من سينتصر: باسيل أم خصومه؟

ـ محمد شرف الدين ـ

لا يزال الحديث عن انتخابات رئاسية مبكراً. حتى العهد الجديد ورئيسه ميشال عون ينتظر الانتخابات النيابية المرتقبة، والحكومة التي ستتشكل من بعدها ليعتبرها الانطلاقة الفعلية للعهد. من جهته، يعتمد رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل استراتيجية "استنفار سياسي"، في محاولة لتأسيس كتلة نيابية للعهدين، الحالي والمقبل، علّها تكون وسيلته في الوصول الى الرئاسة الأولى بعد خمس سنوات!

ظهرت هذه "الاستراتيجية" بوضوح في اللوائح الانتخابية التي شكلها "التيار الوطني الحر" والتي طاولت الانتقادات تحالفاته مع أفرقاء معظمهم "ليسوا عونية" ولا يلتزمون توجهات "التيار"، وحتى إن تاريخها لا يمت بصلة إلى التيار، لا من قريب أو بعيد.

منذ بضعة أيام جرى التداول، على وسائل التواصل الاجتماعي، بخبر تضمن الاشارة الى "إستقالات من التيار البرتقالي احتجاجاً على إبعاد شخصيات ذات وزن فيه عن الترشيحات، إضافة الى التعبير عن الاستياء من التحالفات التي اجراها التيار في مختلف المناطق اللبنانية والتي تتناقض مع بعضها البعض"، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: التحالف مع "الجماعة الإسلامية" في عكار وصيدا، والتحالف مع "جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية" (الاحباش) في بيروت الثانية. والتحالف مع ميشال معوض في زغرتا وهو من صلب مكونات "14 آذار"..

يطمح جبران باسيل لأن يكون "التيار الوطني الحر" الحزب المسيحي الأقوى والأكثر تمثيلاً، بغض النظر عن هويات الشخصيات المرشحة والتي ستصل إلى المجلس النيابي، ما دام القرار السياسي مركزياً وفي يد واحدة، للحفاظ على "كتلة التغيير والاصلاح" على اعتبار أنها الكتلة التي أوصلت عون الى سدة الرئاسة، ويجب أن تحافظ على حجمها في الدورتين الانتخابيتين 2018 و2022 (مجلس النواب المنبثق عن انتخابات 2022 هو من سينتخب الرئيس المقبل)، لكي تستطيع أن تحقق طموح باسيل في الوصول الى بعبدا.

لكن في ظل "حروب الإلغاء" التي يخوضها باسيل، الى أي مدى يمكن اعتبار أن لخططه المستقبلية أي حظوظ؟ فباسيل "لم يترك له صاحب" لا عند ​الموارنة​ ولا عند غيرهم. فهو يعمق خلافه مع الرئيس ​نبيه بري​ ويلمح بنيته التصويت بورقة بيضاء في انتخابات رئاسة المجلس النيابي، كما فعل بري في انتخابات رئاسة الجمهورية، وتحالف مع الوزير ​طلال ارسلان​ "نكاية" بالنائب ​وليد جنبلاط​ بعد فشل التحالف الانتخابي معه، وكان قد عقد "تفاهم معراب" مع "​القوات" لقطع الطريق على ترشح الوزير فرنجية الى الرئاسة الاولى.

وباستثناء العلاقة مع "تيار الممستقبل"، لم يبق لباسيل أي حليف مفترض، وحتى "تفاهم معراب" بات يلفظ أنفاسه الأخيرة. فبمجرد أن يقول رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع أن العلاقة مع الوزير جبران باسيل "ليست جيدة"، وبمجرد إعلانه أنه "يضع عينه على وزارة الطاقة والمياه"، الأمر الذي رد عليه الوزير سيزار ابي خليل مغرداً "لأن نجاحكن الباهر في الوزارات بيسمحلكن بهيك طموح"، ما استدعى رداً ساخراً من الوزير ملحم رياشي، فهذا يعني أن العلاقة بين طرفي "تفاهم معراب" وصلت إلى ذروة توترها. واذ يؤكد الطرفان بأن علاقة "التيار" و"القوات" ليست بألف خير، والدليل عدم التحالف في أي دائرة إنتخابية من عكار وصولاً الى الناقورة والبقاع الشمالي والغربي فالأوسط، مروراً بجبل لبنان. ولكن على الرغم من ذلك، يتفق الفريقان على مبدأ واحد وأساسي: مبدأ رفض العودة الى مرحلة التوتر الذي كان قائماً بينهما قبل تفاهم معراب، إلا أن كليهما سائر في اتجاه معروف سلفاً بعد 7 أيار، استعداداً لتشكيل الحكومة وما بعدها، وإن هذا التفاهم لم يعد نافذاً.

في المقابل، يعتقد المتابعون للخريطة الانتخابية مسيحياً أنّ غالبية خصوم التيار المسيحيين، الحزبيين والمستقلين، تدبَّروا أمورهم ويستعدّون لخوض معركةٍ ناجحة في مواجهته. وبالتالي، فإن كل هذا الاستنفار لن يحقق لـ"التيار" غايته في الاحتفاظ بحجم كتلته الحالية. ويتوقع خبراء انتخابيون أن تنخفض حصة "تكتل التغير والاصلاح" من 27 نائباً فاز بها التيار في انتخابات 2009 (19 حزبياً و8 من أحزاب حليفة) الى أقل من 18 نائباً. فيما سيزداد، بحسب التوقعات، عدد نواب "القوات" من 8 نواب الى ما بن الـ 11 والـ 13 نائباً (وفق ما هو واضح في الجدول رقم 1) وسيحافظ حزب "الكتائب اللبنانية" على حجم كتلته النيابية (نحو 6 نواب، وفق الجدول رقم 2)، على رغم أزمة التحالفات التي عاشها. الأمر الذي من شأنه إحراج باسيل الذي لم يترك تحالفاً الا وعقده للحصول على أكبر كتلة، فيما استطاع الخصوم، أي "الكتائب" و"القوات" تحقيق تقدم وحدهم من دون شراكة مع أي طرف غير مسيحي.

في حال فشل باسيل في تحقيق ما يصبو اليه، ولاسيما عدم تكوين كتلة برلمانية يتطلع اليها، فإن أولى النتائج ـ وفق معارضيه ـ ستكون تراجع اسمه عن التداول للانتخابات الرئاسية المقبلة.

يخوض جبران باسيل في هذا السياق معارك في كل اتجاه لتثبيت استراتيجيته، لكن أكثر المعارك تأثيراً هي التي تجري داخل التيار نفسه، والانتخابات المقبلة ستحدّد مسار معركته داخل التيار. فمن سينتصر: جبران باسيل أم خصومه؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.