ورثة اليأس.. في زيّ الحداد!

ـ نورما أبو زيد ـ 

أسوأ المعارك هي التي ينتصر فيها الفاسد والطائفي والمذهبي والمناطقي، ومعركتنا الانتخابية المقبلة ستصنّف في قائمة أسوأ المعارك.

تكشف هذه الانتخابات التي تملأ البلاد من العريضة حتى رأس الناقورة طنيناً وضجيجاً، أنّ الحياة السياسية في لبنان أُفرغت من معانيها ومضامينها.

انقرضت الوطنية، وهُجّرت الديمقراطية، واندثرت الأحزاب السياسية، لصالح جماعات طائفية ومذهبية ومصلحية ونفعية.

في المختصر، مجموعة تجّار ينتمون إلى فئة الفجّار يتقاسمون البلد، ويقسّمونه مناطق "تليق" بمستوى هاماتهم "الشامخة".

الوطن الجامع بات أوطاناً متفرّقة، وكلّ وطن من أوطانه يقف على مفترق طرق.

الحياة السياسية معدومة، والحياة الحزبية الفعلية مشلولة، والحياة النقابية مذلولة. الكلّ اجتمعوا في مقبرة الصمت، ونحن نبحث عن حياة من خلال الانتخابات، علماً أننا نرتدي زيّ الحداد منذ سنوات، ومسيرة المآتم طويلة.

عقدنا معاهدة مع الفشل، نتيجة فشلنا في كلّ شيء، ولكن الآتي أكيد أعظم.

في الانتخابات النيابية، يأمل المواطن بغد أفضل، وفي انتخاباتنا النيابية لا نأمل لأنّنا ورثة اليأس، وإنّما نتأمّل.

نتأمل بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، ونسأل ماذا تغيّر بين الأمس واليوم، وماذا سيتغيّر بين اليوم وغداً.

قبل أيام معدودات، كنت برفقة صديقة، غادرت لبنان ونحن على مقاعد الدراسة، وعادت إليه لتوّها. غيابها الطويل عن لبنان يجعلها تعيش حنيناً ما بعده حنين، وتعتقد أنّ العالم بأسره يدور حولنا نحن كلبنانيين. صديقتي هذه ما زالت تؤمن بأنّنا أحفاد فينيقيا، وأنّ تميّزنا يكمن في لبنانيتنا، وقد دفعها منسوب تفاؤلها المرتفع إلى سؤالي عن سرّ منسوب تشاؤمي المرتفع الذي يظهر بشكل فاقع في كتاباتي.

سألتني صديقتي: ألستِ أنتِ المرأة التي كانت الأكثر تفاؤلاً في "شلّتنا"؟ أجبتها بنعم.

وأضافت: ألستِ أنتِ المرأة التي كانت تجيد تدوير الزوايا ونحن على مقاعد الدراسة؟ أجبتها أيضاً بنعم. فبادرت إلى سؤالي عن التحولات التي أصابتني، فأجبتها بأنّ البلد هو الذي تحوّل وتغيّر وتبدّل، ونحن ثابتون في مكاننا، لا نملك إلاّ القدرة على الصراخ، وصوتنا لا قيمة له، لا في الصراخ، ولا في الانتخابات، ولكني وعدتها بجلسة سوريالية وهكذا كان.

صديقتي المتفائلة، هي امرأة مناهضة لـ "الثنائية الشيعية" رغم وقوع قيودها في مناطق نفوذها. قالت لي من باب تذكيري بانفتاحها، أنا ضدّ أيّ سلاح خارج إطار الشرعية اللبنانية، فدعوتها إلى جلسة مكثّفة من أحلام اليقظة، نحلم فيها بلبنان الذي نريده ونتمنّاه.

قلت لها، بعد الانتخابات النيابية، سيعود "حزب الله" إلى بيت الطاعة اللبناني. سيستقيل من مهماته الإقليمية، ويعود "جيشه" إلى الحياة المدنية.

