القلق الماروني.. في جزيرة الأرانب!

 ريمون ميشال هنود /

عندما مُنِعَ مواطن لبناني من استئجار شقة سكنية في بلدة الحدث، فقط لأّنه لا ينتمي الى الطائفة المسيحية، سألني أحد أقاربي القاطن في مسقط رأسي مدينة العلم والنور طرابلس: ألا تعتقد أنّ سلوك رئيس بلديّة الحدث هذا، سيؤدي الى ردود فعل في المناطق الأخرى التي تقطنها أقليات مسيحية؟ فأجبته "إرمِ قلقك وخوفك في مياه جزيرة الأرانب، لأنّ الفئات اللبنانية باتت تعلم بأنّ عليها ترك تيار يغرق في رمال مستنقع خطابه الطائفي المتحركة، لكي يدرك الرأي العام المحلي والعربي وحتى الدولي، أن من يعتنق هذه المبادئ الفئوية، هو هذا التيار فقط الهادف الى إعادة عقارب الساعة الى الوراء".

يتحدث الوزير جبران باسيل عن ضرورة استعادة حقوق المسيحيين كاملة والتي منحتها للموارنة أمهم الفرنسية الحنون، والعجب بأنه تناسى بأن الجنرال جورج كاترو وغداة انسحاب جيش الاحتلال الفرنسي من لبنان قال "الآن منحناهم استقلالهم، لكن في المقابل منحناهم عدم الاستقرار". باريس جعلت الموارنة يتمسكون بالإمتيازات، الفتنة المدججة بقنابلها الموقوتة وخلاياها النائمة، وجعلتهم في جبل لبنان يصابون بهذيان العظمة وعشق الهيمنة والتفرّد في اتخاذ القرارات والإستئثار. بلد كلبنان في ربوعه 18 طائفة، من المستحيل على الطوائف الأخرى القبول بإهانة كرامات أبنائها واعراضهم لمجرد اعتبارهم مواطنين درجة ثانية وثالثة.

إن التعابير الطائفية التي استعملها الوزير باسيل لا تصبّ بتاتًا إلّا في نصرة أعداء لبنان، إذ إنه خطاب يضاعف معدلات البطالة والهجرة المرعبة.

أما حادثة الجبل فلم تكن لتبصر النور وتودي بشهيدين، لولا استذكار الوزير باسيل، معركة سوق الغرب التي جرت ضمن سياق ما سميّ حينها بحرب التحرير، فلم إعادة التذكير بها؟ أما طرابلس فألف تحية لها، ولأبنائها الذين نجحوا في اثبات أن المدينة لا تقول أهلًا وسهلًا لإنسان لبناني في ربوع وطنه، لأن طرابلس هي لكل اللبنانيين، واللبناني في أرضه ليس في حاجة الى القول له أهلًا وسهلًا بك في مدينة من وطنك، لكن في المقابل نجحت "أم الفقير" في عزل الوزير باسيل عزلةً تامّة، إعتقادًا منها بأنه قد يعيد النظر في سلوكه، للخروج من خطابه الطائفي الذي بات أسير تعابيره الفئوية.

لقد ثبت من خلال سلوك التيار الوطني الحرّ المزمن منذ العام 1989 أنه تيار مصاب برهاب الإسلام أو الإسلاموفوبيا، وثبت أن قادته يعانون من هذه الفوبيا أقله منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.

إن الإصلاح والتغيير الحقيقيين يحتمان إطلاق سراح لقمة عيش هؤلاء الفقراء والمساكين الذين يحيون تحت نير خط الفقر المدقع والعوز الشديد. ولا يجب أن يتوجّس أحد من عدم توازن طائفي لا يستوفي بنود ومندرجات وشروط وخصائص وميّزات مقولة رائعة إسمها لبنان أصغر من يقسّم وأكبر من يُبلع. إن أعداد الناجحين المسلمين في امتحانات وظائف تلك الفئتين ستبقى تفوق أعداد الناجحين المسيحيين فيها، لأنّ المتقدّمين المسلمين الى تلك الإمتحانات سيبقون في كل مرّة أكثر من المتقدمين المسيحيين. وهذا الأمر بات واقعًا لا يمكن محوه.

يقول الوزير باسيل نحن مع العلمنة الشاملة. إن هذا المطلب، حلم راودني منذ طفولتي وبالتحديد إبّان الإجتياح الصهيوني لبيروت عام 1982 وأنا من مواليد الفيحاء في العام 1972، ماركسي الإنتماء. إنّ وطن الأرز العربي الذي تحكمت بقراراته المحاصصات الطائفية بقوة منذ العام 2005، وهيمنت الطائفية على قراراته منذ العام 1840، لا يمكن أن ينجح في الارتقاء من نظام المحاصصات الطائفية الى العلمنة الشاملة بسرعة البرق، من دون المرور بحكم الدولة المدنية له وعصبها المادة 95 من الدستور التي تنصّ على تشكيل الهيئة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية السياسية من النفوس. لذا المطلوب من النوّاب التصويت لاقرار تلك المادة في أقرب وقت خلافًا لرفض التصويت على اقرارها في العام 2010.

