بلاد "الصحراء" في المريخ.. وصحراء المريخ في بلاد "الأرز"

 د. فادي سعيد دقناش (*)

عندما يُجري الباحث مقارنة ما، يكون الهدف منها القيام بقياس معين لتبيان مدى الاختلاف بين عنصر وآخر، ولتقييم الحالة بسلبياتها وإيجابياتها، وصولاً إلى تحديد الوضعية من هذه المقارنة أو المقابلة. وليست المقارنة سيئة طالما كان هدفها تحسين وتطوير وتصويب الأداء نحو الأفضل، وقد قدَّمنا في مقالة سابقة صورة من صور "المحاكاة" بين مدينتي طرابلس – لبنان واسطنبول – تركيا، ورصدنا نتيجة ملاحظات ميدانية قمنا بها، عدداً من الحقائق التي كانت وراء نجاح التجربة التركية في أكثر من مجال، حيث كان الإصرار على النهوض من خلال إدارة الدولة التركية وإرادة شعبها، السبب الرئيس لتصبح هذه الدولة قوة إقليمية ودولية مؤثرة سياسياً، اقتصادياً، سياحياً وثقافياً منذ أكثر من عقدين من الزمن.

والآن أريد أن أتناول في مقالتي هذه بعض المشاهدات والملاحظات العابرة التي رصدتها في مدينتي دُبي وأبو ظبي، علَّها تكون المُرشد المُساعد لتصويب الأداء وتحديد الأولويات في لبنان. أعلم بأنَّ المقارنة ظالمة ومجحفة، إذ أنَّه لا يمكن مقارنة الإمكانات المادية الهائلة لدولة الإمارات العربية المتحدة مع (شبه) دولة لبنان، لكنَّ الإضاءة عليها يأتي من باب الحرص والواجب الوطني والهَمّ الذي يؤرق كل لبناني بوقف نزيف الهجرة الجماعية أو الفردية "الشبابية" لأسباب عديدة منها:عدم توفر فرص العمل المناسبة، وتفشي الفساد والمحسوبيات الحزبية – الطائفية – المناطقية، وعدم احترام حقوق الإنسان الفطرية (تعليم – استشفاء – رعاية نفسية واجتماعية…)، ناهيك عن انتهاك حقوقٍ نصَّ عليها الدستور اللبناني بأنَّ "لا ميزة لأحد على الآخر إلا من حيث الاستحقاق والجدارة"،  فكانت النتيجة المكرَّسة على أرض الواقع هي تعزيز الانتماء للعصبية الطائفية-الحزبية، وغياب العدالة والمساواة بين جميع أفراد هذا الوطن، ما يجعل الدولة في لبنان عبارة عن "مجموعة من الجُزر" "المذهبية"، أو بالأحرى مزارع وغابات لنكون أكثر دقة وتوصيفاً. أعلم بأنَّه لا يمكن فصل السياسة عن المجتمع، ولكنني اليوم سأفصل بينهما لقطع الطريق على من يريد "الاصطياد في الماء العكر" من تعكير صفاء الفكرة وجوهرها.

تبدأ رحلتنا انطلاقاً من مطار بيروت الدولي… وبعد الانتهاء من الاجراءات الأمنية واجتياز العديد من نقاط التفتيش، نتوجه إلى دُبي "مدينة الأحلام" كما قيل لنا. المشهد من الأعلى طيلة فترة الرحلة يُظهر لك صحراء شاسعة على امتداد النظر، وتساءلت هنا كيف يمكن لصحراء أن تكون "جنة أهلها على الأرض"؟ وكيف تمكَّن حكام هذه البلاد من استثمار مواردهم الطبيعية في خدمة مجتمعهم؟ ولماذا تحتل هذه البلاد مستويات متقدمة في المؤشرات الاقتصادية والمعرفية العالمية؟ … وفي غمرة هذه التساؤلات أعلن القبطان وصولنا إلى مبتغانا… إنَّنا في "دُبي"…

هنا تبدأ المُفاجأة … بوصولك إلى مطار دُبي!… تبهرك الألوان والمساحات الشاسعة والفن المعماري المميز، وكأنَّ الحجر قبل البشر يرحب بك لتشعر فعلاً بأنَّك وصلت إلى مدينة "الأحلام" و"الحياة" و"السعادة"… و"التسامح"، حيث الابتسامة لا تفارق وجوه العاملين في المطار، غايتهم التأهيل والتسهيل لإجراءات الدخول إلى البلاد… هي التكنولوجيا أداة التسهيل كملاحظة أولية. وما أن تخرج من المطار حتى تشعر بأنَّك مسحور تحت ظلال الأبراج العملاقة التي تغطي سماء دُبي بهندستها المعمارية الحديثة الرائعة، وطرقاتها وجسورها المختلفة التي تلبي التطور العمراني والبشري، والتي تُشَكّل أيضاً الشرايين الرئيسة للاتصال والتواصل بسهولة مع مختلف الإمارات. وبعد استراحة قصيرة بدأت رحلتنا لعدة أيام بين إمارتي دُبي وأبو ظبي، حيث سجلنا الملاحظات التالية:

