"الحجاب".. سبب البطالة!

ـ هدى عبد الله ـ

"يستطيع من يشاء ان يتظاهر بما يريد، ولكن قلة قليلة فقط تستطيع تحقيق ما يسعى غيرها للتظاهر به".

في مجتمع يقدس الحرية والديمقراطية، ينادي بالمساواة، يتباهى بحداثة حضارته وتطورها، يحترم التعدد الطائفي ويغنّي للعيش المشترك، تحوّل الحجاب، الذي من المفترض أن يعبر عن حريّة شخصية وقناعة دينية تتعلق بالشخص وحده، الى قضيّة مستعصية تطارد المرأة اليوم على الصعيد المهني بشكل كبير، وتحوّلت معه كل هذه الأمور الى مجرّد مظاهر نتغنى بها ولا نطالها، بالإضافة الى انها تتناقض مع كل ما يعايشه الواقع.

رغم عدم وجود أي قانون يمنع ارتداء الحجاب، فالعلاقة بينه وبين العمل بالنسبة للبعض هي علاقة معقّدة يصعب شرحها، ولكنها حتماً لأسباب غير مقنعة. "إن وُجدت"، فالكفاءة غير ضرورية، والمهارة ليست من الأساسيات، والخبرة يمكن التغاضي عنها، أما العلم.. حسناً ضروري.. إذاً فلتكن الفتاة التي تبحث عن عمل" معلّمة وغير محجبة"! وكأن قطعة القماش تشكل رادعاً وحاجزاً حديدياً يمنع العقل من التفكير ويشلّ حركة الإبداع، أو أن العمل حكرٌ فقط على فئة معينة من الناس والحرية مقتصرة عليهم، ولا يحق للفئة الأخرى تصويب فكرها نحوه أو المطالبة بمثل تلك الحرية.

في كفة الميزان الأولى، الإشكالية القائمة اليوم لا تمثل صراعاً بين المظهر الخارجي والفكر ومن سينتصر بينهما، بل إن ما نشهده هو بروز سبب جديد للبطالة مرتبط فقط بالفتيات، فنجد بأن الجامعات اللبنانية تُخرّج سنوياً المئات والآلاف من الشبّان والشابات الجامعيين ذوي الاختصاصات المهمّة وأصحاب المعدلات العالية والمتفوقين والمتفوقات. تبدأ بعدها رحلة الألف ميل بخطوة البحث عن عمل ورسم المستقبل، فتهب رياح التمييز والحريّة المزعومة لتمحي أثر تلك الخطوة وتعيدهم ألف ميل الى الخلف.. وتتحول أحلام الفتيات المستقبليّة الورديّة الى سوداء حالكة، لا أماكن لإستقبالهن والسبب "الحجاب"، ويصبح كل ما عليهن فعله هو ملازمة المنزل، أما الشهادة فليُمسَح بها الزجاج علّهن يستفدن منها بشيء، رغم أنه مجرد رمز، لا يمتلك قوى سحرية خارقة تمنع صاحبته من مزاولة أي عمل ومهمة توكل اليها، فلا يشكل رادعاً عقليّاً وسداً للأفكار، ولا يدمّر قدرة الفتاة على النجاح والإبداع واتقان العمل، ولا يقلل من مشاركتها الفعّالة في كافة المجالات التي تطمح لها.

هذا من وجهة نظر الفتيات اللواتي شهدن حالات رفض متتالية للسبب ذاته. أما من منظور أرباب العمل وأصحاب المؤسسات والشركات والمحلات التجارية، يختلف الأمر كثيراً. منهم من يؤكد بأن المهارة والخبرة هما الأهم ان كانت محجبة أو غير محجبة، ومنهم من يرى أنه لا يمانع ولا ينزعج من الحجاب سواء كان موجوداً أم لا، فالإعتدال معه وبدونه بالنسبة له هو الأهم. ولكن.. إن كانوا جميعاً يشجعون الحرية الشخصية ويدعمونها علناً، فمن الذي يقوم بوضع طلبات التوظيف ويغرقها بعبارات لا تستدعي التفكير كثيراً لمعرفة الشروط المطلوبة " محجبة، غير محجبة، حسنة المظهر…"؟! أما في حال أقدمت الفتاة لتجرب حظها، فسيصدمها طلب أقل ما يمكن وصفه بالرديء "لديك مظهر لائق لكن الشرط الأساسي لقبولكِ هو أن تزيلي الحجاب".

اذا أردنا أن نغوص في هذا الأمر أكثر، فسنجد بأن الفتاة ذاتها محكومة وملزمة بنوعية معينة من الأعمال، ووجودها في مهن أخرى هو بمثابة تجاوز خطوط حمراء مقدّسة دولياً وكسر خطير في النمط المعتاد لها والمقرر عليها. فمثلاً في مهنة الإعلام، نلحظ عدم وجود أي اعلامية محجبة تظهر على الشاشات اللبنانية "غير الدينية "باستثناء محطة لبنانية واحدة. وهذه المشكلة ليست على الصعيد المحلي فقط، فمثلاً في المغرب مُنعت بعض المذيعات من الظهور على شاشة التلفزة المغربية بسبب ارتدائهن للحجاب.

أما في كفة الميزان الثانية، فالفتيات غير المحجبات لا يسلمن أيضاً من قمع الحرّيات والمعاناة والتمييز على حساب الأمر نفسه، فالشروط ذاتها والمطالب ذاتها والمحكوم عليها في القضية البائسة هي "الحرية الشخصية".
فبعض المؤسسات أيضاً تشترط على الفتاة أن تكون محجبة، أو أن ترتدي الحجاب حتى وإن كانت محتشمة بدونه، وهنا يبدأ صراع الحلال والحرام بما هو ممنوع وما هو مسموح، وما يقبل به صاحب العمل وما يرفضه حتى في أصغر التفاصيل، والتي في الأساس تجهلها الفتاة عن نفسها.
فبين محجبة وسافرة، الحال البائس واحد، لا بارتدائه  تنتهي الأزمة ولا بنزعه تحلّ المشاكل،  أما الرضى فغائب عن الطرفين و"ما حدا راضي".

لا يجب أن يتعدى الحجاب كونه رمز ديني وقناعة شخصية ويتحول الى شرط يحدد مصير الفتيات المهني، فهي وحدها من تمتلك الحق في تحديد نمط حياتها واختياراتها، لا أن نضعها في زاوية التخيير بين عملها وحريتها الشخصية. فوجوده أو عدمه في بلد يدّعي التطور، لا يلغي أو يقلّل من شأن الكفاءة والبراعة والجدارة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.