عصا بري.. وراية "حزب الله"

لم يعد نبيه بري يشعر أنه حارس "التركيبة السياسية".

الأستاذ الخبير المحلّف والمحنّك، يعيش أزمة صامتة. لكنه يتعامل مع الواقع على قاعدة "إذا لم يكن ما تريد فأرِد ما يكون".

الرياح التي تعصف بالواقع السياسي، دفعت بالرئيس بري إلى الانكفاء، فهو لا يعرف الانحناء، ولذلك فضّل تخفيف الجهد، لأنه يدرك أن الحاجة إليه لا بد أن تعيد "الضالين" إلى عرينه.

لكن الحقيقة أن نبيه برّي مأزوم.

منذ التسوية الرئاسية، والرجل يشعر بمزيد من الابتعاد عنه، ربما لأن العهد بدأ بمواجهة بين عين التينة وبعبدا، وكان يعتقد أن "شريكه الشقيق" سيكون إلى جانبه في تلك المواجهة، أو على الأقل فإنه سيتفرّج. لكن المفاجأة أن "حزب الله" أمسك بطرف القرار السياسي الشيعي، وبدأ تقويض التفويض المطلق الذي كان ممنوحاً لرئيس حركة "أمل".

شعر برّي برغبة الحزب في مشاركته القرار السياسي، وباسترداد التفويض الذي كان أعطاه له. فتخلّى طوعاً عن حصرية القرار، خصوصاً بعد أن تركه الحزب وحيداً في مواجهة القضم التدريجي الذي كان يمارسه العهد لموقعه في التركيبة السياسية.

التقط نبيه بري الإشارة، وبدأ بتجميع أوراق "الشيعية السياسية" التي أدرك أنها تعيش أيامها الأخيرة، وهو حريص على عدم سقوطها بين يديه أو بمباركته، خصوصاً أن البديل عنها ليس بالعودة إلى الطائف، وإنما بالعودة إلى ما قبله، مع ما يعني ذلك من مخاطر يراها حارس الرئاسة الثانية على التوازنات الوطنية.

حاول بري تجميع قوى الطائف، لكن لكل حساباته، فانفض عنهم، وصار ينتظرهم كلما وقعوا في مأزق، وتحوّل إلى مصلح بينهم و"مرشد أعلى" لأنصار الطائف.

ليس سهلاً على نبيه بري أن يتحول إلى شاهد على انهيار واقع سياسي ساهم هو نفسه في صناعة بعضه وفي تكريس الباقي منه.

مأزوم نبيه بري من حلفائه وأصدقائه وشركائه… لكنه مأزوم أيضاً من خصومه الذي اندفعوا بمواجهته وما زالوا، وإن اختلف الأسلوب.

يشعر نبيه بري أن مرحلة الطائف تنازع للبقاء، وأن الظروف الموضوعية لم تعد تؤمّن للطائف جرعات هواء يتنفّسها ليستمد منها عمراً أطول.

يدرك نبيه بري أن أزمة المرجعية السياسية الشيعية لا يمكن أن تجد باباً للحل إلا من خلاله، وهو على قناعة أن التغريد بعيداً عنه لن يطول، وأن الظروف ستدفع الجميع للتسليم مجدداً بمنحه عصا الإدارة، خصوصاً في ظل تصاعد وتيرة المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية وبين إيران، وانعكاس هذه المواجهة على موقع ودور "حزب الله".

لكن نبيه بري يخشى أن يكون قد أصيب بالملل حين يلجأون إليه، فلا يمتلك الحماسة نفسها، والاندفاع ذاته، لتحرير شركائه من براثن الحصار السياسي الذي سيطوّق الشيعة تحت راية "حزب الله"، وسيضطرون للتفتيش عن راية حركة "أمل" لحمايتهم من وطأة الهجمة الشرسة عليهم.

ليس نبيه بري وحده من يعيش أزمة في الواقع الشيعي. "حزب الله" نفسه يعيش أزمة مكبوتة. هي أزمة متعددة الرؤوس، تبدأ من تداعيات انخفاض الدعم المالي وتأثيره على حركة الحزب وعلى واقعه وجمهوره وحاجاته، ولا تنتهي بأزمة الدور المستقبلي الذي يتلمّس الحزب أنه محكوم بالتفتيش عنه في ظل متغيرات قد تدفعه للعودة من سوريا في وقتٍ ما.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.