1- التعليم ومراكز الأبحاث: تنتشر في كافة أرجاء دولة الإمارات العربية مراكز الأبحاث ومؤسسات التعليم المختلفة من مدارس ومعاهد وجامعات (حكومية وخاصة)، وهي تخضع بشكل دائم للتقييم ولمعايير الجودة المحلية والعالمية، إضافة إلى مواكبة الاختصاصات والمناهج بحسب حاجة الأسواق في عالم تتغير فيه الأولويات والحاجات بكل لحظة تحت تأثير التطور التكنولوجي والثورة المعلوماتية. وليس مستغرباً على دولة كالإمارات العربية المتحدة اهتمامها بالعلم والمعرفة فهي تحتل مراكز متقدمة في المؤشرات المعرفية العالمية (الأولى عربياً وفق مؤشر الابتكار العالمي في العام 2019، وهو مؤشر مركَّب يقيس أداء الابتكار بناءً على المؤسسات والقوى العاملة، البنية التحتية والتطور في الأسواق والأعمال التجارية، المعرفة والتكنولوجيا والإبداع). وتطمح الإمارات العربية من خلال الأجندة الوطنية لرؤية 2021 (VISION 2021) في تطوير نظام تعليمي رفيع المستوى، حيث ستشهد السنوات القادمة تحولاً كاملاً بأنظمة التعليم ("التعليم الذكي" بالأنظمة الذكية)، وتتطلَّع إلى وضع الطلبة ضمن أفضل طلبة في العالم باختبارات تقييم المعرفة والمهارات في الرياضيات والعلوم…

2 – التنمية المُستدامة: من أبرز التعريفات للتنمية المُستدامة هي تلك "التنمية التي تُلبي احتياجات الجيل الحاضر دون التضحية أو الإضرار بقدرة الأجيال القادمة في تلبية احتياجاتها"، وقد وُضِعَت أهدافها في العام 2015 من قبل الأمم المتحدة (17 هدفاً) في خطة لتحقيق التنمية المستدامة لعام 2030، ومن خلال الجهود المبذولة يبدو بأنَّ حكَّام الإمارات يسعون إلى تنفيذ هذه الخطة (غير المُلزمة) من خلال العمل على 3 ركائز أساس : ركائز بيئية (معالجة التلوث من خلال استعمال تكنولوجيا نظيفة – وضع حد لانبعاثات الغازات السامة – إطلاق مشروع أكبر محطة مستقلة للطاقة الشمسية في العالم في أبو ظبي….) – ركائز اجتماعية (القضاء على الأمية والفقر من خلال إرساء فكرة العدالة الاجتماعية ونشر التعليم بجودة عالية …) – ركائز اقتصادية (إنشاء مشاريع اقتصادية بديلة تساهم بإيجاد توازن في استهلاك الموارد الطبيعية …).

3– النظام، (السلامة المرورية-نموذجاً): إنَّ أهم ما يميز دولة الإمارات العربية هو التنظيم وتطبيق القوانين والمحافظة على النظام، فمنذ اللحظات الأولى لدخولك البلاد تشعر بأنّك مُلزم (بقناعة وبرحابة صدر، وبإكراه أحياناً) بتطبيق قوانين السير؛ وموضوع السلامة المرورية يُشَكّل أهمية استراتيجية لدى الحكومة، فالطرقات الواسعة والاوتوسترادات الرديفة (6 مسالك) تجعل السير يَنساب في المدينة دون أي إشكالات تُذكر. لا توتر، ولا عنف معنوي، ولا عصبية أثناء القيادة، ولا استنسابية من قبل موظف إنفاذ القانون، فالقانون واضح ومخالفته مكلفة مادياً ومعنوياً، وكل المخالفات مرصودة تكنولوجياً تحت حراسة جيش من الرادارات والكاميرات وإشارات السير واللافتات التحذيرية، إضافة إلى تخطيط الطرقات وإنارتها بشكل ممتاز، كما أن دفع الغرامة وانجاز جميع المعاملات الإدارية لا يحتاج للاحتكاك وللتواصل المباشر بين المكلف والموظف، بل يتمُّ إلكترونياً دون الحاجة لهدر الوقت والمال والصحة أو التعرض للابتزاز من قبل موظف صغير أو كبير.

