الكاثوليك يبحثون عن دور.. أو زعامة؟

فرعون لـ "الرقيب": موقعنا وطني جامع

ـ البطريرك العبسي يجمع فرق عمل غير حزبي

ـ مقدسي: رئاسة مجلس الشيوخ لنا

ـ طائفة "الملكيين" هي طائفة المحرومين

/ نورما أبو زيد /

بعد أدوار طليعية لعبها رجالات مرّوا على طائفة الروم الملكيين الأرثوذكس، كهنري فرعون الذي كانت زعامته ممتدة من القاع ورأس بعلبك إلى زحلة وشرقي صيدا، وجوزيف سكاف الذي تجاوزت أدواره حدود الطائفة وزحلة، فقدت طائفة الملكيين "ملوكها"، وتجرّدت من أيّ مرجعية سياسية وازنة. حتى مرجعيتها الدينية وصلت إلى حدّ "الإفلاس"، قبل أن تنتفض الطائفة على "راعيها" البطريرك غريغوريوس الثالث لحام، وتنتخب النائب العام البطريركي في دمشق جوزيف العبسي خلفاً له، معلّقة آمالاً عليه في الكنيسة وفي السياسة، خصوصاً في ظل معلومات خاصة لـ"الرقيب" أنه يتم تشكيل فريق عمل Think tank تحت مظلة البطريرك عبسي، يتراوح عدده ما بين 10 و12 شخصاً، على أن يكونوا منزوعي الصفة الحزبية.

رغم التقاط طائفة الملكيين أنفاسها قبل سنتين مع وصول العبسي إلى قمة كنيستها، يشعر رعايا الطائفة إلى اليوم، أنّ طائفتهم بحاجة لرِعاية خاصة. ويعتبرون أنّه إذا كان توصيف مأزومة "يليق" بمختلف الطوائف، فإنّ طائفة الملكيين تستحقّ لقب "مأزومة Au carré".

لا شكّ أنّ علامات الاستفهام الكثيرة التي أحاطت بالبطريرك السابق، أثّرت سلباً على دور الطائفة وحضورها وموقعها في الدولة اللبنانية، ولكن لا شكّ أيضاً أنّ أفول عصر الزعامات كان بدوره عاملاً مؤثراً على طاقة الطائفة وحضورها، وقد أتى القانون الانتخابي النسبي ليقضي على آخر نفس "زعاماتي ـ بيوتاتي"، بحيث أقصت العاصمة بيروت ميشال فرعون، وانتخابات زحلة قضت على الزعامة الناشئة للوريثة ميريام سكاف، وأوصدت باب آل فتوش. أمّا سائر "الزعامات" الناشئة، فلا ترقى إلى مستوى بيوت سياسية زعاماتية، وليست أكثر من شخصيات ملحقة بالأحزاب المارونية، أو بمحور وليد جنبلاط كالنائب نعمة طعمة.

يتوه الكاثوليك اليوم بين الأحزاب السياسية بعد أن خسروا طيف الخصوصية السياسية التي لطالما كانت موجودة في الواقع السياسي اللبناني، بغض النظر عن حجمها وفاعلية دورها ومدى تأثيرها.

ثمة من يعتقد أن الواقع السياسي الكاثوليكي اليوم هو في العناية الفائقة، والبحث جارٍ عن صيغة بديلة للقيادة الكاثوليكية، وربما يكون المجلس الأعلى للطائفة هو البديل المتوفّر حالياً.

الوزير السابق ميشال فرعون يؤكّد في حديث لـ"الرقيب" أن دور الطائفة وموقعها ووجودها لا يرتبطون بشخص وإنما بالصيغة اللبنانية الجامعة التي تقوم على التوازن بين الطوائف، والموجودة منذ ما قبل الطائف واستمرت بعده، على الرغم من الخلل الذي أصاب هذه الصيغة بقيام ما يسمّى الترويكا وبدعة الوزارات السيادية.

يشدّد فرعون على أن الكاثوليك ساهموا في تأسيس لبنان، وهناك رموز كاثوليكية لها أيادٍ بيضاء في متابعة شؤون الطائفة، لكن الأهم أن دور الكاثوليك هو دور وطني جامع يتجاوز حدود الطائفة، وهم لطالما كانوا أصحاب ثقافة الحوار وإيجاد الحلول التي تميّز بها الكاثوليك مناطقياً ووطنياً.

يلفت فرعون إلى أن احتكار بعض الوزارات لبعض الطوائف هو غير دستوري، وقد دفع ثمن هذا الأمر الكاثوليك والدروز، وبالتالي هناك ضرورة للعودة إلى الدستور عبر كسر هذه الحلقة التي تكرّس توزيعاً طائفياً ومذهبياً لبعض الوزارات.

