قمة عربيّة.. لكن أين العرب؟

رياض الرياض واعدة هذا الربيع

ـ جورج  علم ـ

ذاهبون الى القمّة، والرياض رياض باسقة في هذا الربيع تضجّ بالحياة، وتشهد نهضة ثقافيّة واعدة، وخططا إقتصاديّة ـ تحديثيّة عملاقة، وسط محيط مضطرب، فالصواريخ "الحوثيّة" تقضّ المضاجع، وتاجر السجّاد العجمي يحيك القطب المخفيّة لمفاجآت قد لا تكون سارّة، والتضامن العربي شارد الذهن، مقطّع الأوصال، مفكك البنى، معتل يعاني.. فيما "الشريك" الأميركي تاجر مراوغ، يبيع ويشتري، من  دون ضوابط،  لا يحترم أصولاً ولا قواعد، ولا يقيم وزناً للياقات، همّه الربح، وتكديس الثروات، والأخلاق عنده تصنعها المليارات…

ذاهبون الى القمّة، الرئيس ميشال عون، والى جانبه الرئيس سعد الحريري، وحولهما وفد من حملة ألقاب المعالي، والسعادة. أما الدوافع فكثيرة، مليار دولار، دفعة أولى "عالحساب"، هكذا أعلن الناطق الرسمي بإسم الوفد السعودي المشارك في مؤتمر "سيدر ـ 1" لدعم لبنان. ثلاثة مليارات دولار وعد بها الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز لتسليح الجيش اللبناني بأسلحة "جان دارك"، ولما وافته المنيّة، تبخرت، وإنقطعت أخبارها، ويحاول الوفد اللبناني أن يقدّم شهادة حسن سلوك لعلّه يستطيع أن يعيد لها الحياة في زمن الفصح المجيد. وهناك مئات الألوف من اللبنانييّن الذين يرتزقون، ويساهمون في صنع مجد المملكة، وهناك الصفحة الجديدة التي تحدّث عنها الرئيس عون، وفتحت على أنقاض الصفحة المخدّشة، التي خطّها تاريخ الرابع من تشرين الثاني الماضي.

ذاهبون الى القمّة، لأن هناك مصلحة. ويسري التبرير هذا على جميع الوفود المشاركة بمعيّة أصحاب الجلالة، والفخامة، والسمو. ولو كانت القمة بضيافة دولة يسكنها الفقر، والعوز، والحرمان لإقتصر الحضور ـ ربما ـ على تمثيل هابط حفاظاً على ما تبقى من ماء وجه!. وهذه ظاهرة فرضت حضورها في قمم سابقة إستضافتها دول عربيّة لا تنبع أرضها ذهباً أسوداً، ولا تدرّ تضاريسها لبناً وعسلاً، وكانت تغطّي النفقات من الهبات التي كانت تسعى الأمانة العامة لجامعة الدول العربيّة، الى جمعها من الدول المتمكّنة، حرصاً منها على دوريّة إنعقاد القمم، ووفق للآليات التنظيميّة المتفاهم عليها بين الدول الأعضاء.

ذاهبون الى القمة، والملفات مثقلة بعلامات الإستفهام التي لا جواب عليها عند المؤتمرين، بل ربما عند الكبار المتدافشين أمام أبواب دمشق، وبغداد، وأربيل، وصنعاء، وطرابلس الغرب… حيث يكتب التاريخ الحديث بدماء عربيّة قانية، فيما المؤرخون هم أحفاد سلاطين أستانة، وقياصرة الكرملين، وأباطرة آلهة الشمس، و"فراعنة" العصر الأميركي الصاعد. لم تتحدث الصحافة العربيّة عن جدول الأعمال. وهل من مؤتمر قمّة من دون جدول أعمال؟!. وإذا ما وجد، ما هي المواضيع الرئيسيّة الجاذبة؟ هل التهديد بقطع إمدادات النفط والغاز عن الدول التي تريد تطويب مدينة القدس عاصمة أبديّة لإسرائيل؟ أم التهديد بسحب السفراء من عواصم الدول التي تريد نقل سفاراتها من تل أبيب الى القدس، ومقاطعتها إقتصاديّا، ومقاطعة سلعها ومنتجاتها؟ أم إعداد إستراتيجية متكاملة، مستوفاة الشروط قادرة على فرض حلّ الدولتين، وفق قرارات الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، ووضع حدّ للعنجهيّة الإسرائيليّة المتمادية في سلب الفلسطينيين أرضهم بعد سلب قضيتهم وحقوقهم.

الشماتة لا تليق، في زحمة التحديات المصيريّة التي تحاصر الكيانات والجماعات. والمبالغة لا تجوز في زمن الحصار، والإنكسار، والإنحسار، والإندثار. فالقمة تبقى حاجة وضرورة على الرغم من كلّ الهنّات والإخفاقات. إستمرار دوريّة إنعقادها، ضرورة، وهيكليتها التنظيميّة – الإداريّة ضرورة، أما جدول أعمالها – على تواضعه – يبقى ضرورة الضرورة، إذا ما إتسمت المناقشات بالعقلانيّة، والموضوعيّة، والتبصّر.

يوفر إنعقادها فرصة للنظر في الواقع العربي النازف فوق مشرحة من خطرين متلازمين، المستورد من الخارج، والآخر المعدّ من صنع مطابخنا السياسيّة، أو من نتاج مصانعنا التي تحمل علامة "حب الإحتكار، والإحتقار". كثيرة هي المواضيع التي يمكن لأصحاب الجلالة، والفخامة، والسمو معالجتها، بهدوء، وتروّ، وحكمة، وعقلانيّة، ووضع اليد عليها لبلسمة جراحها.

