من سيكون "الكاثوليكي ـ الضحية" في دائرة صيدا ـ جزين؟

ـ نورما أبو زيد ـ

بلغت المناورات الانتخابية ذروتها في دائرة صيدا ـ جزين، خلال الأسابيع الفائتة، قبل أن يُعلن القرار النهائي بـ "شنق" حزب "القوات اللبنانية"، عبر استبعاد مرشّحه عن المقعد الكاثوليكي المهندس عجاج الحداد، عن اللوائح الانتخابية الوازنة.

وحدها لائحة "لكلّ الناس" (إبراهيم عازار ـ أسامة سعد) التزمت الوضوح منذ بداية المشوار الانتخابي، بحيث أعلنت بشكل واضح وصريح عدم إمكانية التحالف مع "القوات"، بينما في مقلبي التيارين "البرتقالي" و"الأزرق" تُرك هامش المناورة قائماً حتى ربع الساعة الأخير.

قبل اكتمال "بازل" اللوائح في دائرة الجنوب الأولى، بدا الكلّ "محشوراً"، ولكن في "حشرة" تركيب اللوائح، وحده حزب "القوات اللبنانية" اختار سياسة "حرق الأعصاب"، بينما الآخرين اعتمدوا سياسة "النفس التفاوضي الطويل". اعتقد "القواتيون" طويلاً أنّ لا غنى لهم عن "الحبوب الزرقاء" كي يدخل مرشّحهم البرلمان، ورغم المقدّمات التي كانت توحي بأنّ قرار "الشنق" متّخذ قبل فترة، انتظر الحزب مقويات "الحلفاء"، إلى أن وجد نفسه فجأة معلّقاً من رأسه، والهدف هو بالطبع فصله عن بقيّة الجسم السياسي، علماً أنّه لم يكن بحاجة لانتظار وقوف النائبة بهية الحريري على منبر المفتي سليم سوسان، وإعلانها عن خوضها الانتخابات بلائحة مستقلين، لتلمّس نَفَس "التيار الأزرق" في نسخة "الذهاب" إلى تحالفات بلا "قوات".

عندما زالت الغشاوة عن أبصار "القواتيين"، كسر أصحاب "الدائرة الحمراء" حُرم الصمت، واتّبعوا سياسة "العين الحمراء". اليوم، يتحدّث "قواتيو" جزين بعينين مفتوحتين عن "مناورة ـ مؤامرة"، مورست عليهم وبحقّهم في الأيام الأخيرة التي سبقت انتهاء مهلة إعلان اللوائح الانتخابية، بطلاها "التيار الوطني الحرّ" و"تيار المستقبل". يقول هؤلاء إنّ الحزبين غرّرا بهما من خلال لائحة توافق ثلاثية طرحاها، قوامها النائبة بهية الحريري والدكتور عبد الرحمن البزري عن المقعدين السنيين، والنائبين أمل أبو زيد وزياد أسود عن المقعدين المارونيين، والمهندس عجاج الحداد عن المقعد الكاثوليكي، ولكن المفاجأة أتتهم من دارة المفتي سوسان.

يؤكّد "القواتيون" أنّ ثمّة اتفاقاً غير معلن بين التيارين "البرتقالي" و"الأزرق" على "المناورة ـ المؤامرة" التي بقيت غير معلنة إلى أن كشفت عنها النائبة الحريري في دارة المفتي. يقول مصدر "قواتي" مسؤول إنّ "التيار الوطني الحرّ" ادّعى إدارة دفّة المفاوضات مع "تيار المستقبل" تحت عنوان استيلاد لائحة ثلاثية تضمّ مرشّح "القوات"، ويعتبر أنّ "الزرق" دخلوا مع "البرتقاليين" على خطّ "المؤامرة"، وهدفهما من ذلك كان إحراق مراكب "القوات" لمنعها من تشكيل لائحة، ليخلص إلى أنّ درس الأخوّة لم ينفع مع "التيارين" بلونيهما "البرتقالي" و"الأزرق". يقول من باب التذكير: في انتخابات جزين الفرعية، خضنا معركة "التيار" الانتخابية كما لو كانت معركتنا، إيماناً منّا بسياسة "أوعى خيّك" التي غلّفت "ورقة النوايا"، ولكن من الواضح أنّ "البرتقاليين" يغلّبون فطرياً في تعاملهم معنا نهج "قايين". أمّا في مقلب "الزرق"، فيحمل المصدر "القواتي" عتباً كبيراً على الذين ترافقوا معهم طويلاً تحت سقف عناوين سياسية وسيادية واحدة.

