حسابات خلف المتاريس الطائفية

رفعت إبراهيم البدوي /

أُوهِم اللبنانيون بأنهم يعيشون في بلد تحكمه دولة لبنانية متكاملة، لها حقوق وعليها واجبات تجاه الوطن والمواطن، وبأن العدل أساس الملك وعماد الوطن يُفرّق بين الحق والباطل بما يضمن حقوق الدولة المواطن.

ظنّ اللبنانيون في وقت من الأوقات أن راية الدولة اللبنانية عادت لترتفع على كل بقاع الوطن اللبناني، وأن زمن الفرز الطائفي والمناطق المحرّمة قد ولى، وبأن الدولة تمكنت من استعادة دورها المسلوب من أمراء الطوائف، وأن رموز الحرب الأليمة وزعماء الطوائف قد انضووا تحت راية الدولة، وبأن الوقت حان لاستعادة حكم الدولة اللبنانية كسائر الدول والأوطان.

اعتقد اللبنانيون انهم استفادوا من دروس الماضي الأليم، واعتقدوا انهم توصلوا إلى اتفاق في ما بينهم أنهى حقبة أليمة كانت قد ألمّت بالوطن لأكثر من خمسة عشر عاماً مورست خلالها ابشع انواع الاقتتال بين الطوائف والخطف على الهوية، وأدت الى حالة من الفرز الطائفي والتقوقع خلف متاريس مناطقية ذات لون طائفي يتزعمها رموز الحرب الطائفية التي فتكت بلبنان، بعد ان جعلوا من انفسهم زعماء طوائف وحماة الطائفة التي ينتمون اليها في مواجهة طوائف أخرى في الوطن.

لكن الحقيقة الثابتة التي لا يجرؤ أحد على المجاهرة بها هي أن زعماء الطوائف اللبنانية، الذين أسهموا في تأجيج الحرب اللبنانية وفي تمزيق الوطن وتزعموا المناطق الطائفية واختطفوا المصلحة الوطنية ونهبوا ثروات الوطن وأفقروا شعبه بعد ان تقاسموا خيراته وجعلوا منها رهينة يقايضون بها تأمين مصالحهم الشخصية والمناطقية والسياسية… قد أصبحوا اقوى من الدولة!

إن حادثة قبرشمون أعادت للبنانيين ذاكرة حرب أهلية نتنة تجلّت بأبشع صورها، واعادت معها رائحة النار والبارود بعدما أُريقت الدماء البريئة، وحصدت أرواح شباب بعمر الورد، كرمى لهذا الزعيم الطائفي أو ذاك الطامح لتحقيق حقوق طائفته، وكل ذلك على حساب أمن الوطن والمواطن، وعلى مرأى ومسمع من الدولة!

لقد ثبت بما لا يقبل الشك، أن زعماء الطوائف لا يمكنهم الإقرار باتفاق الوفاق الوطني والذي أصبح دستوراً لبنانياً واسهم في وقف الحرب اللبنانية، ولا يسعون للالتزام به، ولا نية جدية لتنفيذ بنوده. والسبب هو أن الاتفاق بحد ذاته نبذ الطائفية السياسية، وحدّد أسس قيام الدولة بنسختها الحديثة، وبسط سيادتها على مجمل الارض اللبنانية، الأمر الذي يلغي تسيّد الزعامات ومنطق الطائفية، ما يعيد للدولة هيبتها وسيطرتها، ويجعل من الدولة اللبنانية صاحبة الكلمة العليا، قرارتها ومفاعيلها تسري على جميع أبناء الوطن من دون أي تمييز طائفي أو مناطقي.

لكن زعماء الطوائف رفضوا منطق الدولة وابقوا على منطق الزعامات والمناطق، ولو بشكل مستتر، طالما تأمنت لهم مصالحهم الشخصية، وأبقت بيوت زعاماتهم عنواناً للزعامة الطائفية، لتبقى سياسة الفرز الطائفي سائدة بين أبناء الوطن الواحد.

