبه قبل ان يتحول الى "الشرق الاوسط" في المنصب عينه، وكان قبل ذلك رئيسا لتحرير مجلة "الوسط" الصادرة عن"دار الحياة". وأما بدرخان فكان وما زال كاتباً مميزاً، وقد تولى مهمات تحريرية في الصحيفة عينها. في حين ان طوني فرنسيس عمل في مكاتب "الحياة" في بيروت بعدما كان في فريق جريدة "البلد" منذ انطلاقتها، وكان من قبل صحافيا في جريدة "النداء " الناطقة بلسان "الحزب الشيوعي اللبناني". وهناك بشاره شربل  شقيق غسان الذي تولى مسؤلية العديد من الصحف في لبنان والكويت ودولة الامارات العربية المتحدة، واضطلع بادوار تأسيسية فيها، ومنها جريدة "البلد" البيروتية وجريدة "الجريدة" الكويتية، كما تولى لفترة ادارة "الاتحاد" الظبيانية.

انقطع جورج ابي صالح عن الكتابة المنتظمة وعمل مستشارا اعلاميا، وهو ناشط في نادي "انطلياس الثقافي".

على ان شربل داغر الاديب والباحث والشاعر، صاحب الكتب والمؤلفات والترجمات، فواظب على الكتابة في "الحياة" لفترة طويلة، وكان ضيفاً دائماً على المهرجانات الثقافية في مختلف البلدان العربية، ولاسيما في دول المغرب العربي، حيث بنى علاقات متينة مع كبار كتابها وشعرائها وروائييها ورساميها.

وان ننسى لا ننسى عباس بيضون الذي تولى مسؤولية الصفحات الثقافية في كبريات الصحف، وكان آخرها جريدة " السفير"، وكانت صفحته مميزة، وثرة بالموضوعات القيمة البعيدة عن التسطيح والابتذال. ويبرز في هذا المجال ايضا الشاعر والكاتب بول شاوول الذي تنقل بين عدد من المطبوعات قبل ان يستقر به المقام في جريدة "المستقبل".

اما الخريج انطوان بصبوص، فعمل في جريدة" لوريفاي" لصاحبها الرئيس امين الجميل، قبل ان ينتقل ليكمل دراسته العليا في باريس حيث راسل لسنوات مديدة اذاعة "صوت لبنان" متخذاً له اسماً مستعاراً هو"فادي نجار".

وفي سياق متصل، فإن الشاعرين المبدعين جودت فخر الدين وشوقي بزيع اللذين حصدا عدداً من الجوائز الشعرية ومنها جائزة "الشيخ زايد" و"جائزة سلطان العويس"، فقد مارسا الصحافة، من دون التفرغ لها، في عدد من الصحف اللذين زوداها بمقالات أدبية نقدية تناولت إصدارات وكتباً وموضوعات شتى، ومنها جريدة "الخليج" الإماراتية التي تصدر من الشارقة والتي تعود ملكيتها لآل تريم.

أما بالنسبة الى الصحافة الملتزمة، فلا يمكن المرور مر الكرام بسعدالله مزرعاني، الناشط الطالبي الشيوعي الذي تولى مسؤوليات قيادية في حزبه، وفي "الاتحاد  الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية، الذي مارس الصحافة في جريدة "النداء" وانتسب الى الجدول النقابي.

ويبرز من الناشطين السياسيين القيادي في "منظمة العمل الشيوعي" نصير الاسعد الذي شغل مناصب بارزة في الاتحاد، وهو عمل في "الحرية" و"بيروت المساء"، وفي التسعينيات عمل في جريدة "المستقبل" قبل أن يوافيه الأجل بعد صراع مر مع مرض عضال هزمه  إثر مقاومة عنيفة وطويلة له. إلى دلال البزري، احدى المسؤولات البارزات في المنظمة والناشطات السياسيات، التي عملت في "الحرية" و"بيروت المساء"، وهي كاتبة وباحثة حصلت على شهادة دكتوراه في العلوم الاجتماعية ومستشارة في منظمة "الاسكوا"، وصدر لها في حزيران 2017 "دفاتر الحرب الاهلية اللبنانية ـ 1975-1990"، وهو كتاب قدمت فيه، على ما يذكر ناشره، "فصلاً هامشيا ربما من فصول الحرب الاهلية اللبنانية… اوثق أيادي الاهلين وقادهم الى حيث هم الآن  فكان هناك وصف لتجربتها الشخصية في دفتر، ويوميات وتفصيلات في دفاتر أخرى…". وخصصت البزري حيزاً من كتابها للحديث عن كلية التربية بمودة وحنين، وعرفان واشتياق للايام الخوالي.

