هل التزم لبنان قانون تجريم التعذيب؟

"العفو الدولية" تنشر روايات مروّعة للموقوفين

/ سماح عبيد /

أقر البرلمان اللبناني في 2017، نتيجة ضغوط منظمات حقوقية وإنسانية دولية ووطنية، قانون تجريم التعذيب وغيره من المعاملة أو العقوبة القاسية والمهينة، ونشر في الجريدة الرسمية في تشرين الأول من العام ذاته، ولكنه لم يتم العمل به لأن الحكومة لم تصدر بعد مرسوم تعيين أعضاء الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب، وهي هيئة وطنية مستقلة مفوضة للتحقيق في مزاعم التعذيب ومراقبة ظروف الاحتجاز.

مرّت على سجون لبنان حالات تعذيب كثيرة معلنة وغير معلنة، كان أشهرها الفيديو المسرّب من داخل سجن رومية في 2015 لعدد من الموقوفين الاسلاميين.

ولا يمكن الإنكار أن النصيب الأكبر من التعذيب يقع على كاهل الموقوفين في القضايا التي تمس بالأمن في لبنان.

في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً تضمن روايات مروعة لبعض السجناء الذين تعرضوا للتعذيب. وبحسب الشهادات والأدلة فإن حالات التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة السيئة، لا تزال قائمة في مختلف فروع أجهزة الأمن اللبناني: استخبارات الجيش اللبناني (التابعة لوزارة الدفاع)؛ وأمن الدولة (تحت إمرة المجلس الأعلى للدفاع)؛ وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي؛ وفرع المعلومات في المديرية العامة للأمن العام (كلاهما يتبع لوزارة الداخلية والبلديات). وعرض في التقرير واحدة من أكثر الحالات صدماً من بين تلك التي وثَّقَتْها منظمة العفو الدولية، وهي حالة حسّان الضيقة، وهو أب لثلاثة أطفال يبلغ من العمر 44 عاماً، إذ يُعتقد أنه تعرّض للتعذيب حتى الموت خلال فترة احتجازه الأولى. وهو قد توفي يوم 11 مايو/أيار 2019.

اعتقل حسّان الضيقة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2018 بدون أمر قضائي واتهم بالاتجار في المخدرات. وَوُضِع في الحبس الانفرادي لدى شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي لمدة تسعة أيام. يقول والده المحامي توفيق الضيقة إن ابنه حسّان تعرّض خلال هذه المدة للضرب المبرح، بما في ذلك على أعضائه التناسلية، كما عُلِّق في الهواء لفترات طويلة، وتعرّض لصدمات كهربائية، وجُرِّد من ملابسه. ولم يُسمح له خلال هذه المدة بالالتقاء بأبيه، الذي كان محامياً عنه أيضاً.

وكان حسان الضيقة قد سرد محنته بعد انقضاء هذه الأيام التسعة في رسائل على علب كرتون وورق عشوائي، بعثها إلى أبيه من مكان سجنه اللاحق.

وقال حسان في إحدى الرسائل إنه بعد تعرضه للتعذيب لأيام "لم أعد أستطيع التحمّل فقال لي (الضابط): بدك تحكي أو بدك تموت… أنت هون عنا، يعني تقتل هون ونقول عنك انتحرت.. فقلت له: بأمرك شو بدك بأمرك. وبدأت أوافق معه على كل ما يقوله، لو قال لي: انت قتلت النبي (محمد)، سأقول نعم… افتكرت أني بذلك أكون قد انتهيت من العذاب!".

ورفض النائب العام مراراً طلبات والد حسان بإجراء فحص طبي لإبنه. وأخيراً، قُبِل الطلب لكن سرعان ما رفضته النيابة عندما كشفت الفحوص الطبية أن حسان تعرض للعنف. وقد اطّلعت منظمة العفو الدولية على ثلاثة تقارير صادرة عن الطب الشرعي بالإضافة إلى تقييم نفسي لحالته، ذكرت كلها أن حسان تعرض للعنف وأصيب بجرح عميق في أسفل الظهر استدعت علاجاً فورياً.