إن الوساطات الهادفة لتهدئة الأجواء بين أبناء الجبل، أثبتت أن الكلمة العليا في لبنان ماتزال بحوزة زعماء الطوائف، وبأن الدولة اللبنانية عاجزة عن تحقيق المرتبة الاولى في الكلمة الفصل، ولو أن المبادرة والكلمة كانت بحوزة الدولة اللبنانية لما كان لبنان واللبنانيين بحاجة إلى وساطات لنيل رضى زعماء الطوائف الذين احتقروا منطق الدولة، مفضّلين تأييد منطق الطائفية كسبيل أوحد لاقتسام السلطة بلبنان.

إن المعالجة القضائية لملف أحداث قبرشمون لا تكفي، بل يجب المباشرة بمعالجة سياسية سريعة لتجنيب الوطن شللاً مؤسساتياً جديداً، خصوصاً على مستوى مجلس الوزراء ومجلس النواب، ومما يبدو من المواقف المعلنة لزعماء الطوائف فإن الأجواء لا تبشر بالخير.

إن الانقسام الطائفي الحاصل في لبنان أسّس لانقسام من نوع آخر، حيث تقاسم أصحاب النفوذ وزعماء الطوائف قرار لبنان السيادي وإن أدى ذلك للإطاحة بسيادة لبنان، غير آبهين بالمصلحة الوطنية، تراهم في سعي حثيث لتأمين مصالح دول خارجية، وان كانت تتناقض ومصلحة الوطن. همهم الوحيد البحث عن السبل الكفيلة بحماية مصالحهم الشخصية واستمرار نفوذهم وابقائهم في المشهد السياسي والحزبي، وإن ثبت بأن وجودهم في السلطة أضحى سبباً رئيسياً في زيادة مأساة تمزيق الوطن وتفتيته وتحويله الى اوطان طائفية ومذهبية، متسترين بشعار العيش المشترك.

ان منطق الدفاع عن الحقوق الطائفية صار الأهم، وبشكل بات يتقدم على منطق السيادة الوطنية، لأن الوطن عند زعماء الطوائف صار مختصراً بمنطقة مسيّجة بالطائفية.

لقد استغلّت الولايات المتحدة هذا الواقع اللبناني لتتسلّل إليه، فأطلقت عبر وزارة الخزانة الاميركية قذيفة صوتية أميركية تفرض بها عقوبات على أعضاء في البرلمان اللبناني، رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد وعضو الكتلة النائب عن بيروت أمين شري بالإضافة الى مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في "حزب الله" وفيق صفا.

لا شك ان قرار الخزانة الاميركية بفرض العقوبات على نواب "حزب الله" هو اعتداء مستنكر وسافر على السيادة الوطنية اللبنانية، وعلى الشرعية في لبنان، لكن القرار الاميركي استهدف محور المقاومة الممتد من إيران الى سوريا وصولاً إلى لبنان، وكأن العقوبات الاميركية اصطنعت لتُطلق ضد كل من يقف بوجه العدو الاسرائيلي ويهدد الأمن الاسرائيلي ويناهض سياسات أميركا الرعناء.

ان بعض اللبنانيين بادر الى دق الكؤوس تهليلاً وترحيباً بقرار الخزانة الاميركية على أعضاء في "حزب الله" معتبرين أن في هذا القرار انتقاماً من "حزب الله" ودعماً أميركياً لبعض هواة السياسة في لبنان.

ان ما صدر عن بعض المسؤولين في لبنان من بيانات تعبر عن الاسف للقرار الاميركي لا تكفي ولا تعبر عن موقف لبناني رسمي حازم، لأن بيان الاسف لا يعبر إلا عن ضعف وخوف من الصلف الأميركي.

مما لا شك فيه ان قرار الخزانة الاميركية جاء بتشجيع من بعض اللبنانيين كتبة التقارير للإدارة الأميركية، وهذا دليل واضح على وجود انقسام سياسي حاد في لبنان، ومن المرجح أن يتفاقم في الآتي من الأيام، خصوصاً مع قرب صدور قرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

ان قرار الخزانة الاميركية ضد أعضاء في البرلمان اللبناني يتطلب موقفاً رسمياً لبنانياً رافضاً وشاجباً، يتضمن الدعوة إلى عدم تطبيقه أو الالتزام به مهما كانت الظروف، فإما أن ندافع جميعاً عن السيادة الوطنية وإما أن نرتضي الهوان لصالح الاميركيين، وتستمر القبائل اللبنانية تحترف تصدير فنون التمترس الطائفي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.