هل حصل الحريري على مظلة حماية.. وتفويض؟

من طرابلس إلى باريس: "سيلفي" وسيف وخنجر

ـ محمد شرف الدين ـ

ما هي أبعاد المواجهة المباشرة بين الرئيس نجيب ميقاتي وبين "تيار المستقبل" في طرابلس؟

يبدو أن لهذه المواجهة الحادة وجهين: الأول ظاهره انتخابي، والثاني باطنه سياسي عميق.

في الظاهر أن المنافسة الانتخابية بين الرئيس ميقاتي و"المستقبل"، تفعل فعلها عبر الماكينات الانتخابية للطرفين، ويبدو أن ميقاتي نجح حتى اليوم في توظيف استثماره المتراكم في معركته.. ولكن إعلامياً. لكن المفارقة أن "المستقبل" ما زال يعتمد أسلوب الردّ غير المباشر، وينشغل بهدوء في ترتيب أوضاعه الانتخابية بعيداً عن ضجيج الحملات الإعلامية. ربما لأن "المستقبل" يملك أوراقاً لا يريد حرقها في وقت مبكر، وينتظر الوقت المناسب لإطلاق حملته الإعلامية، أو ربما لأن "المستقبل" يجهّز ملفّاته، وقد يكون أيضاً يُشغل ميقاتي في الإعلام بينما ينشغل هو في الأرض.

عملياً، فقدت معظم الحملات الإعلامية فعالياتها ومصداقيتها لدى كل الأطراف المتنافسة في طرابلس، خصوصاً أنها صارت مكرّرة وتجري إعادة صياغتها وتوزيعها بقوالب مختلفة وفي وسائل متعدّدة.

ويعني ذلك أن تأثير هذه الحملات صار ضعيفاً جداً، خصوصاً ان الفرز في الشارع يكاد يكون قد اكتمل، في حين أن الحملات الإعلامية تستهدف فئة من الناخبين تتأثّر بالمزاج العام.

لكن اللافت أن حملة ميقاتي اشتدت قبيل وبعد مؤتمر "باريس 4"، أو ما أطلق عليه إسم "سيدر1"، مما يوحي أن هذه الحملة مرتبطة بهذا المؤتمر ونتائجه.

لماذا يخشى ميقاتي نتائج مؤتمر "سيدر1" وما تلاه؟

الواضح أن التركيز على مسألة زيادة حجم الدين العام من خلال القروض التي وفّرها مؤتمر "سيدر1"، صارت في خلفية المشهد السياسي. هناك مشهد آخر يحصّن نتائج "سيدر 1"، لكنه سياسياً يمنح رئيس الحكومة سعد الحريري مظلّة استثنائية كبيرة وقوية، وقد عبّرت عنها صورة الـ"سيلفي" بينه وبين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في باريس.

الصورة التي التقطها الرئيس الحريري بنفسه وسارع إلى تحميلها على "تويتر" ليست مجرد لقطة للتسلية ولا للصحافة ولا للذكرى. في أبعاد هذه الصورة ما هو يؤمّن للرئيس الحريري جدران حصانة تتجاوز حدود الصورة.

ماذا يعني ذلك؟

ثمة 3 نتائج مباشرة لهذه الصورة "الودية" ظاهراً:

ـ أولاً، إن العلاقة بين الحريري والمملكة العربية السعودية قد دخلت في مرحلة جديدة، ليس بالضرورة أن تكون شبيهة بما كانت عليه قبل سنة أو أكثر، فالسعودية ليست هي نفسها التي كانت قبل سنة من اليوم، والحريري لم يعد هو نفسه الذي كان قبل سنة أيضاً. هناك صيغة جديدة للعلاقة بين المملكة والحريري، الثابت الوحيد فيها هو إعادة تجديد "الوكالة" من الرياض للحريري ولو بشروط جديدة.

ـ ثانياً، إن مؤتمر "سيدر1" يحظى بدعم من السعودية وزخم فرنسي وحماية دولية. وهذا يعني أن الحريري سيكرّر تجربة والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي بدأها في العام 2009 حين أطلق أكبر ورشة إقتصادية إعمارية في تاريخ لبنان، مع فارق في الظروف والمعطيات والتفويض ومظلّة الحماية. فالرئيس رفيق الحريري كان يحظى بمظلّة تفاهم رباعية: سعودية ـ سورية ـ أميركية ـ فرنسية، في حين أن سعد الحريري يحظى بقوة دعم سعودية ـ مصرية ـ فرنسية ـ أميركية يمكن أن تتحوّل سريعاً إلى مظلّة حماية.

