هل تمر طريق السراي الحكومي من الطريق الجديدة؟

ـ فتات عيّاد ـ

هم الذين أتموا "البيعة" للحريرية السياسية منذ العام 2000، وكانوا على "الوعد" و"العهد" لابن الشهيد رفيق الحريري في الـ 2005، احتضنوه ورافقوه على نفس الدرب، وشرعية رئاسة الحكومة أعطوه وكانوا لأجله مستعدين لخوض حرب! ثم هُزموا وكُسروا في السابع من أيار المشؤوم، لكنهم انتخبوه في الـ2009، ولم يترددوا في الهتاف "الله، حريري، طريق الجديدة" حتى بُحَّت حناجرهم، وجفَّت جيوبهم وخلَت بيروت حبيبتهم منهم.. هذا البيروتي هل يعيد للحريرية السياسية شرعيتها من معقل أهل السّنة بيروت؟

يعيش سنَّة العاصمة اليوم، ولا سيما أهالي الطريق الجديدة، ازدواجية الهوى، فبيروت "الخاسرة" في 7 أيار 2008 تحاول الظفر بـ"الانتصار" في 7 أيار 2018، هي لن تفرّط بمقاعدها الحريرية، ولن تؤجِّر سماءها "الزرقاء" لأحد، ولن تسمح باجتياح "قمصان سود" جديد، حتى ولو أتى على شكل أصوات "صفراء" في صناديق الإقتراع…

من جهة أخرى، هي متخوفة على لقمة العيش، تلوم من اعتقدت أنها تستطيع الاستناد عليه، لكن هل الوضع المعيشي وحده الذي هزَّ صلابة الشارع الحريريّ؟ وهل ما زالت شعارات تيار "المستقبل" تقنع جمهوره؟ وهل تحميه خرزةٌ زرقاء من عيون الحاسدين؟

كيف تتوزع أصوات الناخبين في بيروت الثانية؟

تضم دائرة بيروت الثانية في القانون الجديد مناطق: رأس بيروت، دار المريسة، ميناء الحصن، زقاق البلاط، المزرعة، المصيطبة، المرفأ والباشورة. وتضم هذه الدائرة 11 مقعداً (6 سنة، 2 شيعة، 1 درزي، 1 إنجليي، 1 روم أرثوذكس). يبلغ مجمل الناخبين المقيمين والمغتربين حوالي 350 ألف صوتاً. في هذه الدائرة أغلبية مسلمة، حيث أن نسبة الناخبين السنة لوحدهم حوالي 62 %، ثم يأتي الشيعة بنسبة 20 %، وتتوزع النسبة الباقية بين الموارنة والدروز والروم والأرمن الأرثوذكس والأقليات المسيحية واليهود والروم الكاثوليك والعلويين. سجلت بيروت نسبة اقتراع خجولة في انتخابات 2009 فهي بلغت 40 %، ويُتوقع أن يبلغ الحاصل الإنتخابي في الإنتخابات المقبلة 13000 ألف صوت.

دائرة بيروت الثانية "فاضت" بلوائحها التسع، وكانت الدائرة الأكثر عدداً من حيث اللوائح، ما يعني أن القانون النسبي ليس العامل الوحيد المحفز للترشح فيها، فغضبُ الشارع البيروتي من الطبقة السياسية ككل، واعتراض قسم من البيئة البيروتية الحاضنة للحريرية السياسية على أدائها، واعتبار الأهالي أن أحداً من النواب لم يلتمس حاجات أهل المدينة، والتنازلات السياسية… كلها كانت بيئة حاضنة لـ"فوضى" الترشيحات.