وبعد الانتخابات النيابية، سيعمد لبنان إلى توليد الكهرباء من الطاقة النووية، وستزول العتمة، ولن نضطر مجدداً إلى دفع فاتورتين، واحدة للدولة التي لا يزورنا نورها، وأخرى لصاحب المولّد الكهربائي.

وبعد الانتخابات النيابية، ستصل المياه إلى منازلنا، لأنّ السدود المائية ستغمرنا بنعمتها، ولن ندفع مجدداً فاتورة للدولة التي نادراً ما تفتكرنا برحمتها، وفاتورة لأصحاب الصهاريج الذين هم دائماً في الفكر والبال.

وبعد الانتخابات النيابية، سيستقلّ ابن طرابلس القطار لزيارة صديق له في مدينة صور، وأبناء العاصمة بيروت سيذهبون إلى أعمالهم في "التراموي"، ولن يعلق أحدنا في زحمة سير خانقة، لأنّ دولتنا الكريمة ستؤمن لنا وسائل نقل تليق بكرامتنا كمواطنين.

وبعد الانتخابات النيابية، ستصبح القيادة متعة للنظر، لأنّ شوارعنا ستصبح نسخة عن شوارع دبي التي تزينها الأشجار والأزهار، ولن نتجرّأ على رمي نفاياتنا من نافذة السيارة، لأنّ المخالفة ستصل برسالة هاتفية إلى جوالنا، تماماً كما في دولة قطر.

وبعد الانتخابات النيابية، ستجد الدولة حلاً لمشكلة النفايات، ولمعضلة النقابات. وبعد الانتخابات النيابية، ستسعيد الدولة شواطئها من ناهبيها، وستعيد الأملاك المسلوبة إلى مواطنيها.

بعد الانتخابات النيابية، ستعود بيروت أم الشرائع، وسيعمّ العدل على أبناء الرعية.

وبعد الانتخابات النيابية، ستشجّع الدولة المشاريع الإنتاجية، وستعطي دفعاً استثنائياً للسياحة البيئية، وستدعم قطاعات الزراعة والصناعة، وستحضن أصحاب براءات الاختراع، وستقدّم لهم الكثير لتحفيزهم على الإنتاج والعطاء.

بعد الانتخابات النيابية، سنصبح دولة نفطية، وسنعوم على مليارات من الدولارات، نعوّض بها مليارات المديونية التي رزحنا تحت ثقل حملها لسنوات.

بعد الانتخابات النيابية، سيتمّ تحرير الوزارات السيادية من "الأسياد" الذين يحتلونها باسم الطوائف والمذاهب، وستسند كلّ وزارة لصاحب اختصاص بغضّ النظر عن ملّته وحسبه ونسبه.

وبعد الانتخابات النيابية، سيستأصل الفساد من إدارات الدولة، وعملية الاستئصال ستطال رأس الهرم ومن ثم ستهرول نزولاً نحو القاعدة. لن يتجرأ نائب أو وزير على ارتكاب المعاصي، ولن يجرؤ موظّف على التماس رشوة.

بعد الانتخابات النيابية، سنعود درّة الشرق. نائبات البرلمان سيظهرن صورة مشرقة عن لبنان، وسيصبحن سيرة جميلة على كلّ لسان.

وبعد الانتخابات النيابية، سيصار إلى إقرار قانون انتخابي، لا صوت تفضيلي فيه لتجار المال والنساء والمخدرات. فاستوقفتني صديقتي بسؤال عن هوية النواب الذين سيخرجون علينا بهذا القانون، وردّدنا معاً: أخذنا الحلم، ولكننا استفقنا على كابوس..

في الدورة الانتخابية الفائتة، انتصر الفاسد والطائفي والمذهبي والمناطقي، وفي الدورة الانتخابية المقبلة، سينتصر غلاة الفساد والطائفية والمذهبية والمناطقية، والحبل عالجرار.

نستحقّ عن جدارة لقب "أبناء اليأس"، ومن يتفاءل بمستقبل هذا البلد يكون حتماً شخصاً بلا رأس!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.