في سياسة "العين الحمراء" التي ينتهجها "قواتيو" جزين راهناً، لا يجد هؤلاء حرجاً في تسمية الأمور بأسمائها. يعتبر "القواتيون" أنّ قرار استبعادهم عن اللائحة الزرقاء اتّخذه كلّ من رئيس الحكومة سعد الحريري، ومدير مكتبه نادر الحريري. في هذا الإطار يقول المصدر "القواتي" المسؤول: قرار عزلنا صدر عن المرجعيات العليا، وبهية الحريري صدّقت عليه. ويرى أنّ هدف "الزرق" كان الاستفادة من أصوات "القوات" و"الكتائب" من دون التحالف مع أيّ منهما. ويشرح هنا أنّ الحريري لم تستقطب عن عبث إلى لائحتها كلّاً من المرشّح عن المقعد الكاثوليكي الدكتور روبير الخوري (القواتي السابق)، والمرشح عن أحد المقعدين المارونيين المحامي أمين رزق، نجل النائب السابق "الكتائبي" إدمون رزق، ليخلص إلى أنّ المحامي رزق بمقدوره استقطاب أصوات "الكتائبيين"، والدكتور خوري بمقدوره استقطاب أصوات "القواتيين".

بعد ترك حزب "القوات" معلقاً بين الحياة والموت، عبر منع "الحبّة الزرقاء" عن مرشّحه، اضطرت "القوات" للتعامل مع "الحبوب" التي تُعطى بلا وصفة طبية، في محاولة منها لتأمين حاصل انتخابي يمكّن مرشحها من الفوز بالامتحان. اعتقد حزب "القوات" وما يزال أنّ "الحبة الزرقاء" منشّطة، وأنّ "الحبوب" الأخرى مساعدة، ولكن قد تثبت الانتخابات النيابية أنّ "الحبوب المساعدة" أكثر نجاعة وفعالية من "الحبوب المنشّطة".

في اللائحة التي أبصرت النور على عجل، يحلّ المحامي و"الكتائبي" المخضرم جوزيف نهرا رئيساً. ويحلّ المرشّح "القواتي" عجاج الحداد عضواً، ومثله يفعل مرشّح حركة "11 آذار" سمير البزري. المرشحان غير "القواتيين" على لائحة "قدرة التغيير"، يدركان أنّ الفوز قد لا يكون من نصيبهما، وأنّهما يشكلان رافعة لمرشّح "القوات"، ولكلّ منهما أسبابه في "سياسة الأضاحي" هذه.

نهرا المحسوب في حزب "الكتائب" على خطّ سامي الجميل "الطوباوي" _ كما يعبّر _ هو صاحب خبرة سياسية وحزبية "عتيقة". الرجل المخضرم، عرفته جزين في الحرب مقاتلاً شرساً عنها. وفي السلم عرفه لبنان قائداً لمبادرات خلاقة، أبرزها دعم الجهاز الطبي في المؤسسة العسكرية عبر مكننة الطبابة العسكرية، خلال ترؤسه لـ "مجلس العمل اللبناني" في دولة الإمارات العربية.

في المعركة التي يخوضها نهرا مساندةً لمرشّح "القوات"، يعوّل على ذاكرة الجزينيين أولاً، ويعوّل على ماضيه وحاضره ثانياً، ويعوّل على الحضور "الكتائبي" في الوجدان الجزيني ثالثاً، ولا شكّ أنّ تحدّر والدته من عائلة جزينية يساعده في الحصول على أصوات من المدينة التي تنحاز بكليّتها في "الحزّات" إلى جزيني من عجينها وطينها، لا إلى مرشح من القضاء.

الهدف الأوّل الذي يضعه نهرا نصب عينيه، هو تأمين فوز الحداد، ولكن لديه أهداف أخرى ويعلنها، على رأسها إثبات المكانة التي يحتلّها حزبه في الوجدان الجزيني. برأيه العمل الحزبي في جزين متواضع، ولكن مكانة "الكتائب" غير محصورة بعدد المنتسبين. أضف إلى إعادة التأسيس لمرحلة "كتائبية" جديدة في القضاء. فبتقديره الانتخابات فرصة لتشكيل مجموعة "كتائبية" جديدة بأسلوب جديد يتماشى مع روحية الحزب الحالية.

في مقلب مرشّح حركة "11 آذار" سمير البزري، الأهداف المعلنة مشابهة لأهداف نهرا. يدرك البزري أنّه يشكّل من خلال اسم خاله رجل الأعمال مرعي أبو مرعي رافعة صيداوية عددية لمرشّح "القوات"، ولكن "حركته" تهدف أيضاً إلى تسجيل نقاط في مرمى الآخرين، أبرزها تسجيل رقم شعبي تقول من خلاله إنّ هناك مكاناً في المدينة لغير أبناء البيوتات السياسية التقليدية، على أن يكون هذا الرقم خميرة يُبنى عليها في الانتخابات النيابية القادمة.

قبيل الإعلان عن لائحة "قدرة التغيير"، خيّل لكثيرين، من بينهم "القوات"، أنّ البزري هو نقطة اللائحة الأضعف، ولكن قد تثبت الانتخابات النيابية القادمة، أنّ قوة اللائحة الأبرز تكمن في مرشّح حركة "11 آذار".