ماذا عن الأزمة داخل البيت الخليجي؟ وهل يفترض أن تسلك طريق التدويل لإيجاد الحل؟ وأن تعقد قمة أمميّة يحضرها الرئيس الأميركي، ونظيره الروسي، وكبار المسؤولين في الصين، وبريطانيا، وفرنسا، وإلمانيا، ودول أخرى، لإجتراح الحلول، والمخارج؟. ومن قال إنها – إذا ما توافرت – ستكون لصالح أهل القضيّة، وليس على حساب مصالحهم، ومصيرهم، ومستقبلهم؟!.

وماذا عن المصالحة العربيّة؟ والى متى يفترض أن يبقى هذا التنافر، والتباعد، والتقاتل، والتنابذ؟ ومن هو المستفيد؟ وهل يجب أن ترحّل هذه القضيّة الى الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي لإيجاد الحلول والمخارج، إن وجدت؟!. أم ان أهل مكّة أدرى بشعابها، وأهل البيت أدرى بخصائص سكانه وخصوصياتهم؟!.

ليس المطلوب حفلة تبويس لحى كما العادة، لأنها غير ممكنة – رغم فولكلوريتها – وظروفها غير متوافرة، لكن على الأقل يمكن التفكير بإعادة النظر بواقع الحال، والإنطلاق في البحث عن الوسائل والإمكانات التي من شأنها أن تفرمل الإندفاعة القويّة بإتجاه الهوّة السحيقة، وإن الأوان قد حان للبحث بالواقع العربي المزري، والتفتيش عن السبل والوسائل القادرة على الحدّ من الخسائر. قد لا يملك العرب زمام المبادرة لقيادة السفينة السوريّة الى شاطىء الأمان، وقد أصبح الوجود الروسي، والإيراني، والتركي، والأميركي، متجذرا فوق هضاب سوريا، وسهوبها وفي مدنها وقراها وأريافها، ويملك الكثير من قدرات التاثير على الشعب السوري، والتقرير نيابة عنه.

قد لا يملك العرب  الإمكانات التي تساعد العراق والعراقيين على العودة الى مضارب الإستقرار، والهدوء، والسكينة، والبحث عن الذات، وحماية الثروات، وإعادة بناء المستقبل، والتحكم بالمصير… لكن بمقدورهم مد يد العون والمساعدة، شرط أن تكون نظيفة الطويّة، متحررة من خبث المذهبيّة، والطائفيّة، والفئويّة، وأن تكون المقاصد شريفة مترفعة عن الأطماع التاريخيّة، والأحقاد المزمنة.

وماذا عن اليمن؟ وهل بقي للعرب من موطىء قدم في بلد هو عضو شريك في جامعة الدول العربيّة؟ هل بقي لهم من دور في ورش الحلول الكثيرة والموزعة على عواصم دول القرار؟ أم فاتهم القطار؟!. وهل من قدرة لجامعتهم على تلقف كرة النار قبل ان تأتي نيران الأحقاد والثارات على التهام البقية الباقية من بشر وحجر، أم أن الشعاب المفتوحة أمام الأميركي، والإيراني، والأوروبي، والأممي، مقفلة أمام الجامعة، ولا يمكن للعرب من سلوكها، ولا من معبر مفتوح أمامهم  للوصول؟.

أهميّة القمة، إن من حيث المكان، أو التوقيت، الحفاظ على البقيّة الباقيّة، أولها أن تنعقد، وأن تكون الحريّة متاحة أمامها، وأيضا الإمكانات للإنعقاد في أي ظرف طارىء، وكلما دعت الحاجة، من دون الحاجة للحصول على إذن مسبق من هذه الدولة النافذة، أو تلك، للإلتقاء، والتشاور. ثانيّاً: أن تكون قمة جمع الشمل، او ما تبقّى منه، لا أن تكون قمة المحاور المتسابقة المتدافعة على وضع اليد على ما تبقى من ثروات وخيرات، وعلى  الإمعان في تفتيت شعوبها، وتفكيك كياناتها الى أقاليم متناحرة متقاتلة متباعدة. ثالثاً: أن تكون قمّة المصارحة للوصول الى المصالحة عن طريق إعتماد أدبيات غير تلك المتداولة في عالم اليوم.

وإذا كانت بعض الدول العربيّة المستقرة، والمتمكنة، ترفض أي تدخل في شؤونها من أيّ كان، فعليها أن تقبل للآخرين ما تريده لنفسها. وهنا تصح العودة الى ميثاق جامعة الدول العربيّة، والبند الثامن تحديداً للعمل بوحيه، وهو الذي يحذّر ويحظّر على أي دولة من الدول الأعضاء، التدخل في الشؤون الداخليّة لدولة  عضو في مجلس الجامعة.

إن إعادة الإعتبار الى مؤسسة الجامعة العربيّة، والعمل بوحي ميثاقها ، هو بداية الطريق للعودة الى تكوين الذات، وإستجماع الأشلاء، وإعادة الإعتبار الى الهيكليّة المعتمدة تنظيماً وإنتظاماً، لإستعادة الدور والوهج والمكانة بين الأمم.

أهميّة هذه القمة أنها تعقد في الرياض، ورياض الرياض في هذا الربيع، فوّارة بالآمال الكبيرة المعقودة على همّة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز الذي يقود ثورة تغييرية ـ إن جاز التعبير ـ على مختلف الصعد الإقتصاديّة، والثقافيّة، والإجتماعيّة، والأمنيّة، والسياديّة.

مهّم جدّا أن نرى المملكة تطمح للمشاركة في المهرجان العالمي للسينما في كان.. ولكن الأهم قبل هذا.. ألاّ نسمع بأن العرب قد أصبحوا في خبر كان؟!.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.