يعرف تيار "المستقبل" أن القانون النسبي سيأخذ من مقاعده، لكن معركته في تمثيل الشارع السني تتجسد بأكثرية المقاعد السنية. للوزير نهاد المشنوق والرئيس تمام سلام حيثيتهما في العاصمة، وزاهر عيدو أيضا كونه ابن الشهيد وليد عيدو، ويبقى لرولا الطبش وربيع حسونة حصد المقاعد السنية المتبقية التي يحاول التيار تأمينها لهم من فائض الأصوات التي ستعطي للحريري صوتها التفضيلي. فهل تنجح ماكينته الانتخابية في توزيع الأصوات بنجاح؟

لوائح الخصوم وحظوظ فوزها

الواضح أن الخصم الأشرس بوجه الحريري يتمثّل في لائحة "وحدة بيروت" التي تضم الثنائي الشيعي المتحالف مع "جمعية المشاريع" و"التيار الوطني الحر"، والتي يُتوقع أن تفوز بحاصلين انتخابيين، لتفوز بالمقعدين الشيعيين مع احتمال تأمين حاصل ثالث يؤمّن مقعداً لـ"الأحباش".

لائحة "لبنان حرزان" يرأسها فؤاد مخزومي الذي لا يرى فيه معظم البيارتة سوى ملياردير "حرزان" وثقله "ملايين" في الميزان، قريبة من عتبة الحاصل الانتخابي!
تدحض لائحة "بيروت الوطن" التي يرأسها صلاح سلام (رئيس تحرير جريدة اللواء) والمدعومة من "الجماعة الإسلامية" نظرية أن تكون تفرعاً من التيار الأزرق، وتشدد على "بيروتية" مرشحيها، هي أيضا عند عتبة الحاصل الانتخابي.

تبقى 5 لوائح هي: لائحة "كلنا بيروت" الممثلة عن المجتمع المدني برئاسة ابراهيم منيمنة (مرشح بيروت مدينتي في الانتخابات البلدية)، و"صوت الناس" المدعومة من "حركة الشعب" و"المرابطون" و"بدنا نحاسب" ومستقلين… ولائحة "البيارتة المستقلين" برئاسة وليد شاتيلا، و"كرامة بيروت" برئاسة القاضي المتقاعد خالد حمود، و"المعارضة البيروتية" مدعومة من الوزير السابق أشرف ريفي.

حظوظ هذه اللوائح بالحصول على الحاصل الانتخابي صعبة، وستؤدي الى تشتيت الأصوات وانخفاض الحاصل مما يخدم اللوائح الاخرى. لكن لا شيء مستحيل مع القانون النسبي، فالـ 60% من أهالي بيروت الصامتين، والشباب الذين حُرموا من الإنتخاب لتسع سنين، قد تقلب أصواتهم الحسابات والموازين!

استراتيجيات المحاربة: لقمة العيش أم الكرامة؟

تحاول معظم اللوائح المنافسة لـ "المستقبل لبيروت" والمخاطِبة للشارع السني، إظهار ضعف الحريرية السياسية والإقتصادية، معوّلةً على تحفيز البيارتة ضد مؤتمر "سيدر" على قاعدة أنه "يبشّر" بارتفاعٍ ضرائبي، وعدم المقدرة على شراء شقق للبيروتيين، والبطالة وتغييبهم عن وظائف الدولة. واعدين الناخبين بتأمين حقوق حرموا منها. أما على المقلب السياسي فيستنكرون "التنازلات" المستقبلية لصالح "محور الممانعة".

الوزير نهاد المشنوق يحارب طواحين "المشروع الفارسي" ويدعو الى حماية هوية بيروت العربية، أما الحريري فيدعو الى تكثيف الأصوات معتبرا أن كل ناخب لا يصوّت يهدي صوته لـ"حزب الله"، ويسمح له بالإستيلاء على قرار بيروت.

ومع اعتماد الخطاب الحريري لغة شد العصب، والوعود بوظائف سينتجها "سيدر"، وعدم المس بالملعب البلدي لما له من ذكرى في وجدان أهالي الطريق الجديدة، ومطالبة الناخبين بـ"النصر" في 7 أيار المقبل تعويضاً عن 7 أيار القديم، بدا أن الناخبين لا يعنيهم الخطاب السياسي كثيراً، وهم يعوّلون على الإنفاق الانتخابي الذي يعوّضهم جزءاً من أزماتهم.