أما بالنسبة إلى مواقع الكاثوليك في الدولة فيؤكّد فرعون أنها لم تتأثّر في سياق "السلّة" التي تعطي الطوائف مواقع أمنية وإدارية، مشدداً على أن أحداً لا يستطيع إلغاء طائفة أو تجاوزها في البلد.

أما عن التمثيل السياسي للكاثوليك وما إذا كانت هناك محاولة لإلغاء المرجعيات الكاثوليكية، فيشير فرعون إلى أن المجلس الأعلى للطائفة يعوّض نسبياً الخسارة الانتخابية لرموز الكاثوليك السياسيين، والمجلس هو محطة للحوار الكاثوليكي.

قراءة فرعون للواقع الكاثوليكي قد لا تختلف كثيراً عن قراءة ميريام سكاف التي "تهرّبت" من موعد مع "الرقيب" واكتفت في اتصال هاتفي بالإشارة إلى أن هناك من يريد إلغاءها.

خارج السياسة، يحاول رئيس مجلس الإدارة السابق لتلفزيون لبنان طلال مقدسي تقديم قراءة مختلفة للواقع الكاثوليكي اليوم، وهو يقيم طوعاً تحت جبّة البطريرك جوزيف العبسي، وينصّبه مرجعية وطنية وسياسية جديدة لطائفة الروم الملكيين الأرثوذكس، إضافة إلى مرجعيته الدينية.

يقول مقدسي صراحةً، إنّ "طائفة الملكيين تعيش حالة فراغ سياسي، وهذا طبيعي، لأنّنا توابع منذ 20 عاماً"، أمّا المسؤولية الأكبر فيحمّلها للنائب والوزير السابق ميشال فرعون وميريام سكاف.

يطلق مقدسي انتقادات حادة لكل من فرعون وسكاف، ويشير إلى أنه "كانت هناك زعامات تستحق الاحترام ولها ثقلها فرزتها الظروف مثل حبيب مطران وجوزيف سكاف". وبرأيه

لم يعد مقبولاً تكريس الانقسام السياسي السائد في رئاسة المجلس الأعلى للطائفة، وعليه يجب اختيار رئيس له لا "عونياً" ولا "قواتياً"، ولا شخصاً محسوباً على خطّ "8 آذار"، ولا آخر ينتمي إلى خطّ "14 آذار". برأيه الطائفة "تحتاج اليوم أكثر من أيّ وقت مضى لمن يوحّدها، وعليه بدل أن يتمّ انتخاب رجل سياسي رئيساً للمجلس الأعلى، فليقع الاختيار هذه المرّة على رجل أعمال لا ينتمي بشكل فاقع إلى محور أو حزب". ويتابع: كل إنسان في لبنان لديه ميول سياسية، ولكن أنا لست مع الانتماء الفاقع لمن سوف يتولّى سدّة رئاسة المجلس.

يقول مقدسي إنّ حالة الشلل التي أصابت المجلس الأعلى هي أحد أسباب ضمور طائفة الملكيين. برأيه، في السنوات الـ 15 الأخيرة، المجلس الأعلى لم يقم بأيّ عمل إطلاقاً. أما السبب، فهو أنّ "ميشال فرعون اعتبر أنّه هو النائب وهو الوزير وهو رئيس المجلس الأعلى وهو الكاثوليك.. اعتقد أنّ الطائفة بخير إذا كان هو بخير، ولذلك طافت علينا الطوفة".

لا يكتفي مقدسي بتوجيه سهام انتقاده إلى أسماء معيّنة لعبت وتلعب دوراً على الساحة السياسية، بل يصل إلى قلب الكنيسة التي ينتمي إليها، ويقول دون أيّ تردد إنّ حالة الهريان السياسية السابقة، ترافقت وحالة هريان كنسيّة. ويضيف: "كانت أزمتنا كبيرة ككاثوليك. كان لدينا بطريرك يعتبر نفسه بطريركاً على كاثوليك سوريا فقط، وكان لبنان آخر همّ عنده. كان يأخذ من هنا ويضع هناك، أو في مكان آخر. بينما بطريركنا الحالي يتمتّع بحكمة وعمق ورصانة ورجاحة عقل ويزين الأمور بميزان جوهرجي".

يعترف بأن الناس لديها انطباع أن البطريرك العبسي Low profile، لأنّها تقارنه ببطريرك الموارنة بشارة الراعي الذي يعشق الأضواء. ويضيف: البطريرك الراعي ما عليكِ سوى أن تعطيه ميكروفون وهو يتكفّل بالباقي، دون أن يأخذ بعين الاعتبار أنّ الإكثار من التصريح أزمة.