وبما أن التيار الوطني الحرّ وحتى العام 2010 رفض التصويت على إقرار المادة 95 من الدستور، أجيز لنفسي أن أصدر حكمًا عليه يجزم بأنّه تيار متعصّب دينيًا مصاب برهاب الإسلام، وما هو الا تيار من تيارات المارونية السياسية التي رفضت الغاء الطائفية السياسية منذ حقبة مجموعة الفينيقيين الجدد في ثلاثينيات القرن المنصرم، مرورًا بحقبة حزبي الكتائب والأحرار، وصولًا الى القوات اللبنانية وظاهرة العماد ميشال عون الأقوى مارونيًا على مرّ التاريخ السياسيّ الماروني.

إن ماضي المارونية السياسية متمسك بإبقاء النظام الطائفي في لبنان، وحاضرنا هذا الذي يجسده الوزير باسيل وتيار العهد هو امتداد لهذا الماضي. والأحزاب الباقية كالقوات والكتائب لا تقبل بالغاء الطائفية السياسية لكنها لا تتفوه بخطاب طائفي، لأنها ليست في سدة الرئاسة، ولو وصلت الى مقاليد الحكم في لبنان لما قصّرت في اتباع نفس خطاب الوزير باسيل إن لم يكن أقوى بذلك بكثير.

مهزلة المهازل تكمن في ما يردده مناصرو أحزاب المارونية السياسية، ومن ضمنهم العونيون، بأنّ كلّ البلدان العربية يحكمها رؤساء مسلمون، فليتركوا هذا البلد العربي الوحيد يحكمه الرئيس الماروني بمفرده.

أيعقل أن تحكم طائفة بمفردها سبعة عشر طائفة أخرى في وطنٍ تبلغ مساحته نصف مساحة محافظة حمص السورية؟!

إنّ خشبة الخلاص الوحيدة تتجلّى بالشروع في قيامكم بنقدٍ ذاتيّ صائب يخوّلكم بموجبه طرد أساطير وأوهام جعلتكم بمنأىً عن الإنسجام مع الطوائف الأخرى، وخصوصًا الإسلامية منها.

وإضافةً الى عقدة الإسلاموفوبيا، ولأنَّ الغاء الطائفية السياسية والعلمانية كانا يصبّان في خدمة المعسكر الإشتراكي بقيادة موسكو والمعادي للمعسكر الرأسمالي بقيادة واشنطن، والتي كانت أحزاب اليمين المسيحي تمحض الولاء للمعسكر الآخر نظرًا لارتباط الموارنة في الوطن والمهجر بعلاقات تجارية ومهنية ومادية وطيدة مع دول ذلك المعسكر، يبدو أن التيار الوطني الحرّ في حيرةٍ من أمره، لأن من يمول هذا التيار ليس فقط حفلات العشاء التي يقيمها في مختلف المناطق، أو بعض الرأسماليين اللبنانيين، إنّما يقتصر التمويل القوي على رجال أعمال أغنياء متواجدين في عواصم الدول الرأسمالية، ومن الطبيعي أن يكون هؤلاء عُرضةً لضغوط هائلة من حكامها يطالبونهم بالضغط على التيار لفكّ ارتباطه بحزب الله.

لقد خاب أملنا وأصبنا بالإحباط والقنوط لأننا اعتقدنا أن هذا العهد هو عهد بناء الإنسان ومعالجة المعضلات الإقتصادية الإجتماعية المعيشية، وشخصت أعيننا الى المكتئبين جرّاء البطالة المزمنة التي فتكت بهم. ودهشنا عندما رأينا أن الهمّ الأول هو استعادة حقوق الموارنة الموجودة في عالم الخيال والأساطير.

إن دماء معروف سعد، وسناء محيدلي، وسعيد فخرالدين، وخالد علوان، وبلال فحص وهادي حسن نصرالله، وسمير القنطار، والياس يوسف حرب، وجمال ساطي، وجورج قصابلي، ولولا عبود، وفرج الله حنين، وكل شهداء إنتفاضة 6 شباط 1984 المجيدة وكل نضالات سهى بشارة وجورج ابراهيم عبدالله، والمطران هيلاريون الكبوشي، والمطران غريغوار حداد، ونجاح وكيم والمقاوم الأول العماد اميل لحود ودماء 14 ألف شهيد من الجيش العربي السوري في لبنان، لن تسمح للخطاب الطائفي أن يستمرّ في التعملق، في محاولةٍ منه لإعادة عقارب الساعة الى الوراء.

الحرب الأهلية في لبنان انتهت، ودستور 1943 تمّت قراءة الفاتحة وصلاة البخور عن روحه منذ 29 عامًا. ولذلك فإن المطلوب بناء الجمهورية الثالثة، الجمهورية العربية اللبنانية وعصبها الدولة المدنية المولودة من رحم المادة 95 من الدستور.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.