ماذا يقول أهالي الطريق الجديدة؟

تقول نادين (29 عاماً) إنها ستعطي صوتها التفضيلي لسعد الحريري: "أتعاطف معه، فهو قد خسر أباه وحمل الحِمل باكراً. لا تنكر نادين أنها لن تستجيب لطلب ماكينة تيار "المستقبل" منها التصويت لشخص آخر في اللائحة: "تصويتي للحريري نابع من حبي لشخصه، بمعزل عن أدائه السياسي، وأنا واثقة أنه هذه المرة سيحسّن أداؤه".

أما لارا (24 عاماً) فتقول: "ماذا قدم لنا الحريري؟ المخزومي فتح لنا مؤسساته وأنا شخصيا تعلمت فيها لذا سأعطيه صوتي التفضيلي، وإذا وصل ولم يغيّر شيئا لن أعيد انتخابه".

سامي (33 عاماً)، لا يُخفي انتظاره التمويل: "سأعطي صوتي لمن يدفع أكثر".

أما سارة (29 عاماً) فتقول: "لم يؤمّنوا لنا وظائف، بل ذهبوا بنا إلى الإفلاس، الحريري متفق سياسياً مع الحزب ونحن لسنا بأغبياء كي يستعمل 7 أيار ورقة ضاغطة علينا، سأعطي صوتي للائحة منبثقة من المجتمع المدني على أمل بالتغيير".

منيرة 56 عاما: "قريبي كان عاملا لدى سعودي اوجيه، وها هو قد ضاعت حقوقه، ولذلك لن أصوّت لأحد".

أما نجيب 60 عاماً يشدد على أن التغيير لا بد له من أسماء جديدة لأن "تكرار السلطة السياسية سينتج الفساد نفسه، انا شخصيا سأعطي صوتي للائحة بيروت الوطن لانها تجمع عائلات بيروتية اصيلة".

أما ديما(40 عاما): فتقول: "أنتخب الزهيري الذي أوهمنا انه اختُطف؟ أو عماد الحوت الذي لم يفعل شيئاً؟ أو مرشح المشاريع الذي تعب من حضور المناسبات؟ ام لائحة أشرف ريفي المتطرف؟ او سعد الحريري لأنه يحتاج خرزة من العين! او المخزومي لأن حيتان المال قلّة؟ بل سأنتخب كلنا بيروت لكفاءة مرشحيها، وسأعطي صوتي لنادين عيتاني لأنه حان الوقت لتصل المرأة لموقع القرار".

زاهر 25 عاما: "سأنتخب خالد ممتاز عن البيارتة المستقلين الذي يتكلم بحقوق البيارتة في التوظيف والسكن".

ماذا يقول الأكراد وعرب المسلخ في بيروت الثانية؟

ديما (30 عاماً) من الأكراد، تقول: "هذه المرة الأولى التي تمثلنا مرشحة كأكراد هي حنان عثمان عن لائحة صوت الناس، سأعطيها صوتي بكل تأكيد".

أما عماد 40 عاما فيقول: "نحن عرب المسلخ مهمشين من زمان"، معلناً انه سيعزف عن الإنتخاب.

يعلم الحريري جيداً أنّ رئاسة الحكومة تمرّ من الطريق الجديدة، فكيف سيعمل على حصد أصوات هذه المنطقة؟ وأيّ مستقبلٍ لبيروت إذا سار أهلها عكس "التيار الأزرق" وخسروا تيار "المستقبل" من دون أن يربحوا أحداً؟ ثمة من يقول في الطريق الجديدة "القديم يلي بتعرفه، أحسن من الجديد يلي بدك تتعرّف عليه". فهل تُبقي طريق الجديدة على قديمها؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.