تناسل الأزمات.. وثقافة الفعل

فيصل طالب /

وُلِدتُ وفي أذني صدى اللازمة التي تقول بأنّ اللبناني متميّز ومتفرّد ونسيج وحده في الحضور والنجاح والحيوية؛ ولم أفهم لماذا لم يتمّ الربط بين هذه الصفات وما كان يفترض أن تحدثه من ازدهار واكتفاء وحراك تنموي يلبّي الحاجات المضطردة للمجتمع اللبناني، من غير أن أكون مقتنعاً بمقولة أنّ اللبناني يتألّق في النطاق الفردي ويتعثّر في العمل الجمعي؟!

نشأتُ وفي ذاكرتي القول بأنّ اللبناني تاجر شاطر يعرف "من أين تؤكل الكتف"، وأنّه مبادر ومغامر ومثابر ومهاجر يسعى إلى لقمة العيش في أربع رياح الأرض؛ ولم أفهم كيف يُسمح بأن يدمن البلد على خسران شبابه، وقد أفنى الآباء والأمهات أعمارهم في الطريق إلى تنشئة أبنائهم على العلم والمعرفة، وصرفوا في سبيلهم الغالي والرخيص، لا ليبدعوا في دنيا الاغتراب، بل ليعيشوا على أرضهم، ويضعوا مداميك البناء المكين لمجتمعهم ووطنهم؟!

 

كبرتُ وما زال يحضرني ما أورده كتاب التاريخ المدرسي عن تريّث الأمير بشير في جوابه عن طلب نابليون بونابرت منه المساعدة، في أثناء حصاره لأسوار عكا وإصابة جنوده بالطاعون، وذلك حتى يتبيّن الأمير مآل الصراع بين الغازي الفرنسي وأحمد باشا الجزّار ليتخذ الموقف المناسب؛ ولم أفهم، بصرف النظر عن الاعتبارات السياسية والعسكرية في الزمان والمكان، كيف سوّغ واضعو المناهج التربوية لأنفسهم آنذاك أن يمرّروا للتلامذة، وفي سن مبكرة، مثل هذه الأمثولة التي ترجح الوقوف مع ما تمليه موجبات المصالح والمنافع؛ من غير الالتفات إلى القيمة الاعتبارية لتربية الموقف لدى التلميذ في الحياة ومن الحياة، والذي هو الغاية القصوى للتربية؟!

ترعرعتُ وفي خَلَدي أنّ صغر لبنان في الجغرافية لا يمكن أن يُعوّض عنه إِلَّا بالوحدة والدور والرسالة، وأنّ أهمّ ما فيه هو الإنسان الذي نطلّ به على العالمين، بما يختزن من ثقافة التجربة الرائدة في التنوّع والتفاعل والعيش الواحد. ومع ذلك لم يجد هذا الإنسان المعوّل عليه في تصدير نموذجه الفريد إلى الآخرين السبل المناسبة لأبسط حقوقه في الكهرباء بعد ثلاثين عاماً من انتهاء الحرب المسمّاة "أهلية"، والتخلّص من كابوس النفايات المعيب، وحلّ جلجلة الأزمات المرورية المتفاقمة، وغير ذلك من المشكلات الاجتماعية والحياتية والسياسية التي تنغّص عليه نهاره وتؤرّق ليله!

كبرت ولم يغادرني سماع الأسطوانة التي تحكي محاربة الفساد؛ بحيث لم يبقَ أحد في لبنان، على مدى تاريخ البلد، لم يتحدث عن ذلك المرض الفتّاك الذي يصعب قهره، حتى بدا وكأنه عيب مجتمعي وثقافة سائدة لا سبيل للقضاء عليها إِلَّا بثورة ثقافية مضادة تأتي بمفاهيم التمرّس بقيم المواطنة الحقة القائمة على تكريس مبادئ المراقبة والمحاسبة والشفافية واحترام القانون، والمبنية على تعزيز مفاعيل الانتماء والمشاركة والتأثير في الحياة العامة، بعيداً من سلوكيات الإهمال والتقصير والسلبية والاستقالة من المسؤولية؛ وذلك في نطاق استراتيجية وطنية ضدّ الفساد تضع الركائز الرئيسة لنقل الخطاب الإصلاحي في هذا المضمار من الإطار الموسمي إلى المسار التنموي الدائم، ومن النطاق النظري إلى حيّز التطبيق العملي.

