لا دولة بلا سياسة إقتصادية سليمة

بسام ضو (*)

مضى على انتخاب الرئيس ميشال عون نحو ثلاث سنوات، وقد ارتبط هذا الانتخاب بالتفاؤل الكبير بتغيرات جذرية على صعيدي تفعيل الحياة السياسية والسياسة الاقتصادية، وما يتفرّع عنهما من سياسات، إضافةً إلى تحسين أداء الإدارة العامة.

لا شك أن هناك ضرورة ماسّة لربط التفعيل الإقتصادي بأداء الإدارة العامة في كل دولة تتوّفر فيها مقوّمات السيادة التامة والناجزة. وبعد هذه الفترة (فترة السماح)، لا بُدّ للدولة من القيام بدور أساسي، بعد سنوات وسنوات من الفوضى وما شهدناه من تدمير ممنهج لكافة إدارات الدولة وتفشّي الفساد، وما زلنا نلاحظ إهمالاً في شؤون الطاقات البشرية من تعليم وتأهيل وطبابة، وغياب كُلّي لدور الدولة التنظيمي على مختلف المستويات.

إنّ الأجواء السياسية والأمنية المحلية والإقليمية والدولية تؤثر تأثيرًا كبيرًا في توجهات السياسة الإقتصادية الداخلية، وهذا الأمر يتطلب تفعيل دور الدولة ومؤسساتها في العملية التنموية، بما في ذلك التوجه نحو التخصصية في كل المرافق العامة، والتركيز على الإستثمار الخاص في عملية التنمية، وذلك تماشيًا مع التطورات الإقتصادية الدولية الحالية. وللأسف، فإنه بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني وبنودها في العام 1990، نجد أنفسنا مضطرين للمطالبة بتحديث إدارات الدولة ووضع خطط لها ونحن في العام 2019، وهذا أمر محرج لكل من يتعاطى في الشأن العام، ولكل من يُحاول أنّ يتعاون مع المجتمعات الدولية الراغبة في مساعدة لبنان. ولن ننسى ما طالب به المجتمع الدولي بعد المؤتمرات التي عُقِدتْ لمساعدة لبنان، ولغاية اليوم لم يتوصل من يُمارس السلطة إلى تحديث القوانين وضبط الفساد وتسيير إدارات الدولة كما يجب.

إنّ السؤال الذي يتوجب طرحه هو: كيف نطوِّر قدراتنا لمواجهة المرحلة الراهنة في ضوء المقررات التي صدرت عقب مؤتمر "سيدر "؟ وتندرج تحت هذا السؤال مسائل متعددة منها، على سبيل المثال ولا الحصر رفع مستوى إنتاجية القطاعين الصناعي والزراعي وقدراتهما التنافسية وإعادة بناء البنية التحتية. والمؤسف أنّ الكهرباء تُعطى بـ "تربيح جميلة"، ناهيك عن المواصلات بين منطقة وأخرى وما ينتج من هدر للوقت. كما علينا تحديث الإدارة اللبنانية ومؤسسات القطاع العام وجعلها أكثر كفاءة وإنتاجية. كما لا بُدّ من توسيع المجال الإقتصادي العالمي والعربي اللذين يعودان بالفائدة على لبنان.

إن الإصلاح هو المدخل الأساسي لمعالجة كل المشاكل الإقتصادية والمالية في لبنان، والمطلوب عمليًا البدء بورشة إصلاح وتعزيز أدوار الأجهزة الرقابية والقضائية، وهذه الإصلاحات تتلاقى مع المتطلبات التي يُنادي بها المجتمع الدولي ومؤسساته الفاعلة. وفي مقاربة علمية دقيقة أجراها أحد أساتذة الجامعة اللبنانية فإنّ حجم الدين العام وضغط كلفة خدمته السنوية على الموازنة والإقتصاد، يمثلان جوهر الأزمة الإقتصادية. والحل بالنسبة إليه في العودة إلى اعتماد الموازنات الدستورية التي هي المدخل لمعالجة كامل الأوضاع المالية للدولة. والمؤسف لغاية الشهر الحالي لم تُقَّر الموازنة…