وقدم والده ثلاث شكاوى على أساس قانون مناهضة التعذيب، لكن النيابة العامة تقاعست عن فتح تحقيق في هذه الشكاوى. وقال إنه اضطر، في نهاية المطاف، إلى سحب الشكوى الأخيرة بعدما تعرض للتهديد من قبل السلطات الأمنية.

وقال توفيق الضيقة لمنظمة العفو: "فهمت أن رأس ابني ورأسي بين أياديهم. لو لم نشتكِ، لو لم نستخدم القانون رقم 65، لكان ابني قد بقي على قيد الحياة".

وأعلنت وزيرة الداخلية عن فتح تحقيق داخليّ في سبب الوفاة.

روايات اخرى

يروي مصعب، الموقوف منذ 2017 بتهمة الإرهاب، تفاصيل توقيفه في رياق، حيث تعرض للتعذيب النفسي واللفظي، كالتطاول على الاعراض، والجسدي منها الضرب بأداة حادة على مختلف مناطق الجسم مما شكل له ندوباً ما زالت موجودة بوضوح على جسده حتى الآن، لينقل على إثرها الى المستشفى، ثم تم بعد اخراجه والكشف عليه معاودة توقيفة في أبلح ليتعرض الى تعذيب آخر أجبره على الاعتراف بأقوال يقول إنها لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

واللافت ان ادارة السجن لم تسمح للطبيب الشرعي بالكشف عليه.

أما خالد والذي تم القبض عليه في 2017 بتهمة التخطيط والانتماء الى جماعة مسلحة فيقول: استمر التحقيق مدة عشرة أيام، في هذه المدة لم أستطع النوم سوى لساعات قليلة جداً على الارضية لعدم توفر الفراش، بالإضافة الى حرماني من الطعام لمدة خمسة أيام، ومنعي من الدخول الى الحمام والجلوس لمدة 24 ساعة، ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يقومون بالضغط عليّ من خلال التهديد باعتقال عائلتي. أما أصعب ما عشته فهو التعذيب بالكهرباء والذي أثّر على يدي، والتعليق على "البلانغو" مما اجبرني على الاعتراف بما لم أقم به وعلى ذكر أسماء لا علاقة لها بشيء. اليوم أعاني من مرض في القلب والطبابة في السجن لا تهتم بنا، وحتى أنه في بعض الأحيان نفتقد بعض الأدوية الضرورية والبيئة تزيد من حالتي الصحية سوءاً.

أما جاسم وهو أحد الموقوفين في سجن رومية حتى اليوم دون محاكمة فيقول إنه تم ضربه منذ لحظة توقيفه بالبنادق حتى وصوله على مركز توقيفه. وبحسب قوله:

تم تعليقي من القدمين على "البلانغو" وبدأوا بضربي بأداة حادة على جسمي حتى قبل التحقيق معي، ليرموني بعدها على الأرض ويقوموا بتبليل الغرفة ووضع الكهرباء على الارضية. لحظات عصيبة عشتها، حيث تم إحراقي بالسجائر على يدي وصدري، ثم تم نقلي بعدها الى مركز آخر ليعاودوا تعذيبي بالبلانغو والكرباج، ويعتمدون أيضاً التعذيب النفسي بوضع الموقوف في غرفة يوجد بها مروحة فقط، حتى أني وصلت لحالة شعرت أن قلبي سيتوقف. أما الصدمة فوجود غرفة تحت الارض لطالما سمعنا فيها أصوات جنازير وكلاب وأصوات نساء يتم تعذيبها. ودائما ما يعتمدون الالقاب كالتمساح والجبل وعطية حتى لا نتمكن من معرفة أسماء العناصر.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.