الى البزري والعويط وشاوول وبيضون وفخر الدين وبزيع وداغر وابي صالح، وثق غسان شربل الاحاديث والمقابلات التي أجراها مع كبار القادة العرب واللبنانيين وأمراء الحرب في بلادنا. وفيها كم من المعلومات والاسرار التي تفشى للمرة الاولى. وان مضمونها يصلح ليكون مادة ارتكاز لكل راغب في كتابة التاريخ المعاصر لهذه المنطقة.

كلية  رائدة

كانت كلية التربية كلية رائدة ومميزة بأساتذتها ومناهجها وموادها التعليمية وأساتذتها، مشرعة الأبواب أمام المتفوقين وأصحاب المواهب الذين يدخلونها عن جدارة، بعد امتحانات صعبة تجري تحت رقابة صارمة، ولا دور للوساطة أو الشفاعة فيها. وهي تكاد تكون أكثر الصروح التربوية شفافة. وعلى اكتافها نهض التعليم الرسمي، وبفضل خريجيها طبقت شهرة بعض الثانويات الافاق. وان طلابا من السنوات الثالثة والرابعة والخامسة فيها كانوا يدرسون في أرقى المعاهد الخاصة، ومنها "كارمل سان جوزف" في ڤردان التي هدمت ليبنى على انقاضها مجمع الـ(A.B.C)، وكان زميل الدراسة الشاعر المرحوم محمد العبدالله يطلق على هذا المعهد "رمل ظريف البورجوازية" للدلالة على تعاطف طالباته، المتحدرات من عائلات ارستقراطية، مع القضايا المطلبية، واستعدادهن الدائم لتلبية الدعوات الى التظاهر

ان الصحافيين من خريجي حقبة السبعينيات في كلية التربية، كان لهم دور بارز لا ينكر في الصحافة وتطورها. كتبوا بلغة جميلة، راقية، مهذبة واحيانا مبتكرة، وسقوها من خزين ثقافتهم. والكثير منهم انجذب اليها وطلق التعليم بالثلاث، على الرغم مما يوفره من دخل محترم ثابت، وضمانات صحية وما يوفره من تقاعد هو سلاح فاعل في مواجهة غدرات الشيخوخة. انها لوثة الصحافة التي تخطف العقول والقلوب الى عالمها، وتسترهن إرادة الداخل اليها، ولو زائراً أو على سبيل الفضول. حتى ان بعض رفاقنا في الكلية استهواه التصحيح، فكان يمضي ليله متابعاً، مدققاً، يعمل قلمه الاحمر متداركاً عثرات الاقلام، وهاجسه ان تبصر الصحيفة النور في اليوم التالي خلواً من الاخطاء الطباعية، الاملائية، واللغوية.

تحية الى جورج باخوس غانم الذي ترك بصمة في جريدة "النهار" التي صحح فيها طويلاً، والى انطوان سركيس الذي حرر وكتب في ملحق تلك الجريدة بعد ان عمل مصححاً لسنوات طوال، ورحم الله الامير عصمت الايوبي الذي كان من أبرز  المدققين اللغويين في دار "النهار" وسواها. وهناك من الخريجين من عني بالاخراج الصحافي وتصميم المطبوعات اليومية، وأبرزهم طلال يحفوفي الذي عمل كاتباً ومخرجاً ومصمماً في لبنان والخارج، واحتل بموهبته الفنية مكانة مرموقة، عدا أسلوبه الكتابي السلس والواضح.

سقيا لتلك الايام التي لن تتكرر، وحسب أبناء هذه الكلية انهم ما كانوا يوماً أصفاراً على شمال المواقع التي شغلوها، بل كانوا أعلاماً، لمعوا كالشهب، وأثاروا الابهار أينما حلوا.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.