4– حقوق الإنسان الفطرية مُصانة : التعليم والاستشفاء متوفر للجميع (مقيمين عاملين ومواطنين)، الحدائق العامة وأماكن الترفيه العامة المجانية والخاصة تنتشر بشكل كبير في البلاد، كيف لا وهي تسعى أن تكون الوجهة السياحية الأولى في العالم، حيث تنتشر فيها المتاحف والنشاطات الفنية والثقافية على مدار السنة، أمَّا الشواطىء البحرية على طول السواحل فهي بأغلبيتها ملك للعامة غير "مُشَبَّح" عليها، ويمكنك أن تَقصدُها مجاناً ساعة تشاء، مع تأمين كافة مستلزمات السلامة العامة على الشواطئ ووسائل الترفيه المُناسبة للأطفال، بحماية ورقابة جيش من رجال الإنقاذ البحري ورجال الأمن المدنيين المنتشرين على طول الشاطئ.

5- السلطة الدينية : الدولة منفتحة على كافة الثقافات والأديان، وممارسة الشعائر الدينية حرة شرط أن لا تمس بالنظام العام، وللسلطة الدينية صلاحية التحرك ضمن الإطار المحدد لدورها من خلال تقديم الإرشاد والنصح، دون التدخل بالشؤون العامة كونها من صلاحية الدولة وحكومتها.

إنَّ ما يميز دولة الإمارات العربية المتحدة أنَّها بلاد أمن وأمان، والسمة البارزة فيها هي التخطيط ودقة التنظيم، فهناك دولة تُخطط وتضع الرؤى المُستقبلية (التي لا تعد ولا تحصى) لتبقى مواكِبَة للحداثة، ولتُحَقّق الرفاهية والسعادة لمواطنيها ولأجيالها القادمة، (من بين الرؤى على سبيل المثال لا الحصر: مشروع المريخ 2117 الذي يهدف إلى إقامة أول مستوطنة بشرية على المريخ، فوضعت  الحكومة "خطة أجيال" التي تتضمن بناء قدرات وكوادر وطنية تخصصية في مجال علوم الفضاء والأبحاث مدة مئة عام / رؤية 2051 تتضمن اكثر من 50 مشروعاً أمنياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي، والتطور التكنولوجي، وحلول أمنية مبتكرة تعزز مفهوم الأمن الاستباقي والتحديات المستقبلية، إضافة إلى إطلاق قمر صناعي قادر على حماية البيانات الأمنية، واستبدال 50% من رجال الشرطة بالشرطة "الروبوتية"، ناهيك عن التخطيط باستغناء دوريات الشرطة عن مادة البنزين تدريجياً وصولاً إلى نسبة 100% لتسيير هذه الدوريات من خلال الطاقة البديلة، وتمويل ميزانيتها بنسبة50% ستكون ذاتية…).

ولكن بعيداً عن الإيجابية المطلقة نرى بأنَّ العولمة -كنظام عالمي جديد- أثرت بشكل كبير جداً على هُويَّة البلاد، فالشركات الكبرى تنتشر على مساحة الدولة وتفرض حضورها، وبصماتها واضحة خاصة في مجال الهندسة العمرانية لأبرز مدن الإمارات، مع العلم بأنَّه تمَّ إطلاق مشروع أعلى برج في العالم "برج خور دبي" الذي سينجز في العام 2020، وسيكون معلماً سياحياً يُعيد رسم الأفق العمراني لإمارة دبي، ويَجمَعُ كُلاًّ من فن العمارة الإسلامية وفن التصميم الحديث، لينفرد في هندسته مكوناً أيقونة فريدة من نوعها للتنوع الثقافي والترفيه لجميع الوافدين ولسكان الدولة، كما أنَّ "اللغة العربية" كعنصر أساس من عناصر الهُويَّة، تكاد تكون مُغَيَّبَةً كلغة تواصل مباشر بين السكان على أرض الواقع، حتى تحسب نفسك لوهلة أنك في بلد غربي، لولا الطبيعة الجغرافية وبعض اللافتات لعدد من المراكز والمحال التجارية والزي التقليدي المميز للسكان، ويمكن تعليل ذلك بالعمالة الأجنبية الكبيرة التي تفوق أعداد المواطنين الأصليين.