ـ ثالثاً، إن الحريري "الجديد"، هو الذي يقود ورشة الإعمار والمشاريع ويشرف على الاستثمارات بعد 13 سنة من تجربته السياسية، بينما كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد أطلق ورشته لحظة وصوله إلى الحكم قبل أن تنضج تجربته بتظهير "رفيق الحريري الثاني" في العام 2000.

وبالتالي، فإن سعد الحريري ـ "نسخة 2018" هي "النسخة" التأسيسية في كل صورته وهويته وتجربته ونضوجه.

الأكيد ان الانتخابات النيابية المقبلة، ستشكّل بالنسبة للحريري محطة تأسيسية نحو المستقبل السياسي، له شخصياً ولتيار "المستقبل"، خصوصاً أن استثمار نتائج مؤتمر "سيدر 1" لا بد أن يؤتي ثماره تباعاً، بما يكرّس واقعه السياسي في تركيبة الحكم والنظام والبيئة السنية، حيث لا يبدو حتى اليوم ـ مبدئياً ـ أن هناك من استطاع مشاركته الفعلية في زعامة السنّة، حتى لو خسر بضعة مقاعد نيابية متفرّقة للسنّة، حيث تشير معظم التقديرات أن حصته التمثيلية للنواب السنّة ستتراجع بحدود ثلاثة مقاعد فقط، فيحصل على نحو 17 مقعداً من أصل 27 مقعداً كانت حصته منهم 20 مقعداً. وهذا يعني، في ظل حسابات الاقتراع النسبي والصوت التفضيلي، أن الحريري صاحب القوة المطلقة في التمثيل السنّي، وهو ما يعني بالتالي أن مستقبله في الحكم لا يهتزّ بسهولة.

ربما هذا ما يثير حفيظة الرئيس نجيب ميقاتي الذي بذل جهوداً خلال السنوات التسع الماضية لتكريس واقعه كشريك في التمثيل السني، وقد نجح في تأمين حضور وازن في طرابلس، لكنه لم يعمل على التمدّد خارجها، كما أنه لم يهيّئ شخصيات يمكنها أن تسانده في معركة نيابية، مما وضع المرشحين على لائحته اليوم في وضع لا يحسدون عليه لأن الصوت التفضيلي سيحصل عليه ميقاتي وسيكون مرتفعاً، وليس سهلاً توزيع جزء منه على أعضاء اللائحة.

هذه المعطيات تفتح باب الاجتهاد على أبعاد اشتداد المواجهة بين الحريري وميقاتي. وهنا يبدو أن الرجلين لم يستخدما كل أوراقهما، وإن كانت أوراق ميقاتي معروفة بمعظمها في حين أن الحريري يبدو أنه يخفي أوراقاً ينتظر التوقيت المناسب لرميها.

في المحصّلة، يبدو أن "سيلفي" باريس بين الحريري وماكرون وبن سلمان سيضعه الحريري في إطار على طاولة بجانبه، لأنه يؤمّن له "احتياطياً" سياسياً يمكنه "الصرف" منه عندما تدعو الحاجة، مع تسجيل مفارقة لافتة وتحتاج على فهم ابعادها مفادها أن تيار "المستقبل" لم "يحتفل" بالـ"سيلفي" الباريسي.

هل تتأثّر تستطيع الحملات في طرابلس التأثير على مضمون "رسالة سيلفي" باريس؟

الأرجح أن ضجيج الحملات الانتخابية، قد لا يهدأ بهدف تعطيل مفاعيل الـ"سيلفي" وإفراغ حصاد مؤتمر "سيدر 1" في أرض بور، حتى يعجز الحريري عن استثمارها، وهو أمر مشروع سياسياً لميقاتي في معركة انتخابية ترسم مستقبل التوازنات ليس فقط داخل الحكم والطائفة السنية، وإنما في طرابلس نفسها، وهذا ما سيزيد من الشرارات الناتجة عن تصادم السيوف والخناجر، بالتزامن مع ارتفاع أصوات الحناجر تدريجياً وقد تبحّ الأصوات قبل الصمت الانتخابي الرسمي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.