"موسم الحصاد" الانتخابي.. ومواسم "الإعاشة"

ماذا بقي من الممارسة الديموقراطية؟

ـ خضر طالب ـ

في العام 1992 كانت ورشة التحضير لأول انتخابات نيابية بعد الحرب كأن الناس تستعدّ للاحتفال بعيد جديد!

تقريباً كل من كان يعرف أكثر من 200 شخص بادر إلى ترشيح نفسه. كانت هناك أجيال تعرف معنى الانتخابات ولا معنى الترشيح ولا كيف تجري الانتخابات ولا كيف يجري احتساب الأصوات.. حتى لجان القيد كانت لا تعرف كيف تتعامل مع الانتخابات، فجرى إخضاعها لـ"مدارس تأهيلية" في التعامل مع الانتخابات وفرز الأصوات في لجان القيد الفرعية ولجان القيد المركزية.

لكن من المفارقات في تلك المحطة أن "تجّار الأصوات" تعاملوا مع الانتخابات كأنهم يحترفونها منذ زمن بعيد، وربما بعضهم كان قد شارك في آخر انتخابات نيابية قبل الحرب، أي قبل عشرين سنة.

في الذاكرة، كان المرحوم واصف فتّال قد تقدّم بطلب ترشيحه. الذين كانوا يعرفون "أبو السعد" كانوا يدركون أنه رجل متواضع لم تغيّره الثروة التي جمعها في غربته في أفريقيا، لكن الأهم أن "أبو السعد" كان صاحب نكتة حاضرة.

حوّل "أبو السعد" الباحة تحت البناية التي يقيم فيها (ويملكها) مقرّه الانتخابي. يجلس يومياً فيه لاستقبال "المؤيدين" و"المصفقين" لوصول "حبيب الشعب" إلى مجلس النواب. لم يكن واصف فتال قادراً على القيام بجولات انتخابية لاعتبارات صحية، لكن ما المشكلة طالما أن الجولات الانتخابية تأتي إليه في "غرفة العمليات"؟

عدد الذين يجلسون في "ديوانية" واصف فتّال يومياً بالمئات. الضيافة لا تتوقّف: دخّان وقهوة وشاي.. وما لذّ وطاب.

بقي "أبو السعد" على هذا المنوال طيلة شهر ونيّف حتى اقترب موعد الانتخابات. كان الرجل يستمتع بما يسمع، ويحمل ورقة صغيرة يدوّن عليها "مطالب الشعب". يتناوب على الجلوس بجانبه اشخاص لم يرهم في حياته، يتحدّثون معه همساً، فيسحب الورقة من جيبه ويسجّل عليها.

قبل موعد الانتخابات بأسبوعين نظّم "أبو السعد" مهرجان انتخابي صغير في الباحة نفسها. وقف واصف فتّال بين "الجماهير" ليخطب فيهم. الكل ظنّ أن "أبو السعد" سيلقي خطاباً حماسياً يزلزل الأرض تحت أقدام اللوائح ويدعو الناخبين إلى يوم الاقتراع. لكن "أبو السعد" وقف بين هؤلاء وأعلن أنه ينسحب من الانتخابات!

لم يعرف أحد لماذا قرر واصف فتال الانسحاب بعد ان أنفق الكثير في "غرفة العمليات الانتخابية". إلى أن سأله في المساء أحد أصدقائه الذين تجمّعوا في منزله، عن سبب انسحابه. بهدوء شديد وابتسامة صغيرة، سحب "أبو السعد" ورقة من جيبه وأجاب: "على الورقة والقلم، معي مليون صوت انتخابي بيعملوني رئيس جمهورية.. ليه بدي اترشّح على النيابة؟!". لم يفهم الحاضرون مقصد واصف فتال، فأكمل جوابه: "كنت استقبل ناس ما بعرفهم، بس كانوا يطلبوا مني طن اسمنت وطن حديد وأموال، مقابل أصوات. هيدا عنده ألف صوت وهيدا عنده 5 آلاف صوت… كنت سجّل كل يوم أديه رح احصل على أصوات، ولقيت أنه معي مليون صوت.. مع أنه عدد الناخبين بكل لبنان هو مليون صوت!".