منذ أن تفتّح وعيي لم أعرف السكن في أزقّة الوطن وزواريبه، ولم احتمِ بخنادق الطائفية والمذهبية وقادتها الفاتحين… بل تطلّعت إلى ساحاته الفسيحة التي تغريني بشرف الانتماء إليه، وليس إلى القبائل والعشائر والبطون اللابسة لبوس الطوائف والمذاهب والأحزاب… ولم أفهم كيف يضيّع اللبنانيون بوصلتهم في كلّ مرّة يرتجون فيها سبل الحلول الناجعة للمشكلات والتوتّرات الاجتماعية والسياسية؛ إذ إنّهم يعرفون مكمن الداء لكنّهم يستنكفون عن الدواء، فلا يتّعظون، ولا يعتبرون، ولا يخرجون مرّة واحدة وأخيرة من هذا النفق الممض المسمّى بالنظام الطائفي إلى رحاب الدولة المدنية؟!

كم سمعنا وتعلمنا وحفظنا أنّ مستقبل البلد لا يضمنه الاقتصاد الريعي، بل تعزيز القطاعات الإنتاجية في الصناعة والزراعة والاستثمار في كنوز البلد الطبيعية والتراثية والثقافية؛ ولم أفهم لماذا يستمرّ الركون إلى الحالة المتوارثة في الاعتماد على قطاع الخدمات كأساس للبنيان الاقتصادي، ولو أنّه يجري الالتفات إلى القطاعات الأخرى بخطوات خجولة بين الحين والآخر، من غير أن نلتفت بصورة خاصة وجادّة إلى الثقافة والتراث المادي وغير المادي، كنز لبنان الأوّل الذي باستطاعته أن يسهم إسهاماً كبيراً في توفير مصادر ذات جدوى لعملية إنمائه المتوازن، تلغي بؤر التوتر الاجتماعي فيه، وتغني حضوره الفاعل والمتميّز في المنطقة والعالم.

اكتسب اللبناني مهارة التكيّف مع الأوضاع كافّة، واجترح التسويات المؤقتة للمشكلات في السلم كما في الحرب، وصدّر إلى العالم فنون التوأمة والتعايش مع الأزمات المتناسلة وأصولها، وأدهش العالم بالقدرة على الاستمرار والبقاء على الرغم من كل شيء؛ ولم أفهم كيف أنّه لم يسعَ بالقدرة نفسها للانتقال من حالة الأزمات المستمرّة إلى مسار الحياة المستمرّة في الترقّي والصعود؟!

تغنّى اللبناني بحبّ الوطن حتى بحّ الحنجرة، وإلى حدود الوله الذي يضني العاشقين، ومدح جماله ومكانته الفريدة ومزاياه التفاضلية و"جسره الممتد بين الشرق والغرب"؛ ولم أفهم كيف لم يقترن القول الوطني بالفعل البنائي الصلب الممتد على مساحة الأحلام والرؤى، والمرتكز إلى ثراء إنساني وثقافي وطبيعي كبير يضعه في موضع الأهلية الدائمة لأن يستعيد دوره المتميّز الذي كان له في المنطقة والعالم، والذي تألّق فيه في مرحلة الستينيّات وحتى أواسط السبعينيّات من القرن الماضي؟!

إذا كانت هذه هي حال اللبنانيين، فإنّ الوقت لم يفت كي يستولد قَدَرُهم من المعاناة عبرةً لا تُنتسى بمرور السنوات، ومن الضيق فرجاً غير مؤقّت، ومن الإحجام إقداماً لا نكوص فيه؛ إذ لا سبيل أمامهم ولا خيار إِلَّا المثابرة والمبادرة واستشراف الغد بإرادة المؤمنين بأنّ لا مكان في الدنيا بديل عن وطنهم الذي يستحق منهم التضحيات، ولو سبق أن دفعوا منها ولآجال طويلة أقساطاً موجعة.

إنّ "بلادي وإن جارت عليّ عزيزة، وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام"!


(*) المدير العام السابق لوزارة الثقافة
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.