هكذا يخفّف الحريري وطأة السنوات "العجاف"

المأزومون السنّة.. والطموحات المكبوتة!

/ خضر طالب /

عندما قرّر الرئيس سعد الحريري خوض مغامرة التسوية الرئاسية، تعرّض لكثير من النقد من داخل بيئته، بل وانقلب عليه البعض، وتمرّد بعض آخر، وحرد كثر.

راهن هؤلاء على موقف سعودي يمنع الحريري من عقد هذه التسوية، لكن السعودية لم تعلّق، ونجح الحريري في إنجاز كان يسبقه إليه آخرون من باب المناورة، وعندما أقدم عليها الحريري انقلبوا عليه.

لم يكن يعلم أحد ما هي المعطيات التي دفعت بالحريري إلى تلك المغامرة التي أنهت نحو 6 سنوات من الهجرة.

وبقدر ما كان القرار جريئاً، وينطوي على قراءة هادئة وفهم عميق للواقع القائم، بقدر ما كانت تداعياته ثقيلة عليه، داخل بيئته ومع حلفائه.

خسائر الحريري لا تعدّ ولا تحصى من تلك التسوية، لكن ربحه كان كفيلاً بتعويض تلك الخسائر، فهو هبط من طائرته، وعاد إلى موقعه السياسي وفي الحكم كضرورة لخصومه قبل حلفائه.

اليوم لم يعد سعد الحريري يفرض نفسه في الحكم بقوة التسوية فقط. صحيح أنها ما تزال ضمانة لاستقراره في الحكم كما لاستقرار غيره أيضاً، لكن الأصح أنه صار حاجة لجميع الأطراف من الحلفاء والخصوم والأصدقاء و"الأعدقاء"… اللهم إلا المتربّصين به للجلوس مكانه في السراي الكبير.

عاد سعد الحريري يلملم جمهوره من دون تمويل، فقد انتهى زمن البحبوحة التي كانت تؤمّن له رصيداً كاسحاً في الشارع، ثم خاض الانتخابات النيابية بـ"اللحم" الحي وبما تيسّر من تمويل موضعي في كل منطقة، وانتهى بحصاد شعبي وسياسي جعله القوة السنيّة الأكبر، على الرغم من خسارته حصرية التمثيل السياسي للسنّة. وحتى تلك الخسارة بدأ باستيعابها، بعد أن نجح "بطريقة ما" بإعادة خصمه الرئيس نجيب ميقاتي إلى دائرة تأثيره.

مع ذلك، فإن سعد الحريري هو أكثر المأزومين في الواقع السنّي.

تتشعّب أزمة سعد الحريري إلى أزمات، حتى لكأنها تبدو مجموعة من الأعاصير التي تحيط به من كل جانب.

في الحكم، يعاني الحريري من "شراهة" شريكه في التسوية الرئاسية جبران باسيل لاستعادة موقع المسيحيين… ولو على حساب السنّة والشيعة والحريري وكل الأطياف السياسية.

ويحمل الحريري وزر اندفاعة جبران باسيل الصاروخية، بين جمهوره، ولدى حلفائه، وفي علاقته مع شريكه رئيس الجمهورية ميشال عون، كما في علاقته مع الحلفاء السابقين واللاحقين والشركاء السياسيين…

يكتشف الحريري أنه غير قادر على الوقوف أمام موجات "تسونامي" التي تتسبب بها حركة باسيل، لكن يعجز أيضاً عن إدارة الظهر لها نظراً لتبعاتها عليه أولاً، وعلى واقعه السياسي، ووضعه في بيئته، وصورته كرئيس حكومة، خصوصاً أنه يستمع إلى ما يتردّد من كلام عن ضعفه في الحكم وتنازلاته عن صلاحيات رئاسة الحكومة.

المفارقة أن سعد الحريري يدير معاركه السياسية هذه المرّة بنفسه، من دون الاعتماد على فريق العمل الذي رافقه في المرحلة السابقة. يريد سعد الحريري أن يخوض هذه التحديات بنفسه، وأن "يخشّن" يديه و"يصلّب" عوده، على الرغم من مخاطر أسلوب الـ"وان مان شو" الذي قد يودي في أي لحظة بالمهالك.

يشعر سعد الحريري بوطأة أزمته، مع ذلك يحاول تدوير الزوايا لتقليل خسائره في السنوات العجاف، على أمل أن تنتهي في وقت قريب مع موسم حصاد "سيدر".

في الوقت الفاصل، بدأ "جسم" تيار "المستقبل" يخسر بعض دروع الحماية.

لم تكن حالة أشرف ريفي هي الوحيدة التي تمرّدت على "المستقبل". ولم تكن حالة خالد ضاهر فريدة في تأرجحها مع "المستقبل"… نهاد المشنوق الذي يعتبر من "الحرس القديم" لم يعد "التيار" قادراً على حمله ولا توجد فيه مساحة كافية لتمدّده. كان "الوزير القبضاي" من رموز الصف الأول، لكن عودة سعد الحريري وتشديد قبضته أقصت كل الرموز من الصف الأول.. باستثناء الرئيس فؤاد السنيورة الذي عرف كيف يرسم لنفسه مساحة وجد فيها الحريري متنفّساً، فبقي السنيورة في الملعب، خصوصاً أنه نجح في استدراج نجيب ميقاتي إلى نادي "رؤساء الحكومات السابقين" الذي يضم أيضاً تمام سلام.

عملياً، نجح الحريري في احتواء كل من نجيب ميقاتي وأشرف ريفي، مباشرة أو بالواسطة، وأضعف المشنوق وطموحاته، وقبل بتنوع سنّي يمثّله "اللقاء التشاوري" تاركاً المواجهة معه لمحطات لاحقة، خصوصاً أنه غير قلق من منافسة له من داخل هذا "اللقاء" بحكم ضمانة التسوية الرئاسية التي تضمّ ايضاً "حزب الله".

لكن الحريري مع ذلك مأزوم بسبب غياب ظهر يستند إليه، فالسعودية تدير ظهرها بالكامل، وليس أمام الحريري إلا التعامل مع الواقع وتخفيف الخسائر.

أيضاً نجيب ميقاتي مأزوم. طموحاته تصطدم بتركيبة لا مكان له فيها إلا خلف الحريري، وبواقع في المنطقة لا يسمح له بمجرد التفكير بأي طموح.. إلا بـ"فلتة شوط"!

نهاد المشنوق مأزوم. الرجل "خرج من المولد بلا حمّص"، ووفاؤه للحريري ودفاعه عنه لحظة الحقيقة لم يشفعا له في الحصول على موقع متميّز في التركيبة الحريرية التي كانت تراقبه بتوجّس.

أشرف ريفي مأزوم. الرجل الذي ثار على الحريري، عاد ووضع قدميه على الأرض عندما اكتشف أن من كان يدفعه للمواجهة قد أدار له ظهره .

قد لا يكفي صراخ النائب السابق خالد ضاهر للتعبير عن الواقع الذي تعيشه القيادات التي كانت تدور في فلك السعودية، لكن الحقيقة أنهم جميعاً مأزومون في غياب الحماية والدعم والتمويل.

أما سنّة اللقاء التشاوري، فأزمتهم أنهم كلّما حاولوا رسم هامش لهم، تدفعهم الوقائع مجدداً إلى موقعهم السياسي الذي ينتمون إليه.

سنّة لبنان مأزومون.. وقسم منهم أصابه الإحباط، وبعضهم بدأ يفكّر بالانكفاء لأن الأفق يبدو مقفلاً أمام طموحاتهم.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.