عن سرّ الهوية السياسية الضائعة للروم الكاثوليك، بخلاف سائر الطوائف الأقلوية لدى المسيحيين، يقول مقدسي: "نحن ككاثوليك لا نريد أن نصنع زعامة سياسية. نحن طائفة رجال الأعمال والمثقفين، ونبحث عن دور لا عن زعامة، ودورنا قد يبرز قريباً مع إنشاء مجلس للشيوخ. نقول له: هذا الكلام سيُغضب وليد جنبلاط. فيجيب: "مش فارقة معي". ويحتكم إلى "الطائف" ليعلّل مطالبته برئيس روم كاثوليك لمجلس الشيوخ. يقول إنّ "الطائف" أوصى بالمناصفة، وبما أنّ هناك رئيس جمهورية مسيحي، ورئيسي مجلس نيابي وحكومة من الطائفة الإسلامية، فهذا يعني حكماً أنّ رئاسة مجلس الشيوخ يجب أن تعود للروم الكاثوليك كي تتحقّق المناصفة في الرئاسات. وأيّ إسناد لرئاسة المجلس للدروز، يعني تلقائياً أنّ الطائفة الإسلامية استحوذت على ثلاث رئاسات مقابل رئاسة واحدة للمسيحيين.

أمّا مطالبة الأرثوذكس برئاسة مجلس الشيوخ، فهي بدورها غير محقّة بنظر مقدسي، ويعيد ذلك إلى تخصيص منصبي نائب رئيس الحكومة ونائب رئيس مجلس النواب لهم. ويخلص إلى أنّ "طائفة الكاثوليك هي طائفة المحرومين، وميشال فرعون الذي كان ينصّب نفسه ولياً على الطائفة لم يطالب بحقوقها".  ومن سيطالب بحقوقها؟ يجيب جازماً: "البطريرك. نحن مرجعيتنا الوطنية والسياسية الجديدة في لبنان هي البطريرك".

وهل بمقدوره أن يعوّض الغياب السياسي لزعامات الطائفة؟

يجيب: "المجلس الأعلى في حالة تصريف وقت، على قاعدة خلّص مدتك وروح. وانطلاقاً ممّا تقدّم هناك إعادة نظر بمهام المجلس الأعلى ودوره". ويضيف: "فرعون فقد مشروعية بقاءه في المجلس الأعلى، وكي يستعيد شرعيته، يتوجّب عليه أن يستقيل، وأن يعيّن مجدداً كعضو في الهيئة التنفيذية. وبما أنّه لم يبادر بالاستقالة من تلقاء نفسه، فضّل البطريرك انتظار نفاذ ولاية المجلس".

ولكن هل هناك شخصية سياسية كاثوليكية بمقدورها أن تشكّل البديل لفرعون؟ يجيب: "ولماذا ما من بديل؟ هناك بديل، وهناك شخصيات كثيرة مؤهّلة للمناصب القيادية".

وماذا عن استسلام الكاثوليك للانقسام المسيحي العام تحت إدارة الموارنة؟ يقول: "نحن ككاثوليك نريد أفضل العلاقات مع الموارنة، ونتوق إلى علاقة استثنائية مع الشيعة، كما نسعى لعلاقة مميّزة مع السنّة، ولكننا لا نريد أن نكون توابع لأحد، ولا نريد أن نذوب بأحد".

وعن الواقع الحالي يقول: "لا دور. ذوبان وتوابع. والسبب، غياب المرجعية الدينية بالتزامن مع اضمحلال المرجعية السياسية".

وكيف تستعيد الطائفة دورها؟ يجيب: "عوض أن تكون هناك مرجعية سياسية واحدة، فليكن هناك فريق من 10 أشخاص". ومن ثمّ يتحدّث بإيجابية عالية عن الزيارة التي قام بها مؤخراً البطريرك عبسي لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ويقول "إنّها سابقة ليس فقط من حيث الشكل، بحيث تكاد تكون أول زيارة لبطريرك الكاثوليك إلى رئيس الجمهورية، بل من حيث المضمون أيضاً، بحيث أتت هذه الزيارة بعد اجتماعات متعددة ومكثفة تحت سقف البطريركية، لتسليط الضوء على مشاكل الطائفة، وعلى الشواغر في المواقع الكاثوليكية، وقد بحث العبسي مع فخامة الرئيس الذي هو أعلى سلطة بالبلاد بهذه الشؤون التي تخصّ الطائفة".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.