وها هي الساعة تدق في "برج خليفة" إيذاناً بانتهاء إجازتنا، وبِغَصَّة نتوجَّه إلى الطائرة باتجاه بيروت، حيث تبدو ملامح الوجوم والخيبة مُرتسمة على وجوه القادمين، ألماً وحسرة على بلدهم الأجمل طبيعة في العالم والأقدم حضارة في التاريخ الذي حولَّه سياسيوه إلى سجن كبير وعاثوا فيه فساداً. أهلاً وسهلاً في بلاد الأرز، فهناك لافتتان توجيهيتان للتدقيق في أوراق الدخول، الأولى ممرٌّ مخصص للبنانيين المتكدسين فيه، والآخر للأجانب حيث تلاحظ عدداً لا بأس به من اللبنانيين الحائزين على جنسية أخرى يسلكون هذا الدرب… يا للخيبة! التي جعلت المواطن ينسلخ عن انتمائه الأولي، ربما لأنَّه يشعر بأمان أكثر مع انتمائه الثانوي أو لأنَّ رسوم جوازات السفر الثانوية (الأجنبية) أقل بنسبة 90% من الرسوم في بلده الأم (وفق ما أفادنا أحدهم)، ترى المواطن حائراً تائهاً، قاصراً على الإجابة عن تساؤلات عديدة: لماذا أشعر بالاستخفاف بي في بلدي؟ ولماذا حصرية المطار في بيروت الذي لم يعد قادراً على استيعاب الخارجين أو القادمين؟ ولماذا هذا الحصار والحصرية في المركزية الخانقة والقاتلة؟، فمعظم الدول في العالم التي تتشابه بالمساحة مع بلادنا يوجد فيها أكثر من مطار وأكثر من شركة طيران وطنية، أملاكنا البحرية مغتصبة، عناصر السلامة المرورية غير متوفرة، أزمات بيئية معرفية واجتماعية في كافة القطاعات الإنتاجية (المدارس، الجامعات، العسكر، التقاعد، الاستشفاء، القطاع الخاص، التلوث، النفايات، الكهرباء….)، أزمة حكم (سيطرة العصبيات الطائفية والحزبية والمناطقية وسلب إرادة الدولة، ديمقراطية "توافقية" تعطيلية تستنزف البشر والحجر وتسلب إرادة الناس من خلال تفصيل قوانين انتخابية طائفية مذهبية تضمن للنخبة السياسية الحاكمة بقائها في السلطة المخطوفة والمرهونة لأهوائها وأزلامها وزبائنيتها).

وفي الخلاصة، نحن قوم نعيش في الماضي ونستحضره بأبشع تفاصيله، نعيش في القرون الوسطى، نعيش بدولة "العصبية" في أبشع صورها، وكأنَّ ابن خلدون يرصد تحركاتنا ويُقَيّمُها ويوَصّفُها، عصبية مذهبية تدميرية يتوجب تفكيكها سريعاً لأنَّ وقعها عند الانفجار سيكون كَوَقع "قنبلة نووية" ستأكل الأخضر واليابس، نعيش حالة "المُغالبة" و"المُمانعة"، ونسلك مسالك "النعرة والتذامر والاستماتة" فداء للزعيم، … ولكن ما الحل؟ لا شك بأنَّ الحل يبدأ بفكرة الدولة المدنية شكلاً ومضموناً، دولة تحكمها فئة تمتلك الكفاءة والإرادة في النهوض، وتهتم بالشأن العام وليس بالشأن الطائفي والمذهبي الضيق.

في المقابل تعيش بلاد "الخيمة" في المستقبل وللمستقبل، وتقوم على أساس ثابت بأوتاد مُحكَمَة في كل إمارة، هي خيمةٌ تُظَلّلُ أبنائها تحت سقفها. وجواباً على أسئلتنا التي استهليناها في بداية المقالة، يُجيبنا الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – مؤسس الدولة (رحمه الله) بأنَّ "الثروة الحقيقية هي ثروة الرجال وليس المال والنفط، ولا فائدة في المال إذا لم يُسخَّر لخدمة الشعب… لقد علَّمتنا الصحراء أن نصبر طويلاً حتى ينبت الخير، وعلينا أن نصبر ونُواصل مسيرة البناء حتى نُحَقّقَ الخير لوطننا"، ويُتابع أبنائه من بعده المسيرة بتحقيق الحُلم، وبالإصرار وبالإرادة الصادقة يتحول الحُلم إلى حقيقة، فدُبي كانت يوماً حُلُماً راود حاكمها بأن تكون نموذجاً حضارياً رائداً كمدينة بيروت، فكانت كما أراد… فهنيئاً لشعب الإمارات المتحدة في حكامه، وأعان الله الشعب اللبناني في مُصابِه.


(*) باحث في علم اجتماع المعرفة

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.