بقيت أمثولة واصف فتال حاضرة في الذهن، ويردّدها الذين يعرفونها، باعتبارها مثالاً لـ"البازار" الانتخابي المفتوح في الانتخابات النيابية، مع أنها كانت أول انتخابات بعد الحرب.

في العام 1996، حصلت أمثولة أخرى يرويها المحامي محمد البعريني، نجل النائب آنذاك وجيه البعريني. كانت المعركة الانتخابية محتدمة بين لائحتين رئيسيتين ومنزلهم مفتوح ليلاً نهاراً كعادته لاستقبال المؤيدين وتلبية طلبات الناس. يدخل رجل "عليه القيمة" يحمل "سامسونايت" وسيكاراً تفوح رائحته قبل أن يدخل الباب، ويرتدي بذلة وربطة عنق. يُستقبل الرجل بكل احترام ويجلس إلى جانب وجيه البعريني ويهمس في أذنه، فينادي الأب إبنه المحامي محمد ويطلب منه متابعة الموضوع مع "الأستاذ" الضيف.

في غرفة جانبية، قال الضيف إن لديه 3 آلاف صوت، ويريد بيعهم بـ 100 ألف دولار. استمع محمد البعريني إليه ثم بدا بمفاوضته نزولاً وصعوداً وبدا الرجل يفك ربطة عنقه.. في نهاية نصف ساعة من "المفاصلة" كان الرجل يقف عند باب الغرفة ويسأل محمد البعريني "طيب على القليلة كارت تشريج تلفون"!

لم يكن الرجل يملك حتى صوته، بينما يريد بيع 3 آلاف صوت، وانتهى بطلب كارت تشريج خليوي.

هذان النموذجان صارخان في حسابات الانتخابات وتجارة الأصوات.. لكن تجارتها كانت تحصل "على الضيّق"، وكان "التاجر" يتحدّث همساً.. أما اليوم، فإن "تجارة الأصوات" الانتخابية كأنها صارت "شرعية"، وتبدأ من رئيس اللائحة وصولاً إلى كل مرشّح يها.

صارت الانتخابات موسم حصاد مالي لرؤساء اللوائح والمفاتيح الانتخابية وللناخبين.

لكن انتخابات 2018 هي نموذج صارخ عن شراء الأصوات الانتخابية وبيعها. الكل يريد البيع، الأم في المنزل ترفض الانتخاب قبل أن تقبض ثمن صوتها، والب كذلك والإبن…

صارت الانتخابات موسماً تجارياً لكل العاملين فيها. بعض رؤساء اللوائح جمع مئات الملايين من الدولارات، وبعض المرشحين مستعدون لدفع عشرات الملايين من الدولارات… أما الناخبون فيريدون مئات الدولارات، وفي دوائر معينة قد يصل الصوت إلى ألف دولار.

في الأساس، لم تعد الانتخابات النيابية تعني التمثيل الشعبي الحقيقي. صارت الانتخابات تعني المتموّلين الذين يستطيعون شراء مقعد على لائحة قوية، ويستطيعون الإنفاق على الماكينة الانتخابية، ويستطيعون دفع أجور المندوبين وتنقلاتهم وأكلهم وشربهم، ويستطيعون دفع أجور السيارات وحفلات الطبل والزمر وثمن الصور وأجرة مكان تعليقها الذي يختلف بين المواقع "الاستراتيجية " والمواقع الثانوية، فضلاً عن الأماكن الأكثر كلفة على جدار بناية من 10 طوابق.. وكذلك ثمن الأصوات التي سيشتريها بمعياري الحاصل الانتخابي والصوت التفضيلي.

أما رؤساء اللوائح، فيضعون "رسوم" انضمام المرشحين إلى لوائحهم في خزائنهم، ويراكمون الثروات.. ويرفعون شعاراتهم السياسية والحزبية والمناطقية والتنموية والمذهبية والطائفية… تعويضاً عن الانفاق.. فهذه العصبيات تستطيع توفير الكثير من الانفاق الانتخابي.. حتى ولو أدت على مشاكل ودماء.

لم تعد الانتخابات ديموقراطية.. صارت الانتخابات موسم حصاد.. والذي لا يملك منجلاً يجلس في منزله ينتظر صندوق الإعاشة في رمضان والأعياد.. لعله بذلك يحفر في ذهنه أنه لم يرتكب معصية بيع صوته في سوق النخاسة الانتخابي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.