أولى نقاط قوة البزري هي أنّه ابن شقيقة رجل الأعمال المعروف مرعي أبو مرعي. فالوسطية التي تطبع شخصية الرجل بدءاً من اسم حركته، وصولاً إلى جزئيات مبادراته التوفيقية والتقريبية بعيداً عن الطائفية والمذهبية، تترك انطباعاً أكثر من جيّد في الشارع الجزيني، لا بل تشكّل حافزاً للجزينيين للتصويت لصالح اللائحة، بينما لا تتضمّن اللوائح الأخرى اسماً صيداوياً محفّزاً للشارع الجزيني، أضف إلى أنّ ما من عائلة في قضاء جزين لم تستفد من خدمات مركز مرعي أبو مرعي الطبي شبه المجانية. هذا المركز الذي لم يميّز يوماً بين طالبي الشفاء على أسس مناطقية ومذهبية وطائفية. هذا في جزين، أمّا في صيدا، فللرجل مساحة لا بأس بها من الشارع الصيداوي، ومن يقصد ديوانيته يتفاجأ بحجم الحشود الشعبية. يقدّم البزري من خلال خاله أبو مرعي مشروعاً إنمائياً حقيقياً للصيداويين، عبر تبنّيه لمشروع تطوير مرفأ صيدا الذي طرحه خاله مراراً وتكراراً منذ العام 1994 دون أن يجد في المدينة آذاناً تقدّر اللسان الذي ينطق بلغة الإنماء والاقتصاد والتطوير والتقدّم.

صحيح أنّ ترشيح أبو مرعي نفسه على لائحة "قدرة التغيير" كان من شأنه أن يحدث تغييراً كبيراً في عدّاد الأصوات، نظراً إلى اسم الرجل، وماضيه، وحاضره، ومبادراته الوطنية والإنسانية والتطويرية، ونضوجه، ولكن وجوده على رأس حملة ابن شقيقته له تأثيره الإيجابي دون شك. الرجل الذي لم يطلق رصاصة واحدة في الحرب، يطلق في السلم رصاصاً صائباً على سائر المرشحين الصيداويين. عندما يتحدّث عن المرشح الصيداوي على لائحة "لكلّ الناس"، يكتفي بالقول إنّ العالم لم يعد بالأبيض والأسود، لتفهم أنّ معركة "حركته" هي ضدّ الشعارات الرجعية. وعندما يتحدّث عن لائحة "التكامل والكرامة" يستنكر حالة الحداد الدائم، ويقول لسنا في مأتم مستمر، لتفهم أنّ معركته ضدّ الاستثمار السياسي بالمآسي. وعندما يتحدّث عن أحد مرشحي لائحة "جزين وصيدا معاً"، يستحضر قصة باراك أوباما الذي تسيّد أميركا وهو الآتي من القارة الأفريقية، لتفهم من تلقاء نفسك أنّه ليس لزاماً أن ينتقل المقعد النيابي من الأب إلى الابن وابن الابن.

في المحصلة، يتفاءل أبو مرعي بعدد الأصوات الذي ستحصده "حركته" في صيدا، ويراهن "على العمياني" على بصيرة الصيداويين، ليخلص إلى أنّ اللائحة قريبة من الحاصل الانتخابي.

أما في مقلب "أمّ الصبي"، يراهن "القواتيون" على أكثر من نقطة لتسجيل نقاط مرتفعة في عداد مرشّحهم الانتخابي.

عملية العزل التي تعرّض لها حزب "القوات"، شدّت العصب "القواتي"، وستدفع بكل "القواتيين" إلى الالتزام حصراً بالمرشّح الحزبي، دون الأخذ بالاعتبارات العائلية والمناطقية. وما ينطبق على "قواتيي" القضاء، سينطبق حتماً على "قواتيي" جزين المدينة، الذين سيلتزمون هذه الدورة بقرار القيادة، والتصويت للمرشح "القواتي" الذي ليس من أبناء المدينة. أضف إلى أنّ وضع "القوات" التنظيمي، يسمح لها باختصار الوقت رغم ضيق المهل الذي حشرت نفسها فيه.

يعتبر "القواتيون" أن الأرقام التي سيجنيها مرشّحهم في جزين ستشكّل صدمة لسائر الأحزاب، ولكنهم على غرار أبو مرعي لا يجزمون بنصر أكيد، وإنّما يعتبرون أنّ أرقام اللائحة ليست بعيدة عن الحاصل الانتخابي.

لا تعتمد "القوات" على أصواتها الحزبية فقط، في معركتها الانتخابية. فمرشّحها يتكئ على وسادة كبيرة من الناخبين ورثها عن والده الذي له خدمات تبدأ من أعلى قرية في قضاء جزين، وتصل إلى شطّ البحر في صيدا، ولو كان مقدّراً لأبناء صيدا التصرّف بصوتهم التفضيلي لصالح مرشّح جزيني، لأعطت شريحة واسعة صوتها التفضيلي لابن الرجل الذي لعب دور الإطفائي أيام اشتعال الجبهات بين صيدا وجزين.

بعد إعلان لائحة "قدرة التغيير"، دخلت لائحة رابعة حلبة الصراع الانتخابي في الدائرة الأكثر تعقيداً على مساحة الجغرافيا اللبنانية. فهل ينجح مرشّح "القوات" في سحب البساط من تحت أقدام مرشحي التيارين "البرتقالي" و"الأزرق" الكاثوليكيين؟ سؤال لن يتأخّر الجواب عليه.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.