إن المطلوب من العهد هو وضع خطة إقتصادية في إطار برنامج الإنفاق الإستثماري، لتحفيز الإقتصاد الوطني، وتحسين المالية العامة، وتطوير قطاعات البنية التحتية، وتوفير ظروف إجتماعية أفضل. كما أنه مطلوب من العهد بإجراء الكثير من الإصلاحات المالية والإقتصادية، وهذه الخطوة في حال حصولها هي في الإتجاه السليم والصحيح، وخصوصًا لناحية التوجه والعزم على تقليص بعض مصادر الإنفاق العام. فهل يسمعنا العهد وكل شركائه ويحاوروننا على هذا الأساس مستفيدين من خبراتنا وعلمنا وعلاقاتنا؟!

إنّ الإستقرار السياسي هو أفضل وسيلة لكي نستطيع إدخال الإصلاحات وخلق نمّو سليم، والمطلوب هو تفاهم كل المسؤولين على بناء دولة إقتصادها سليم لنستطيع تحقيق الأهداف النبيلة التي نناضل لأجلها، ونعالج كل الخلل في السياسة الإقتصادية والمالية والأمنية وعلى مختلف مندرجاتها…

علميًا، يُقاس نجاح الدول في إدارة مجتمعاتها بمدى تمكّنها من تحقيق قدر مرضٍ من السلام الداخلي بين مختلف فئات المجتمع. ونظريًا، في الوقت الذي يرى فيه أغلب مفكري ومحللي العلوم السياسية والإقتصادية في لبنان، أنّ تحقيق هذا الإنماء بات وللأسف أمرًا عسيرًا في المجتمع اللبناني.

أنا أشكِّك في إمكانية تحقيق أي تقدُّم، سواء أكان سياسيًا ـ أمنيًا ـ إقتصاديًا ـ إجتماعيًا، بسبب تلك السياسات المعتمدة الناتجة عن إعتماد قانون إنتخابي مُخالف لأبسط القواعد الديمقراطية المتعارف عليها في العلم السياسي…

لدينا رغبة، ونحن مجموعة من الناشطين المناضلين، بتطبيق بعض المفاهيم والقناعات التي ترتكز على العلم والمعرفة وحُسن الإطلاع تتمثل في قيام أمّة موحّدة يحكمها الشعور بالمصير الواحد المشترك، وشعب متحد إجتماعيًا ـ سياسيًا ـ أمنيًا، قوي ومتطوّر وشديد الثقة بنفسه وفخور بلبنانيته ومشرقيته العربية، وأيضًا بناء مجتمع ناضج ديمقراطي غير قابل للإنفراط عند التجارب، ينهض بفاعلية في تطوير بلده، تسوده الأخلاق والقيم والإحترام المتبادل.

كما أننا حريصون على تحقيق التنمية الشاملة المتوازنة بأبعادها الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والتعليمية والثقافية، لكي ننتشل مجتمعنا من الفقر والجهل ومحدودية الدخل وقلّة فرص العمل والإنتاج، إلى مجتمع رائد متقدِّم ينعم أفراده بموارد ماليّة وإستثمارات ضخمة وفرص عمل كبيرة.

نحن نسعى لتطوير نموذج سياسي ـ أمني ـ ديمقرطي ـ إقتصادي ـ إجتماعي، إلى إدارة الإختلاف القائم في البلاد بالكثير من المهارة، والإستفادة من التنوّع الفكري بإعتباره إغناء وإثراء وليس حالة تضاد وصراع كما هو قائم اليوم…

ربما يكون طموحنا مثالياً، ولكن لديه واقعية علميًا بما يكفي تجنيب البلاد الأزمات السياسية والطائفية، وتحقيق نسب تنموية فكرية وعلى كافة الصعُد. ويتمثل هذا النموذج حالة التعامل الواقعي مع التعقيدات القائمة التي يمكن تذليلها لإنقاذ البلاد ومؤسساتها الشرعية والشعب من آتون الهمجية السياسية القائمة، وبالتالي إعادة المحافظة على الدولة بكل أركانها المادية والمعنوية المدنيّة والعسكرية، بشكل متوازن يجعل الجميع يشعرون بأنهم سيستفيدون من حركتنا النضالية ومن الدراسات العديدة التي أعدّدناها.

(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.